الإخوان: تفاهم الإرشاد في أمن الدولة

فتح ملفات مكتب الإرشاد

يرصد محمد حبيب أسرار صفقة انتخابات مجلس الشعب عام 2005 بين الجماعة ونظام مبارك، حيث يروي بالتفصيل ما دار في اجتماعات قادة مكتب الإرشاد مع رئيس جهاز أمن الدولة الأسبق حسن عبد الرحمن، واللواء أحمد رأفت مسؤول ملف الإخوان بالجهاز، والتي انتهت بحصول الجماعة على 88 مقعداً في البرلمان، بعد الضغوط التي مارستها الإدارة الأميركية على مبارك وأجهزته ليسمحوا للجماعة بخوض المعركة، ومن ثم حصولهم على هذا العدد من المقاعد.

ويلقي المؤلف الضوء على طبيعة العلاقة بين الجانبين، والتي تبدو في نهاية المطاف أقرب إلى الشراكة السياسية منها إلى أي شيء آخر.

ومن المحقق أن القارئ سيتوقف طويلا خلال متابعته للمذكرات أيضا، عند طبيعة العلاقات التي تربط قوى المعارضة، حيث يمتد الحوار بينها، ولكن هذا الامتداد يتم على جسور الحذر.

لا شك أن الضغوط التي مارستها إدارة الرئيس الأميركي جورج بوش الابن على الأنظمة والحكومات العربية، ومنها نظام مبارك، خاصة عامي 2004 و2005، أدت إلى السماح بحالة من الحراك السياسي داخل مجتمعات هذه الدول، وقد تجلى ذلك في نشوء كثير من حركات الاحتجاج السياسي التي انتشرت في مصر آنذاك.

كان من تجليات السماح والرضى الذي أظهرته السلطة تجاه المعارضة، خاصة جماعة الإخوان المسلمين، اختفاء لفظ "المحظورة" الذي كان يلحق بها من وسائل الإعلام، ونشر حوار المرشد العام للإخوان (مهدي عاكف) في صحيفة الأهرام، وحوار آخر مع نائبه الأول كاتب هذه السطور في صحيفة الجمهورية.

واتساقاً مع هذا الرضى، تصور الإخوان - وهم مقبلون على انتخابات مجلس الشعب لعام 2005 - أن الفرصة سانحة لترشيح أكبر عدد ممكن من الأفراد، في حدود 180 - 200، لكن هذا العدد يفوق احتمال السلطة لهضمه واستيعابه، إذ معنى أن يترشح 180 شخصا من الإخوان، أن يكون الناجحون في حدود 54 إلى 72 شخصا، في حالة ما إذا اعتبرنا نسبة النجاح 30 إلى 40%، فكيف إذا كانت النسبة أكبر من ذلك؟

وبناء عليه استشعرت السلطة خطورة ما هي مقبلة عليه، وأن مسألة الرضا - التي قبلتها قسرا - ربما تؤدي إلى نتيجة ليست في حسبانها، على هذا الأساس قام جهاز مباحث أمن الدولة بالاتصال - عن طريق أحد الوسطاء - بمحمد مهدي عاكف المرشد العام للإخوان آنذاك..

حيث جمعه لقاء باللواء حسن عبد الرحمن رئيس الجهاز، في مكتبه بمبنى مباحث أمن الدولة بمدينة نصر، في هذا اللقاء تم الاتفاق على ضرورة أن يكون هناك تفاهم حول الانتخابات، وأن أتولى وخيرت الشاطر مناقشة التفاصيل مع ممثلي الجهاز.

اللقاء الأول

في اللقاء الأول حضر ثلاثتنا (أنا الشاطر ومحمد مرسي)، وكان بمكتب اللواء محمد حنفي المسؤول عن نشاط الإخوان على مستوى مصر، كما حضر اللقاء الراحل اللواء احمد رأفت الذي اصبح فيما بعد نائباً لرئيس الجهاز.

البداية كانت من اللواء رأفت الذي أكد على أن النظام حريص على إجراء الانتخابات هذه المرة بديمقراطية (!) وبناء عليه، يمكننا الاتفاق على فوز عدد معين من مرشحي الإخوان، وليكن ضعف العدد الذي نجح في انتخابات 2000، اي 34 نائباً. رد الدكتور مرسي (ضاحكاً): وهل هذه ديمقراطية؟

قال اللواء حنفي: لا تخف، سوف تكون من الفائزين إن شاء الله (ملحوظة: تم إسقاط الدكتور مرسي في المرحلة الثالثة من الانتخابات)، تدخلت وقلت: دعونا من الحديث عن العدد المقترح للفائزين، وليكن حديثنا عن عدد المرشحين، نحن نعتزم ترشيح 200 مرشح.

ومن الممكن أن ينخفض هذا العدد إلى 180، على اعتبار أننا سوف ننسق مع الأحزاب، وإحنا ونصيبنا، قال اللواء احمد رأفت (محاولاً إغراءنا): نرفع العدد إلى 40 بدلاً من 34، قلنا: واضح أننا بهذا الأسلوب لن نتفق. رد الرجل قائلاً: إذاً ليكن 42 وهذا رقم معقول، قلنا: ما لهذا جئنا، ولما لم يجدا مناصا من قبول مقترحنا، قال اللواء رأفت: لكن العدد الذي طرحتموه كبير.

بعد المناقشة والأخذ والرد طويلاً، قلنا سوف نبذل جهدنا في التقليل من عدد المرشحين وقد نصل بالعدد إلى حوالي 160 مرشحا. بعد ذلك، قمنا جميعنا إلى مكتب اللواء حسن عبد الرحمن رئيس الجهاز حتى يسمع منا ويتأكد مما توصلنا إليه، كي يبلغ من وراءه.

اللقاء الثاني

اللقاء الثاني حضره من جانبنا كاتب هذه السطور والمهندس خيرت الشاطر، ومن جانبهم، اللواءان احمد رأفت ومحمد حنفي. كان اللقاء في مكتب الأخير، وفي هذا اللقاء فاجأنا ممثلا الجهاز بطلب بدا بالنسبة لنا غريباً، وهو ضرورة سحب مرشحينا من دائرتي باب الشعرية والمنيل بالقاهرة.

حيث ترشح في الأولى أيمن نور وفي الثانية مجدي أحمد حسين. كان واضحاً أن النظام لا يريد لهذين المرشحين أن يدخلا مجلس الشعب، وبالتالي فسوف يتم تزوير هاتين الدائرتين بأية وسيلة، ولو أدى ذلك إلى الدخول في معركة تكسير عظام!

ثمة طلب ثان عرضاه، وهو إخلاء دائرة منوف أو السادات (على ما اذكر) للمرشح أحمد عز، لأنه لن يسمح لأحد من الإخوان بمنافسته فيها.

قمنا بسحب مرشحنا في دائرة باب الشعرية، وكان المهندس احمد جمعة رحمه الله، أما بخصوص المنيل، فقد كان مجدي احمد حسين هو مرشحنا وقد أخلينا له هذه الدائرة بعد أن كان الدكتور عبد الحميد الغزالي رحمه الله، مرشحا فيها، وقد اتصل بي ليعاتبني في ذلك، فرجوته ان يغفر لنا ما حدث.

وما كنا لنفعله إلا من اجل الرابطة التي كانت بيننا وحزب العمل أيام انتخابات 87، وقد شكا مجدي أحمد حسين من تراخي الإخوان في دعمه وتأييده أثناء الحملة الانتخابية، على الرغم من أننا لم نأمر او نوصي بذلك، وبشأن دائرة منوف، قمنا بسحب مرشحنا وكان المهندس ابراهيم حجاج، الذي استجاب من فوره، رغم حساسية موقفه.

بدأت سخونة الحملات الدعائية الانتخابية في الارتفاع إلى درجة غير مسبوقة، لم يتوقع احد هذه الأعداد الضخمة في المسيرات والمؤتمرات التي أقامها الإخوا..

والتي كانت تصل في بعض الأحيان إلى مئة ألف، خاصة في المدن الكبرى كالإسكندرية مثلا، بدا واضحا لكل ذي عينين مدى خطورة الموقف، الأمر الذي جعل السلطة تعبر عن عدم ارتياحها وتوجسها، بل ومخاوفها، وقد ظهر ذلك في برنامج »حالة حوار« وهجومه على الإخوان، وعودة لفظ المحظورة في وسائل الإعلام من جديد.

كنا نتمنى أن ينخفض عدد المرشحين إلى 120 أو 130 أو حتى 140 مرشحا، لكننا لم نستطع، وكل ما توصلنا إليه هو 161 مرشحا، وكان توقعنا أن يفوز منهم 55 أو 60 مرشحا، غير أن أقدار الله جاءت بما لم يكن في التصور أو الحسبان.

ثلاث مستويات

كما سبق أن ذكرنا، كان من الصعب أن تتقدم الجبهة الوطنية للتغيير لخوض انتخابات مجلس الشعب عبر قائمة واحدة، لكن ذلك لم يمنع من محاولة التنسيق بين مكونات الجبهة، وقد تم اختيار الدكتور البدوي سكرتير عام حزب الوفد آنذاك لرئاسة لجنة التنسيق.

كان في تصورنا أن يتم التنسيق على 3 مستويات، المستوى الأول، وهو إذا كان هناك مرشح متميز من أي فصيل ومعه مرشحون آخرون من فصائل أخرى في دائرة ما، فيجب أن تخلي له هذه الدائرة وتقف خلفه كل فصائل المعارضة. المستوى الثاني.

وهو إذا كان هناك مرشحان أو أكثر متساوون في الكفاءة والكتل التصويتية لفصيلين أو أكثر، فها هنا يجب التنازل لواحد منهم على أن تكرم الفصائل الأخرى في دوائر أخرى. المستوى الثالث، وهو إذا كان هناك مرشح واحد فقط لفصيل في دائرة ما، فيجب أن تتكتل كل فصائل المعارضة وراءه.

من جانبنا نحن الإخوان، يوجد لدينا عرف ثابت ومستقر وهو أننا لا نرشح أحدا من إخواننا في الدوائر التي بها مرشحون من قيادات المعارضة أو من بعض رموز السلطة.

لقد تقدم الإخوان بـ161 مرشحا في انتخابات 2005، وكانت أغلب التوقعات تدور حول الفوز بـ55 إلى 60 مقعدا. ربما كانت هناك توقعات أعلى (65 ـ 70 مقعدا)، أو أقل (35 ـ 45 مقعدا)، والاختلاف هنا ناشئ عن التباين في تقدير كل فئة لنسبة التزوير المتوقعة أو التي ستتم في هذه الانتخابات.

وذلك يخضع بطبيعة الحال لعدة عوامل، منها: الإرادة السياسية للنظام الحاكم، الإشراف القضائي، الإقبال الجماهيري على صناديق الاقتراع، نظام المراقبة، التنسيق بين فصائل المعارضة.. إلخ.

غير أن الظروف التي سبقت انتخابات 2005 كانت مختلفة عما سبق من انتخابات، فبالإضافة إلى ما ذكرت في بداية حديثي، كان هناك عزم وإرادة وتصميم من القضاة على القيام بواجبهم وتحمل مسؤولياتهم في الإشراف على هذه الانتخابات، بشرف ورجولة، لقد كان القضاة يعلمون عن يقين أن هذه المهمة الكبرى سوف تكلفهم كثيرا من العنت، وسوف تعرضهم لغضب السلطة القمعية والباطشة، إلا أنهم كانوا على هذا المستوى من السمو والعلو والإيمان والثبات والصمود والتحدي والمقاومة.

في المرحلة الأولى من الانتخابات، وقعت المفاجأة حيث فاز الإخوان بـ 34 مقعدا، نعم حدث تزوير في بعض الدوائر، لكن الأمور كانت هادئة إلى حد ما.

وفي المرحلة الثانية وقعت مفاجأة أخرى، لكن من العيار الثقيل، وهي فوز الإخوان بـ 42 مقعدا، كانت الأجواء هادئة في الجولة الأولى، إلا أن الجولة الثانية شهدت توترا واحتقانا، حيث بدأت حملة واسعة من الاعتقالات بين صفوف الإخوان.

في المرحلة الثالثة تبدلت الأجواء تماما، وكان واضحا منذ اللحظة الأولى أن السلطة مصرة على الدخول في معركة تكسير عظام مع الإخوان، حيث ألقت سلطات الأمن القبض على حوالي 1700 من الإخوان المسلمين، ليس هذا فقط ولكن تم الدفع بأعداد هائلة من المجرمين والبلطجية والمسجلين خطر، الذين يحملون السيوف والسنج والمطاوي والشوم والعصي.

للدخول في معارك مع المواطنين وأنصار مرشحي الإخوان المسلمين، والنتيجة: 14 قتيلاً و800 جريح ومصاب، كما تم حصار لجان الاقتراع بحشود كثيفة من جنود الأمن المركزي لمنع الناخبين من الوصول إلى اللجان. وكما كان متوقعا، جاءت نتيجة المرحلة الثالثة متواضعة للغاية، فقد حصل الإخوان فيها على 12 مقعداً فقط.

الحصاد الانتخابي

أعلن أحمد نظيف رئيس وزراء مصر آنذاك أن الحكومة قامت بتزوير 40 مقعدا كانت تخص الإخوان المسلمين، وبالتالي يمكن اعتبار ما حصل عليه الإخوان في الحقيقة في هذه انتخابات 2005 هو 128 مقعدا.

وليس 88، ومعنى هذا أن النسبة التي حققها الإخوان هي حوالي 75% من جملة مرشحيه الـ 161، هذا في الوقت الذي حصل فيه حزب السلطة على 145 مقعدا فقط، أي ما نسبته حوالي 33% فقط من جملة مرشحيه الـ 444. ولولا أعضاء الحزب الذين ترشحوا وفازوا كمستقلين بعيداً عنه ثم انضموا إليه بعد ذلك في عملية مفضوحة، لما حصل الحزب على الأغلبية.

جدل محتدم ومنافسة حادة

أثارت دائرة كفر شكر جدلاً ما زالت آثاره باقية حتى اليوم، حيث كان يترشح فيها لعقود خالد محيي الدين الرئيس السابق لحزب التجمع، وكنا لا ننافس الرجل عليها، وكانت النية منعقدة على ذلك في هذه الانتخابات.

والذي حدث أن إخوان القليوبية علموا أن الدكتور محمود محيي الدين وزير الاستثمار آنذاك، وابن أخي خالد محيي الدين، ترشح في دائرة كفر شكر بديلاً عن عمه الذي كان في حالة صحية حرجة، وإزاء هذا المتغير قرر الإخوان هناك أن يرشحوا تيمور عبد الغني أمام الوزير محمود محيي الدين، والتقى تيمور بعض عائلات كفر شكر ووجد منهم ترحيبا شديدا.

حيث أخذوا عليه موثقا ألا ينسحب من الترشح مهما كانت الأسباب، وفوجئنا بمحمود محيي الدين ينسحب من الترشح لصالح عمه. اتصل بي بعدها هاتفيا الدكتور البدوي ليبلغني طلب حزب التجمع أن نخلي الدائرة لخالد محيي الدين، فقلت: إن حسين عبد الرازق كان قد اتصل بي وطلب إخلاء دائرتي أجا ومزغونة (على ما أذكر) لمرشحي الحزب، فأجبته لما طلب.

ولم يشر بكلمة تخص دائرة كفر شكر. رد الدكتور البدوي قائلاً: إن حزب التجمع يعتبر مسألة خالد محيي الدين منتهية ولا تحتاج لتأكيد أو تذكير، فقلت: سوف أحاول مع إخوان القليوبية.

واتصلت بهم فعلا وأخبروني بالقصة كاملة، وما كان من عائلات كفر شكر مع أخيهم تيمور، ثم أضافوا معلومة جديدة وهي أن أنصار خالد محيي الدين يحولون بين الإخوان ـ كدعوة ـ وبين أهالي كفر شكر لزمن طويل، وهذه هي المرة الأولى التي يستطيعون فيها إيجاد موطئ قدم، وإذا حدث انسحاب فلن يتمكنوا من دخولها مرة أخرى.

هذه هي قصة الإخوان مع خالد محيي الدين في انتخابات 2005 والظروف التي أحاطت بها، وكما هو واضح، فإن المسألة لا علاقة لها بموقف حزب التجمع منا ولا بموقفنا من حزب التجمع أو بخالد محيي الدين نفسه، ولو أن الرجل ترشح من البداية لكان للأحداث سبيل آخر.

نشر في البيان الإماراتية

من سلسة قراءة في مذكرات محمد حبيب