من آلهة الأوليمب: أثينا (منيرفا)

ابنة زيوس المفضلة

سنبدأ أولا بسرد حكاية أثينا (منيرفا) الشيقة. بعد ذلك، سنقوم بالنظر في التماثيل والمعابد والمعالم التي أقيمت لتمجيدها.

بينما كان كبير الآلهة زيوس، يتنزه في حدائق الأوليمب ذات صباح، وجد غادة جميلة. هي ميتيس من آلهة التيتان، ابنة أحد أعدائه السابقين.

الآن قد مضى وقت الحرب، وجاء وقت الحب. نحن نعرف أن كبير الآلهة، فلاتي (وبتاع نسوان من الدرجة الأولى). لذلك لم يضع هذه الفرصة، وقام بالتحرش بـ "ميتيس".

لكي تهرب من رزالته، تحولت إلى حدأة وطارت بعيدا عنه. فنسي كبير الآلهة وقاره وتحول هو الآخر إلى صقر لملاحقتها. عندما اقترب منها، تحولت إلى سمكة وغاصت في بركة ماء بالقرب منها.

تحول هو الآخر إلى سمكة، وسبح إليها تحت الماء. خرجت بسرعة إلى الشاطئ، فتحولت إلى حية. فتحول هو إلى ثعبان وقام بمطاردتها على اليابسة إلى أن أمسك بها والتف بجسده حولها.

بعد أن تركها، سمع طائرا يصيح في الفضاء، وسمكة تقفز وتغوص في الماء. من هذه الأصوات، تنبأ زيوس بأن الغادة ميتيس، سوف تنجب منه ابنة.

لكنها لو حملت منه مرة ثانية، سوف تلد ولدا، يقوم بحربه وانتزاع الملك منه. تماما كما فعل هو مع أبيه كرونوس، وكما فعل أبوه كرونوس مع جده أورانوس.

في اليوم التالي، بينما كان يمشي زيوس في الحديقة بين الأزهار والرياحين، قابل ميتيس مرة ثانية. لم تفر منه هذه المرة. خاطبها برقة وابتسم لها. اقتربت منه، ففغر فمه وابتلعها بكاملها وهي حامل.

كل يوم، على قمة الأوليمب، يجتمع مجمع الآلهة لرعاية شئون الكون. يجلسون لتناول شرابهم المفضل من رحيق الأزهار. عندما يقرر أحدهم النزول إلى الأرض، يأتي على متن السحاب.

في أحد الأيام، عندما كان مجلس الآلهة منعقدا، أصاب كبير الآلهة زيوس صداع شديد، لم يصادف مثله منذ بداية الزمن. (هل الآلهة تصاب بالصداع؟)

من شدة الصداع، لم يجد زيوس بدا من الاستعانه بالإله هيفاستوس (فولكان)، الإله القميء الأعرج، الذي يعمل بالحدادة. وأمره زيوس بأن يأتي بمطرقته ويدق على رأسه بشدة، حتى يخفف من ألم الصداع.

بالطبع، فولكان، الذي اشتقت من اسمه كلمة بركان بالإنجليزية (volcano)، ليس في مقدوره سوى طاعة أوامر كبير الآلهة زيوس. وضع زيوس رأسه على السندان، وجاء هيفاستوس بمطرقته.

بعد خبطتين في الرأس أو ثلاثة، إذا بدماغ كبير الآلهة تنفتح وتخرج منها الإلهة أثينا (منيرفا)، بحلتها الحربية ودرعها ورمحها في يدها وخوذتها على رأسها.

بالطبع هذه طريقة ميلاد نادرة الحدوث. لكن الميلاد من الرأس، له دلالة بالغة الأهمية. أثينا (منيرفا)، جاءت من رأس زيوس، إذن لا بد أن تكون ذكية عبقرية حكيمة عليمة.

الميلاد عادة يمر بمرحلة الطفولة والصبا والشباب، ثم النضج والشيخوخة. لكن في حالة منيرفا، هي ولدت كاملة متعلمة حكيمة منذ البداية، مثل الحشرات. فالحشرة، هي أيضا، تولد كاملة منذ خروجها من الشرنقة، ولا تولد صغيرة ثم تكبر مثل باقي الحيوانات.

البومة هي طائر أثينا (منيرفا) المفضل. شجرتها المميزة، هي شجرة الزيتون. لذلك نجد البومة هي رمز الحكمة عند الغربيين. ونسمع تعبير بومة منيرفا، الذي جاء في "فلسفة الحق" لهيجل.

حيث يقول: "إن بومة منيرفا لا تبدأ في الطيران إلا بعد أن يرخي الليل سدوله". أما الشرقيون، فالبومة عندهم تمثل طائر شؤم وخراب.

بعد ميلاد أثينا (منيرفا) مباشرة، التحقت بمجلس الآلهة، الذي كان يناقش عملية تسمية إحدى المدن الإغريقية. نظرا لأن آلهة الإغريق، لها عيوب البشر أيضا، لذلك لم يتمكنوا من الاتفاق على اسم واحد للمدينة.

لذلك، قرروا عمل مسابقة بينهم، لمعرفة من له شرف إطلاق اسمه على المدينة. أسفرت التصفيات النهائية عن فوز إلهين: بوسيدون (نبتون)، وأثينا (منيرفا).

لذلك، قررت الآلهة، لحسم الأمر بينهما، أن يكون الفائز بهذا الشرف، هو من يأتي بعمل، يكون من أكثر الأشياء فائدة للإنسان.

من الآن، سوف أستخدم الاسم الإيطالي، منيرفا، بدلا من أثينا، حتى لا يختلط اسمي أثينا الإلهة وأثينا المدينة. لكن أثينا، هي نفسها منيرفا.

سارع بوسيدون بإلقاء رمحه ذي الثلاث شعب على الأرض، لكي يظهر في التو واللحظة حصان جميل الشكل بصحة جيدة. بهرت الآلهة بجمال الحصان، واعتقدت أن بوسيدون إله البحار، هو الفائز بدون أدنى شك.

جاء دور منيرفا، فقامت بضرب الأرض بعصاها. على الفور، نبتت منها شجرة زيتون مباركة. أرادت منيرفا أن تخبر الآلهة بطريقة بليغة، أن شجرة الزيتون هي الأفيد، لأن منها نستخرج الزيت الذي يستخدم في الأكل والإضاءة، ومن ثمارها نأكل، وبأوراقها نستظل من الحر والقيظ. لأهمية أشجار الزيتون في الحضارات القديمة، جاءت في الإنجيل والقرآن.

هنا تأكدت الآلهة بحكمتها من فوز منيرفا بالجائزة، لأن شجرة الزيتون أفضل من الحصان جميل الشكل. لذلك، خلعت على منيرفا شرف تسمية المدينة الجديدة.

في حرب طروادة، كما جاء في الإلياذة، هي شرسة لا ترحم. لكن في أماكن أخرى، هي المدافع عن الوطن والبيت من الأعداء. هي أيضا حامية للحضارة والصناعة والزراعة. هي التي اخترعت اللجام للحصان.

هي ابنة زيوس المفضلة وموضع ثقته. وكان لا يأتمن أحدا غيرها على مطرقته البرقية. تسمى ذات العيون الرمادية أو العيون المتوهجة. من بين الإلهات العذارى الثلاث، هي رئيستهن.

منيرفا يعني اسمها بالإيطالي "الحكمة". أما اسمها بالإغريقي، فهو "أثينا". لذلك، تم تسمية المدينة الجديدة "أثينا"، تكريما للإلهة منيرفا أو أثينا، ابنة زيوس (جوبيتر).

المدن الإغريقية تبنى عادة على تل محصن مرتفع عن الأرض، يسمى أكروبوليس. على التل يوجد مكان مقدس مخصص لحماية رموز العقيدة، باقي المكان يعتبر ملجأ للناس حينما يشتد الخطب ويعم البلاء.

في أكروبوليس أثينا، يوجد تمثال صغير من خشب شجرة زيتون للإلهة منيرفا. هذا التمثال يعتبر تمثالا مقدسا، لأن الاعتقاد هو أنه سقط من السماء. وما أكثر الأشياء التي تسقط علينا من السماء.

الحجر الأسود في الكعبة، يعتقد أنه جاء من الجنة، ويرى العلماء أنه حجر من أحجار الشهب التي تسقط على الكرة الأرضية طوال الوقت. كان أبيض اللون، ثم اسود بعوامل الأكسدة. لذلك، كان تمثال منيرفا يغسل بالماء المقدس ويعطر ويعتنى به كل يوم.

أثبتت الأيام أن منيرفا هي الراعي والحارس الأمين لمدينة أثينا. فقد قامت منيرفا بتعليم الصبايا غزل ونسج الملابس، وقامت بتلقين الشباب فنون القتال والحرب.

عندما قامت حرب طروادة بين مدينة أثينا ومدينة طروادة بآسيا الصغرى (تركيا حاليا)، كانت حماية وشفاعة منيرفا هي سبب نصر الإغريق. سبب الحرب، هو خطف باريس لهيلين زوجة مينالوس ملك اسبرطة.

هذه الحرب، تعتبر من أهم أحداث الميثولوجيا الإغريقية. جاءت في ملحمة هومير: الإلياذة والأوديسة، وجاءت في معظم التراجيديات الإغريقية، وأيضا ذكرها الشعراء الرومان أمثال فيرجل وأوفيد.

يعتقد الإغريق أن منيرفا إلهة الحرب والحكمة، قد ساعدتهم أيضا في انتصارهم على الفرس، في معركة الماراثون الشهيرة. هذا جعلهم مغتبطين وممنونين، لوفاء منيرفا لهم ووقوفها إلى جانبهم طول الوقت.

لذلك، قرروا التعبير عن اغتباطهم هذا ببناء معبد، يليق بالإلهة الجميلة، على هضبة الأكروبوليس. هذا المعبد، يجب أن يكون أجمل المعابد في العالم. كان هذا في مقدورهم، لأن المدينة أصبحت غنية بالمغانم والأسلاب التي أسفرت عنها حروبهم مع الفرس.

بجانب الغنى والثراء، كان وجود رجل الدولة الحكيم بيركليز عاملا مهما. فعندما أوكله الأثينيون مشروع بناء معبد منيرفا، طلب بيركليز على الفور، مساعدة أفضل المهندسين، إكتينيوس، وأشهر الفنانين المتخصصين في صناعة التماثيل، فيدياس.

ثم قام فيدياس بدوره بتجنيد العديد من الفنانين المشهورين من كل أنحاء بلاد اليونان، لمساعدته في إتمام هذا العمل الجبار.

تم بناء معبد منيرفا. لكنه يختلف عن المعابد المصرية القديمة. فهو أصغر حجما، ولا يُقارن بمعبد الكرنك مثلا في الضخامة والحجم. لكنه بني من الرخام الملون والمرمر الأبيض الخالص. سقفه مدبب.

السقف مرفوع بأعمدة جميلة. نوعان من الأعمدة تم استخدامهما في الأكروبوليس. العمود الدوري (Doric) البسيط الخالي من النقوش، والعمود الأيوني (Ionic)، تشبه رأسه قرني الكبش.

يوجد نوع ثالث من الأعمدة الإغريقية وهو العمود الكورنثي. نسبة لمدينة كورنث في اليونان. وهو طراز أكثر تعقيداً من الدوري والأيوني، حيث يبنى تاج العمود على شكل زخارف نباتية. يوجد هذا النمط في الحضارة المصرية بكثرة.

إضاءة المعبد من الداخل تأتي من السقف. مقصورة الإله بها تمثاله كما في المعابد المصرية الفرعونية.

الأكروبوليس أو الأكروبول الإغريقي، يقع على تل، يرتفع عن مدينة أثينا بـ 150 قدما. كلمة أكروبوليس تعني المدينة العليا. طريقان من السلالم الرخامية العريضة تقود إليه. بينهما طريق ثالث للدواب والعربات الحربية.

البوابة أو المدخل، البروبليون، الواقعة في غرب التلة، عبارة عن معبد محاط بالأعمدة الدورية. ثم نجد معبدا متواضع الحجم على اليمين، مدعما بالأعمدة الأيونية، خاص أيضا بالإلهة منيرفا.

في المواجهة، سوف نرى تمثالا ضخما من البرونز، هو تمثال الإلهة المحاربة منيرفا. ارتفاعه 70 قدما، أعلى بكثير من سقف المعبد. يمثل منيرفا وهي مسلحة بالرمح والدرع وعلى أهبة الاستعداد للقتال.

تمثال منيرفا يقف شامخا في الأكروبوليس أعلى من كل معابدها. يمكن أن تراه المراكب من بعيد وهي في عرض البحر. منظر تمثال منيرفا المستعد للقتال، لا بد أنه كان يرهب الأعداء، ويطمئن البحارة العائدين إلى ديارهم بعد طول غياب.

هناك أيضا، في أكروبوليس أثينا، معبد إرخثيون، الذي بني لكي يحمل اسم إرخثيون الملك الإغريقي العظيم. به تمثال خشبي مصنوع من شجرة زيتون مباركة. ومدعم سقفه بتماثيل الحوريات بدلا من الأعمدة المعتادة.

معبد البارثينون المدعوم بالأعمدة الدورية، هو أعظم وآخر المعابد التي أنشأها اليونانيون لتكريم الإلهة منيرفا في الأكروبوليس، وأكبرها نسبيا. كلمة بارثينون تعني بيت الفتاة العذراء.

الإفيز الخارجي الذي يعلو الأعمدة ويحيط بالسقف، عليه نقوش جليلة مليئة بالحركة والحيوية. على أحد الجوانب، ترى منيرفا وهي تبزغ من رأس زيوس، وهي بكامل عدتها وعتادها.

على الجانب الآخر، تشاهدها وهي تباري بوسيدون على أحقية أيهما في تسمية المدينة. خلف الأعمدة، ترى نقوشا أخرى تحيط بالمعبد كله.

معبد البارثينون كان مثوى تمثال آخر لمنيرفا، صنعه المثال العظيم فيدياس من الخشب، مطعم بالعاج والذهب وارتفاعه بلغ 37 قدما. الرأس واليدان والقدمان من العاج.

العينان من الأحجار الكريمة، الملابس من الذهب الخالص. صدر منيرفا مرصع بالأحجار الكريمة. تقف منتصبة القامة، وتلبس الخوذه على رأسها.

يأتي الناس من كل أنحاء الإغريق لمشاهدة هذا التمثال الرائع. ما نعرفه عن التمثال، من كتابات أدباء الإغريق وشعرائهم. أو من تماثيل صغيرة وجدت في الحفريات، تقلد التمثال الأصلي لمنيرفا.

شوارع أثينا في العصر الذهبي، كانت مليئة بالتماثيل والمعابد. الأكروبوليس يطل على المدينة من عل كمتحف رائع. عندما تشرق الشمس، وتحتضنه بأشعتها الذهبية، تتلألأ أجزاء المرمر والعاج والرخام الأبيض والذهب والبرونز، التي تكون هذا العمل الفني الرائع من بعيد، لكي تبهر الناظرين. عمل لا أقل من كونه تاجا على رأس الفن الإغريقي القديم.

لكن دوام الحال من المحال. يبدو أن منيرفا قد تخلت أخيرا عن مدينتها الرائعة. فقد توالت هزيمة الإغريق في المعارك الحربية، وفقدت الكثير من أعمالها وتراثها الفني، بالتدمير أو السلب والنهب.

البارثينون، الأعجوبة المعمارية والفنية، تحول إلى كنيسة مسيحية، ثم إلى مسجد تركي، لنا أن نتخيل تأثير ذلك على التماثيل والنقوش داخله وخارجه. مبان أخرى في الأكروبوليس دمرتها العقيدة المخالفة، أو الحقد والتعصب الديني، أو الزلازل، أو الإهمال، أو الحرب.

في عام 1687، أثناء حرب تركيا والنمسا، ألقت النمسا قنبلة على سقف البارثينون، لكي تحول ما تبقى من هذا المبنى الرائع، الذي ليس له مثيل، إلى فتات ومئات القطع الصغيرة.