بحث عن الذات والوطن في 'أوديسة عراقية'

'لن يمكنك تشكيل مستقبلك لو كنت لا تعرف ماضيك'

بغداد - تم عرض فيلم "أوديسة عراقية" للمخرج العراقي- السويسري سمير جمال الدين في مهرجان برلين السينمائي الذي اختتمت فعالياته الجمعة بتتويج الفيلم الايراني التاكسي بجائزة الدب الذهبي.

والفيلم الوثائقي للمخرج سمير جمال الدين يخوض مغامرة البحث عن الذات والوطن حيث انه يوثق لعائلة عراقية منتشرة في كل العالم إلا وطنها.

"لن يمكنك تشكيل مستقبلك لو كنت لا تعرف ماضيك" بهذه العبارة المصحوبة بموسيقى على أوتار آلة العود العربية وفنون الخط العربي المتحركة على الشاشة، أنهي المخرج الوثائقي السويسري والعراقي المولد فيلمه التسجيلي الذي يستمر عرضه 162 دقيقة ليتتبع خلالها قصة أفراد أسرته وأقاربه بما في ذلك والديه الذين شُتتوا في جميع أنحاء العالم بعد هجرتهم من وطنهم العراق منذ فترة الستينيات.

و"أوديسة عراقية" ليس مجرد تجميع لذكريات عائلة تشتت أفرادها وتفرقوا، بل هو في رواية تلخص تاريخ العراق الحديث منذ تأسيس الدولة في عشرينات القرن الماضي إلى يومنا هذا، من خلال رؤية نقدية لا يتدخل المخرج كثيرا لفرضها على المشاهد، بل يترك شخصياته القريبة من قلبه، تعبّر عنها وتقدّم تحليلها الخاص لفهمها، في مزج متواصل بين الخاص والعام، بين الفردي والجماعي، وبين الوطن والعالم.

واستخدم جمال الدين أيضا المقابلات المصوّرة مع معظم الشخصيات التي يذكرها في فيلمه، واراد منها أن تقدّم ما يساهم في تكثيف صورة لدور فرد من تلك الطبقة الوسطى المثقفة المتعلمة، التي كان لمعظم أفرادها اتجاهات سياسية ترنو إلى تأسيس دولة حديثة ديمقراطية، غير أن ما شهده العراق منذ ما يعرف بالمدّ أو الغليان القومي في أواخر الخمسينات أفرز نظاما استبداديا قمعيا وأدخل البلاد في مواجهات وحروب دموية، دفع ثمنها العراقيون الذين أصبح تزايد المقيمين منهم في بلاد العالم.

والفيلم المحمل بالكثير من الأفكار والتعليقات السياسية يرصد تجربة حقيقية عاشها أفراد عائلة لعبت بهم الأقدار فمنهم على سبيل المثال، من درس وتعلّم في أرقى المستويات لكي يصبح من خبراء العلوم النووية، ثم وجد نفسه مرغما على العمل في مجال البحث عن البترول في الصحراء.

وهناك من اعتقل وتعرض للتعذيب والتنكيل، أو من ألقى بنكتة أو بتعليق عابر، علم إثر ذلك مباشرة أنه سيلقى مصيرا مفزعا، فسارع لمغادرة العراق في نفس الليلة.

واستخدم الفيلم الموسيقى العراقية والغناء العراقي القديم، لكي يضفي أجواء الماضي على تلك الصور والذكريات التي تتدفق، بحيث يرسم ملامح صورة متكاملة للعراق الذي كان، قبل أن يعيدنا مجددا إلى ما أصبح عليه اليوم، وكذلك إلى العالم الجديد الذي يعيش فيه أبطال الفيلم والقصة والعائلة في الزمن الحالي.

وافتتحت الدورة 65 من مهرجان برلين السينمائي في الخامس من فبراير/شباط، وممنحت جوائزها في 14 من نفس الشهر.

وتحضر المواضيع السياسية في مختلف فروع المهرجان لهذا العام، ولا سيما مع فيلم "تاكسي" للمخرج الإيراني المعارض جعفر بناهي الذي يتتبع في عمله الجديد مشاهد في طهران صورت من وراء زجاج سيارة أجرة، وكذلك مع الفيلم الفرنسي "شبيبة ألمانية" (أون جونيس ألماند) الذي يروي تحول مجموعة يسارية من ألمانيا الغربية إلى العنف تحت ضغط المجتمع والإحباط، إضافة الى فيلم الفلسطيني مؤيد عليان.

وبالإضافة إلى فيلم "الأوديسة العراقية"، يعرض قسم البانوراما في مهرجان برلين السينمائي لهذا العام فيلمين عربيين، واحد من فلسطين "عن الحب والسرقة ومشاكل أخرى" وآخر من المغرب للمخرج هشام العسري بعنوان "البحر من ورائكم".