معركة الاعلام العربي في مواجهة الاعلام الداعشي

لا شك ان الحديث عن المواجهة القائمة بين الارهاب من جهة وبين المستهدفين من هذا الارهاب سيقودنا مباشرة الى النظر بشكل جدي وواعي الى دور الاعلام في مثل هذه المواجهة الخطيرة وسيقودنا ايضا وفي المقابل الى الحديث عن استحضارات الاعلام العربي لهذه المواجهة على فرض ان الدول العربي قاطبة مستهدفة من داعش ومن عقيدتها التدميرية التي تسعى من خلالها الى ازاحة هذه النظام العربي واستبداله بنظام الخلافة الافتراضي الطوباوي.

ولعل السؤال عن دور الاعلام العربي في مقابل الاعلام الداعشي سيرافقه سؤال اساس ومحوري وهو: من الذي يمتلك زمام المبادرة في هذا الصراع المتعدد الاطراف والمشتعب لاسيما بعد تمدد داعش ووصولها الى تخوم شمال افريقيا واقترابها فعليا من حدود اوروبا من خلال مافعلته بالفتك بالعاملين المصريين الابرياء في ليبيا.

فالملاحظ ان الاعلام العربي بصفة عامة وخاصة الاعلام الفضائي التلفزيوني صار في حكم الذي ينتظر صانع الحدث الذي هو الفاعل والمحرك وهو الذي سيحتل خبر الصدارة في قرابة 600 فضائية عربية، فما ان تبث داعش اشرطتها المصورة للفتك بضحاياها من الاسرى او الاشخاص العزل كما حصل مع الصحفي الاميركي فولي والصحفي الياباني كينجي غوتو وكما حصل مع الطيار الاردني الكساسبة وكما حصل مؤخرا مع العاملين المصريين.

ان هذا الواقع الذي يجعل الاعلام العربي عامة يقوم بدور الانتظار لما ستقدم عليه داعش والتعليق على ذلك وبما في ذلك الظواهر الجديدة المرافقة لبث افلام داعش وهو انفعال المذيعين ومقدمي البرامج في العديد من الدول العربية فهذا يلجأ للشتيمة وذاك يصرخ مطالبا برص الصفوف والانتقام وهنالك مذيعات ومذيعين لم يتحملوا مايشاهدون فانحرطوا في نوبات بكاء على الهواء مباشرة.

لاشك ان داعش بوصولها الى هذا النوع من الاداء الانفعالي سواء الساخط او الحزين تكون قد اصابت ماتريده من رسالتها الاعلامية الصادمة فضلا عن نجاحها في اشاعة الرعب وهو احد اهم الاهداف في حرب داعش في اطار ما يسمى بـ"التوحش" الذي يجب ان يرافق الفعاليات الحربية او ما يسمونه "الفعاليات الجهادية".

مما لاشك فيه ان الاعلام العربي لم يكن مهيأ ولا مستعدا لهذه المعركة وان ادارته للمواجهة الاعلامية لا تعدو احيانا تكرار دور الاعلام الغربي البعيد عن ميدان المعركة من جهة كونه اعلاما شاهدا ومراقبا وراصدا وليس اعلاما يمتلك صفة الندية في غالب الاحيان لانه ليس في معركة ارضية مباشرة مع داعش كما هو في البلاد العربية، ولهذا يصبح غريبا ان يكتفي الاعلام العربي بهذا الدور المراقب والصامت او المحلل على استحياء.

ولكي نخرج من دائرة التعميم يمكننا رصد فضائيات ذات اما ذات ميول اسلاموية او انها متعاطفة مع داعش ولهذا فأنها تبادر الى نقل الحدث وتكرار عرضه مرارا والتعليق عليه في اطار تمثيلية وادعاء غير مؤكدة مصداقيته انها بصدد تحليل الواقعة ورصدها من خلال اراء متعددة لخبراء ومتخصصين الى ما هنالك لكن في الحقيقة ان الامر لا يحتاج الى مزيد من الثرثرة الزائدة حول الحدث والعجز عن مقاربة الحدث نفسه وفي بعض الاحيان تعمد عدم الغوص في الحدث نفسه لانها ان فعلت ذلك فستكون مطالبة بأدانة هذا السلوك ورفضه بشكل قاطع واستنهاض الادوات الاعلامية المتاحة لمواجهته وهو امر غير ممكن ولا متاح.

ان الاشكالية الكبرى في هذا المجال هي القناعة الراسخة لدارسي هذه الحركات الجهادية انها والاعلام صنوان وانها تستخدم الوسائل والادوات والرسائل الاعلامية ووسائل التواصل الاجتماعي الى اقصاها وكذلك ما صرنا نشاهده من افلام فيديو مصنوعة باتقان وبمهارة وأمكانات تقنية وفنية وادائية عالية وهو ما يثير الحيرة والدهشة ايضا حول امكانات هذا التنظيم وقدرته على صنع رسالة اعلامية متماسكة وصادمة يتحقق فيها هدفه في القاء الرعب والخوف في قلوب ونفوس الخصوم وتلك هي الغاية الاهم التي يسعى اليها.

ان اشكالية الاعلام العربي اليوم تبدو اشكالية معقدة ومركبة وخاصة مايمكن ان نسميه بالاعلام الفضائي ممثلا في القنوات التلفزيونية الفضائية اذ سيرافقها سؤال: ما ادوارها في هذه المواجهة – المعركة وماذا قدمت؟ وهل كانت بمستوى الحدث والمعركة الاعلامية؟ وهل حاولت ولو بالحد الادنى ان تبني "جبهة" اعلامية متماسكة قادرة على التصدي لهذا الطوفان الاعلامي الداعشي الذي يجعل الافلام الداعشية في متناول مساحة ضخمة من المتابعين فيما متابعي الفضائية العربية يتخلق في داخلهم احساس ان قناتهم الفضائية تبدو من غير حول ولا قوة.

مما لاشك فيه ان الاعلام العربي يمتلك كل ادوات ووسائل النجاح في هذه المعركة الاعلامية القاسية والمشتعبة والخطيرة ويمكنه كسبها فيما لو اعيد النظر في هيكلية الخطاب الاعلامي ووجدت استراتيجية اعلامية واعية تستند الى التنسيق بين وسائل الاعلام العربية ولو بالحد الادنى وهي امنيات قد يمر زمن غير قصير لكي تتحقق لسبب بسيط وهو التنافس والتناحر وحتى الصراع بين وسائل الاعلام العربية - العربية.