سمير الفيل بعد 'اللمسات': كتابتي جارحة لكنها ليست سوداوية

خوف وارتياب من الزمن

صدرت منذ أيام قليلة المجموعة القصصية الجديدة "اللمسات" للكاتب سمير الفيل، وفيها يحاول أن يقدم أحداثا واقعية في إطار إنساني شفاف، فهو يبحث عن المعنى في تحولات الحياة، حين يلامس البطل قمرا برتقاليا أو حين يخرج الرجل من النفق، أو حين تتمرد المرأة على قوانين القهر في عش الزوجية أو حين تنهض الفتاة لتستكشف معنى الحب. وذلك عبر أقاصيص تتميز بالقصر وبالنفس الحكائي المعني بـ "الحدوتة".

وهو ما يتجلى أكثر ما يكون في نصوص مثل "عروسة حلاوة"، "لمس أكتاف"، "ورد صناعي"، "على نار هادئة"، "خارج الصندوق"، "قفص الجوافة"، "طبالي مباركة"، غلافه أخضر".

يكتب سمير الفيل لمزج الأسطورة بالواقع المعيش، حين يعالج فكرة إنكار الذات، ومعنى جواز السفر، وعن محاولة انتحار شاب، وعن شيخ هجرته ابنته وسافرت لكندا، وعن ورقة إجابة بلا كتابة، وعن منضدة تضج بالحياة وأخرى مشغولة بالعبوس، وعن زلزال بقوة 6 ريختر يعيد تنضيد حياة شاب مقهور، وهو في كل احوال الكتابة يحول الموقف اليومي المعتاد إلى فن سردي بامتياز.

ويرى الفيل أن خبرته كشاعر أفادته كثيرا في أن يلتقط بعين الكاميرا مشاهد متنوعة من حقول معرفية ولمحات ذاتية ثم يدخل ذلك معمل السرد ليوظف شحنة الموسيقى وترديدات اللإيقاع في منحنيات السرد.

ويؤكد أن الشخصيات التي يتعامل معها تحمل انكسارات الوجود، لكنها تحاول أن تنهض لتعانق الحياة.

ويقول: أعتقد أن خبرتي كشاعر قد أفادتني في إعادة تنضيد الأحداث بحيث أضيف وأحذف بقدر من الجرأة التي يمتلكها الشاعر أكثر من غيره. فمثلا في باقة سردية بعنوان" الشارع التجاري" كانت ثمة تجارب واقعية دمجتها في مجال بصري يخص النص القصصي، لكنني أقدمت على حذف المقدمات وربما النهايات. وفيما يبدو أن النفس القصير واللهاث كان نتيجة ارتباك المشهد السياسي في مصر، فباتت الكتابة أقرب للمسات سريعة تحتفي بالمنكسرين، لكنها في ذات الوقت لا تقيم سرادق عزاء لهم.. حتى في قصة "لمس أكتاف" كنت أحاول أن أثأر لمن وقعوا في قبضة السلطة الغاشمة، فردوا على الضربة بضربة مثلها. أبطالي رغم فقرهم وعوزهم لديهم كبرياء. ولا يهمهم الموت.

ويشير الفيل إلى أن في نصوصه خوفا وارتيابا من الزمن، ومقدمات نهنهة للفقد، لكن في أغلب الأحوال هناك أسطورة ما تحاول أن تعدل الميزان. ويقول: أبطالي يعانون العزلة فيقفزون في الفراغ وتدق أعناقهم وهم يترنمون بقصة حب فاشلة. إنها كتابة جارحة ومحزنة، ولكنها ليست بحال سوداوية لن ثمة ضوء في نهاية الأفق.

يهدي الفيل مجموعته "إلى اللمسات التي تركت ندوبا في الروح.. قد لا نراها رؤيا العين.. لكننا نشعر بآثارها.. تدق القلوب، أو تربت على الجسد في عنفوانه وانهزامه".

هذه هي المجموعة رقم 13 في مسيرة الكاتب القصصية وكانت آخر مجموعاته السابقة هي: "جبل النرجس"، و"حمام يطير"، و"الأبواب". وقد ترجمت بعض أعماله للإنجليزية والفرنسية كما أن الدكتور عبدالله الطيب اختار نصوصا له في أنطولوجيا القصة العربية الصادرة في هيوستن – تكساس بأميركا عن دار "ستراتيجك بوك ببليشنغ اند رايتس"، وقدم له الكاتب البريطاني المعروف جوناثان لويس.

• لقمة

صار قادرا على التنفس بعد أن انزاحت الصخرة عن صدره. إنه الآن أحسن حالا، وهو يرقب طيور السمان تمرق آتية من الشمال. صخرة انتظاره زحزحت، وهي تأتي حسب الاتفاق من الطرف الآخر، حيث ضفة النهر التي تستند عليها قوارب الصيادين.

انتهى من دفن زوجته، وتلقى واجب العزاء، منذ أربعين يوما أطلق لحيته؛ حزنا واحتجاجا على الرحيل المباغت، دورها يتلخص - رغم زواجه منها – في الاعتناء ببنتين صغيرتين، وولد يحبو في البيت القريب، سيمنحها حسب الاتفاق راتبا شهريا محترما، جاءت وقد ارتدت ثوبا أسود مشغولا بحبات خرز لامعة، تعكس ضوء الشمس بمقدار، مدت يدها، سلمت عليه بتحفظ، ومن خلفها الخادم يلهث تحت ثقل الحقائب التي كان يحملها فوق كتفه.

بمشقة وضع الحقائب في السيارة التي كانت في الانتظار. لم يتبادل معها كلمة واحدة، وقد راحت ترقبه بحذر من وراء زجاج نظارة شمسية سميكة أخفت جزء من وجهها. يعرف أنها فاتنة، وهو يدرك أنها فقيرة ومطلقة. يعرف أنها شديدة العناد، وهى تعلم أنه سينفي صفة البخل بالإسراف في الإنفاق بسعة قد لا يحتملها قلبه الواهن.

كانت متأكدة أنه يرزح تحت ثقل السبعين، وسعاله الشديد أكد لها هذا الخاطر، ربما يموت وترثه. فكر أنها قد تعيد له شبابه الذي ولى مع انحدار العمر تحت القبة الزرقاء التي يرقب ابتعادها عنه. مرقت السيارة، وما لبثت أن توقفت أمام عمارة من سبعة طوابق.

أشار لها أن تصعد أمامه، والحقائب سينقلها إليها صبية حلقة السمك الذين اصطفوا لمساعدته، فاختار بعناية أهزلهم جسدا، وأشار للباقين بالانصراف. شقة واسعة، وامرأة عجوز، تعصب رأسها بمنديل رصاصي اللون، رمقتها باحتجاج صامت، واستمرت في تلميع قطع الأثاث الهامدة.

لأول مرة يتكلم : أهلا وسهلا ، بيتك و مطرحك. هزت رأسها ممتنة، مد يده بكوب عصير مثلج. تناولت الكوب بيدها، وضعته على المنضدة. المرأة تدس نظرها في قطع الأثاث، تلمع الأركان والزوايا بلا حماس.

بصوت رتيب تنحنح وخاطب العجوز: هات البنتين والولد من عند خالتهم. مشت ببطء، وغابت لدقائق ثم عادت بهم، كانوا يتحسسون طريقهم كالقطط المغمضة، آن للعجوز أن تترك البيت وتمضى، لقد ضحكت وهى تراهم ينظرون إليها بفضول.

قال الأب وهو يغالب السعال: أمكم الجديدة. هرش رأسه؛ فقد خانه التعبير، لقد أراد أن يقرب المسألة. خلعت حذاءها، وتركت الجورب الشفاف، مالت بجذعها تستريح. قالت بحساب: اذهب إلى شغلك واتركهم لي. هز رأسه متفهما، فيما يده تمتد بلفافة من أوراق مالية، تناولتها، ثم دستها بحرص في حقيبة يدها الصغيرة. لم تعترض وبدا الموضوع كأمر مفروغ منه. سألتهم بنبرة محايدة: هل أنتم جوعى؟ هزت البنت الكبيرة رأسها بعنف: لا. قالت البنت الصغرى باحتراس : نريد أن نستريح في غرفتنا، أما الصغير الذي راح يحبو في الصالة، فقد اتجه للغرفة المغلقة في نهاية الصالة، وهو يبكي.

كما لو كان كل ما جهزه من ترتيبات على وشك أن يفسد. قال بشيء من القلق: سوِّى أمورك. قالت وهي تصرفه: سنتدبر كل شيء. أغلق الباب، وهبط إلى حلقة السمك، والحسرة تأكل قلبه.

قالت، وهى تحمل الولد: سأكون معكم في بيتكم، تعالوا للمطبخ نجهز لقمة قبل أن يأكلنا الجوع.

تتبعوها وعيونهم متسعة من الاستغراب!