محمد عزب يدعو لدمج مؤسسات الترجمة العربية في مؤسسة واحدة

منظومة الترجمة بالكامل تحتاج تغييرا

يعد المترجم والروائي د. محمد عزب واحدا من المترجمين الأكفاء في حركة الترجمة المصرية والعربية، يعمل بدقة ودأب شديدين، ما أنجزه من أعمال كشف عن حسن راق باللغة وتراكيبها، ومن أبرز أعماله "من مسرح الحرب" مسرحيتان، إحداهما "أمهات الرجال" من تأليف بيرسيفال وايلد، و"رادا" من تأليف الفريد نويز، و"ست مسرحيات تبحث عن ناشر"، "مختارات من الأدب الأنجلو"، وكتاب "الحياة في البلاط الملكي المصري"، من تأليف المؤرخ الإنجليزي ألفريد جوشوا بتلر بالمشاركة مع المترجمة د. مي موافي، ومن أعماله الروائية رواية "أقفال القلب" و"صدفة بتجمعنا" و"خيوط القدر"، وله العديد من الدراسات عن الترجمة واللغات منها "الأساس في الترجمة"، "اللغة العالمية الموحدة: مقومات النجاح وعوامل الفشل"، و"شعراء الجيش الثامن البريطاني، من العلمين إلى أورتونا، 1942-1945، آرائهم وموقفهم من الحرب"، رسالة دكتوراه باللغة الإنجليزية، لامبرت للنشر الأكاديمي، ألمانيا 2011.

د. عزب خريج ألسن إنجليزي، جامعة عين شمس، حاصل على درجتي الماجستير والدكتوراه في الأدب الإنجليزي، وأمضى فترة طويلة في الدراسة بالولايات المتحدة. والترجمة بالنسبة له دراسة وهواية وعشق.

يرى د. عزب أن أبرز التحديات التي تواجه حركة الترجمة وأيضا أبرز التحديات التي تواجه المترجمين تتمثل في الدعم المادي للحصول على حقوق الترجمة وعدم وجود قاعدة بيانات موحدة في العالم العربي للأعمال المترجمة، وهو الأمر الذي يترتب عليه ترجمة أعمال أكثر من مرة مع إهدار للمال والجهد والوقت.

ويشير إلى أن العلاج ببساطة هو تعديل اتفاقية "برن" الخاصة بحقوق الترجمة بحيث تكون مجانية حتى صدور الكتاب، ثم تحصل الدار الأجنبية على نسبة من الأرباح من الدار الناشرة للعمل المترجم.

ويقول: يمكن لوزارة الثقافة المصرية التقدم بهذا التعديل حتى يصبح أمام دور النشر الصغيرة فرصة للدخول في معترك الترجمة. ودعني أشرح خطورة هذا الأمر. سلسلة "هاري بوتر" مثلا حصلت على حقوق ترجمتها دار نشر كبيرة لديها أموال خليجية. دفعت مبالغ ضخمة وانتدبت مترجميها للعمل، عدد كبير منهم حتى ينزل العمل للسوق في أقرب وقت. النتيجة حرمان الدور الصغيرة من المنافسة وحرمان المترجم الفردي من وضع اسمه على عمل جيد. وبالنسبة لقاعدة البيانات فاقترح أن يكون مقرها المجلس الوطني للثقافة والفنون والاداب الكويتي لما له من دور سابق ومحترم في حركة الترجمة، وتقوم كل المؤسسات مثل المركز القومي للترجمة في مصر والجمعية العربية للترجمة في بيروت و"كلمة" بالإمارات، وغيرها، وكذلك دور النشر في العالم العربي بتغذية قاعدة البيانات التي يكون مقرها الكويت ومتاحة على الإنترنت لمن يريد أن يعرف إذا كان الكتاب قد تُرجم من عدمه.

وحول وجود شروط لترجمة عمل أدبي أو فكري والمعايير المطلوبة لاختيار عمل قصد ترجمته، يؤكد د. عزب أنه لا توجد شروط اللهم إلا الحصول على الحقوق الأدبية والالتزام بالنص مع القدرة على تطويع روحه ونقل الرسالة بأمانة. وأن يكون النص المختار موائما للبيئة العربية، ثم التفاني في العمل ومراجعته وضبطه بلا عجلة. هل تعلم أن البستاني أمضى عشرين عاما يترجم "وصف مصر" دون ملل أو كلل؟!

ويقول لا شك أن المترجم مدعو طوعا إلى ترجمة بعض الأعمال الأدبية، كمبادرة منه للإسهام في الشأن الثقافي. ويضيف "على كل من يجد نفسه أهلا للترجمة أن يساهم في هذا المجال. ليس سرا أن الترجمة إلى العربية ضعيفة وأن نسبة التي يُنقل للعربية من الأعمال لا يُقارن بلغات أخرى. المطلوب أيضا تشجيع المترجمين وأخص هنا المترجم الأدبي لأنه من أصعب أفرع الترجمة إذ يتطلب أن يكون المترجم أديبا أو مغرما بالأدب ومطلعا على أسرار المجاز ومفاتيح البديع في اللغة، وهذا أمر ليس سهلا.

وحول استحواذ الكتب التي تناقش أو ترصد وتحلل ظاهرة جماعات وتنظيمات الاسلام السياسي المتطرف والتكفيري منها والارهابي على جل أعمال المترجمين في الكثير من دور النشر الخاصة، يرى د. عزب أن هذا مطلوب، لكن الأهم إذا كنت أنت صاحب الظاهرة، فعليك أن تتبنى سياسة الترجمة العكسية بمعنى أن تترجم من اللغة الحاضنة للظاهرة أي العربية إلى اللغات الأخرى كتبا تتحدث عن سماحة الإسلام وترفض التطرف وتساعد على إزالة الاحتقان والاسلاموفوبيا.

ويشير إلى أن الكل يهرب من الترجمة الأدبية لأنها مرهقة ومنهكة. "أعرف مترجما يُمضي اليوم بطوله في ترجمة قطعة أو صفحة من القطع الصغير. ثم أين المقابل المادي. دار النشر لا تحاسب المترجم المتطوع، فقط تغريه بنسبة من الأرباح عزّ أن يحصل عليها. أما المؤسسات الكبيرة الراعية للترجمة فتتعامل مع دور نشر من الباطن من باب الحظوة والمجاملة، وتعيد نشر كتب تُرجمت من قبل وتفتح الباب لأساتذة الجامعة لينشروا ترجمات لهم عن نظريات علمية محضة قامت عليها رسائلهم العلمية أو فترة ابتعاثهم، وهو أيضا من باب المجاملة.

المنظومة بالكامل تحتاج إلى تغيير. هل تصدق أن إحدى هذه المؤسسات نشرت ترجمة لرواية أحدثت ضجة أخيرة، وهي تعلم أنها مترجمة بالفعل وأن من قام بها أستاذ جامعي مرموق كان هو الآخر قد استغل جهود الطلاب فيها ليخرج بعمل عليه اسمه وشكر بسيط لهؤلاء الطلاب. قلت لك المنظومة كاملة ليست منضبطة.

ويؤكد د. عزب أن هناك أزمة في الثقافة الراقية وأزمة قراءة حقيقية. الدولة غائبة والإعلام يروج لثقافة موازية متدنية.

ويلفت إلى أن الترجمة هي "الجسر الحقيقي بين الشعوب. العرب قديما أدركوا هذا حين ترجم العباسيون كتب اليونانيين وحين نقل الأوربيون في عصر النهضة كتب العرب. التواصل بين الشرق والغرب عبر الأقمار الصناعية ليس كافيا. يجب العودة للترجمة وإلا ظل الشرق شرقا والغرب غربا ولن يحدث اللقاء كما قال كيبلنج، الشاعر الإنجليزي من عشرات السنين.

وردا على موقع الترجمة الآن ضمن المشهد الثقافي العربي يقول "يا حبذا لو تم دمج مجامع اللغة العربية في مجمع القاهرة، ويا حبذا لو تم دمج مؤسسات الترجمة في مؤسسة واحدة داعمة لحركة التعريب. الوحدة العربية المفقودة يمكن أن تتحقق في أمور مثل تحرير السفر والترجمة وهذه الأمور البسيطة طالما لا نستطع الاتفاق على القضايا الكبيرة كما فعل الأوربيون.

إذا كانت المجامع العربية لم تتفق على ترجمة المحمول وهل هو موبايل أو جوّال أو نقّال أو أو أو... وإذا كان قوم لم يتفقوا حتى على عطلة نهاية الأسبوع كيف لهم أن يكونوا على قلب رجل واحد.