الداعشية: ما أسفرت عنه أزمة الخطاب الإسلامي

طاعون داعش يقتل واحد وعشرين قبطياً مصرياً

فى تفسير العنف الأصولى لتنظيمات من قبيل القاعدة وداعش، يجب أن نأخذ فى الاعتبار أنها تتصدى بطريقتها الخاصة لحل أزمة مزمنة تخترق الخطاب الإسلامى الشائع فى المنطقة.

هذه الأزمة يمكن أن نسميها ازدواج المعايير بين فكرة إصلاحية تعمل على استدخال القيم الإنسانية العامة، وفكرة أصولية مختلفة كثيرا، تعمل على مستوى أعمق.

مثلا، يرى الخطاب الإسلامى الإصلاحى (ويوصف أيضا بالمعتدل والوَسَطِي) أن الإسلام، يحمل قيم حقوق الإنسان كافة، بل سبق العالم فى هذا المضمار. لكن هذا الادعاء العريض لم يجر أبدا فى تأسيسه بشكل عميق فى الخطاب الإسلامى السائد، لأنه لم تجر مواجهة صريحة لأفكار مناقضة تماما قائمة وراسخة فى التراث الإسلامي.

مثلا، تقول قاعدة فقهية بأنه لا قصاص لمسلم قتل كافرا، محاربا كان أو غير محارب، ذميا كان أو غير ذمى (باستثناء المذهب الحنفى الذى قال بغير ذلك). قد يمكن حل هذه المشكلة بالأخذ بالاجتهاد الحنفي، لكن لو نظرنا لمنطق الفقه بأكمله فى نقاشاته هذه، فسنجد المشكلة أعمق من ذلك. يفترض الفقه فى مجمله أن المسلمين فى مجموعهم أمة، تتكافأ دماؤهم ولهم حقوق وعليهم واجبات مخصوصة، بما يمتنع معه القول بوجود موضع متاح لفكرة حقوق الإنسان. ذلك أن هذه الفكرة الأخيرة تتعلق بمُطلَق الإنسان، أيا كان جنسه أو دينه أو لونه، إلخ. فلا يمكن اعتبار ما ورد من شرائع ووصايا أخلاقية تتعلق بالعدل والرحمة مكافِئة فى أصولها ومن حيث المبدأ لفكرة حقوق الإنسان، أى حقوقه بوصفه إنسانا فحسب.

كذلك من جوانب هذا التمييز بين المسلمين وغيرهم أن المسلم وحده هو المُعَرَّض، شرعا، لحكم الردة، أى القتل لرجوعه عن الإسلام، سواء إلى دين آخر أو الكفر المطلق بالآلهة. بصرف النظر عن غياب المساواة هنا، فإن هذا الحكم يتسق مع فكرة الأفضلية المطلقة للمسلم، لأن التراجع طوعا عن الإسلام يعني، وفقا لمنطق الفقه، مناقضة اتجاه الأفضلية المذكور، لأن الردة تحمل معنى عثور الشخص على ما هو أفضل من الإسلام.

يكمن منطق التمييز ذاته فى قضية حرية العبادة وبناء دور العبادة غير الإسلامية. فما يُعرَف بـ «العُهدة العُمَرية» (نسبة لعمر بن الخطاب)، يمنع بناء وتجديد وإصلاح الكنائس ويقرر أشكالا أخرى من التمييز.

المفهوم الأعمق وراء هذا وغيره أن الفقه تشكَّل فى ظل الإمبراطوريتين الأموية والعباسية، وتأثر أيضا بفتوح الخلفاء الراشدين، وبالتالى تخيَّل بالضرورة فكرة الأمة الإسلامية كأمة سياسية، وجعل من تفضيل المسلمين الطبيعى لدينهم متجسدا فى سياسات وأحكام تمييز معينة. أما تطبيق ما يخرج عن مبدأ التمييز فليس له مَخرَج إلا إرادة وليّ الأمر، ليصبح وجوب احترام إرادة الحاكم المسلم المفتاح الوحيد لما قد نسميه «التساهل» أو التعايُش. وهكذا يمكن مثلا أن يُقتل مُسلم قتل ذميا لأن الحاكم بما له من سلطة رأى مصلحة فى الأخذ بالمذهب الحنفي.

لا شك أن هناك مجتهدين حاولوا مراجعة مثل هذه التصورات، بدءا من الجزية وحتى حكم الردّة. لكن فضلا عن كونها لم يُكتَب لها السيادة، فإنها لن تكون فى أفضل الأحوال إلا اجتهادات، يمكن الرد عليها باجتهادات مضادة أكثر رسوخا فى تراث الفقه، خصوصا لأنه لا كنيسة فى الإسلام تملك أن تقرر اجتهادا رسميا وحيدا، هذا إذا لم يجر تكفير هذه المراجعات وتكفير أسسها الفكرية أصلا.

الأهم أنه أيا كان مسار الحروب الفقهية، فإنها تنطلق بالضرورة من التسليم بداهة بأن المسلمين يحتكرون التشريع لدولتهم، وبالتالى يجب أن يخضع وضع ومصير كل السكان لمسار هذه الصراعات الفقهية. بعبارة أخرى، فإن غير المسلمين، وحتى المسلمين غير المتفقهين، ليسوا مواطنين أندادا متساوين، بل مشمولين فى أفضل الأحوال برحمة الإسلام. ليس هذا الكلام نظريا. فمثلا، يُدان فقهيا قتل السائحين على أساس أنهم حاصلون على عهد أمان لدخولهم البلاد بشكل شرعي.

الأمر ليس مفصولاً عن الثقافة الدينية

غنى عن البيان أن منطق سيادة جماعة المسلمين غير وارد فى صياغة قانون الدولة بوصفها دولة وطنية. لكن هذا لا يعنى أن هذا المنطق غائب، أو تم تجاوزه، فقط يتبدى فى شكل أزمات متكررة، تُلجئ أحيانا إلى تنحية القانون تماما، مثل حل مشاكل الفتن الطائفية بالصلح العرفي، الذى يقيم توازنا بين تأكيد فكرة الذمية، ورفع قدر من الضرر الذى وقع على غير المسلمين.

وعلى المستوى الدستورى يظل التوتر قائما بين مبدأيّ المواطنة والشريعة المؤسِّسَين؛ توتراً بين تصوُّر يحصر المواطنة فى إطار الشريعة، باعتبار أن الدولة دستوريا لها دين، هو الإسلام، وآخر يحصر اجتهادات الشريعة فى إطار مبدأ المواطنة الجامِع لسكان البلاد على قدم المساواة. وفيما يتعلق بموضوعنا الأعم، يتسم تفسير العلاقة بين مبدأ حقوق الإنسان والخطاب الإسلامى بنفس التوتر. فالقول بأن حقوق الإنسان واردة فى الإسلام، يقوم على تصور ضمنى يرى أنها حقوق تقررها الأمة الإسلامية للبشر وفقا لمعتقداتها وفى حدود هذه المعتقدات، وبالإحالة إليها كمرجعية وحيدة.

لكن استدخال القيم الإنسانية (أى التى تتعلق بالإنسان بوصفه إنسانا فحسب) على هذا النحو لا يكفي. مادامت فكرة الأمة الإسلامية مستمرة كأمة سياسية، والإسلام كدين سياسي، يستمر التوتر، فيُستكمَل الاستدخال بموقف عدوانى من الفكرة الإنسانية العامة، مثلا بالكلام عن «الخصوصية الحضارية» أى اعتبار الفكرة الإنسانية العامة مجرد خصوصية حضارية غربية، وبالتالى اعتبار نفس الفكرة التى تجرى محاولة الاقتراب منها نوعا من مؤامرة استعمارية. ويُستكمل هذا نفسه باستدعاء مجمل التراث الاستعمارى الغربى فى المنطقة.

فى كل الأحوال، تظل فكرة الأمة الإسلامية التمييزية الموروثة فى حالة دفاع جوهرى. فأيا كانت قوة رفضها لما تعتبره ثقافة استعمارية غربية كافرة، تظل عاجزة بوضعها هذا عن أن تكون ذات إلهام عالمي، بينما هى مسكونة بأحلام الإمبراطورية المفقودة منذ سقوط الخلافة. ومع تصاعد التوتر بسبب عدم تأصيل الإصلاح، ينفتح المجال من حيث المبدأ للحل الأصولى البديل، أى الكف عن محاولة استدخال قيم الإنسانية وإعادة تكييفها داخل الإسلام، لصالح مشروع إعادة بناء الإمبراطورية التى مضت، بالفتح، أى بالعنف، بإقامة الدولة الإسلامية أولا، ثم فتح العالم ثانيا، وهو بالضبط المشروع الذى وجد تحققه الأعلى فى المشروع الداعشي، الذى لا يمكن تفسير وحشيته البالغة إلا بميله الأصيل، كبديل للتجديد المبتور، للتأكيد على خصوصيته واختلافه المطلق عن أى محاولات توفيق سابقة، بما يجعل تبنيه لأكثر الاجتهادات توحُّشا دليل الأصالة الأكبر.

شريف يونس

كاتب مصري