أزمنة 'المتشائل'!

لست أعرف سببا، أستطيع أن أقصه لكم عن الدافع الذي جعل رواية "سعيد أبو النحس المتشائل" للكاتب الفلسطيني الراحل إميل حبيبي، تقفز أمامي كلما جلست إلى جهاز الكمبيوتر كي أكتب هذا المقال، فقط يمكنني أن أقول إنه لكي أبعد الرواية عن ذهني أستغرقني ذلك نحو ثلاث ساعات أو يزيد، فالرواية علامة بارزة في تاريخ الغربة والاغتراب في رحاب الأوطان العربية، وهي تحفة فنية مفجعة، وبخاصة أن كلمة "المتشائل" هذه والتي نحتها إميل حبيبي من مفردتين «المتفائل والمتشائم» وهي تعني موقفا بين بين. لا يذهب في التفاؤل ولا يذهب في التشاؤم، والحال أن المتشائل، أي موقف اللاموقف يكاد يكون الاسم الأصح لمواقفنا جميعها.

ربما تكون أيامنا هذه جزءا من فصول هذه الرواية التي تصف زمن التشائل السياسي، محلياً حيث تتعقد الحسابات أكثر، ودولياً حيث تطغى أخبار الدم والقتل على أخبار الفرح والحياة، ولذلك علينا أن نواجه كل صنوف هذا التشاؤم المر، الذي يحيط بنا بجرعات لا تنقطع من التفاؤل والأمل بغدٍ أفضل للجميع.

فهل يعود سبب بروز هذا الاحساس إلي أن الواقع الذي نعيشه، أجبرنا ربما دون شعور، لكي ننجر إلى خانة التشاؤم الذي يصيب الإنسان بالإحباط وفقدان الثقة بالمستقبل؟ ولكنه قطعاً شعور ينبغي مقاومته وعدم السماح له بالتغلغل إلي الأعماق، لأن أي إنسان بلا أمل سيتحول إلي قنبلة موقوتة قابلة للإنفجار في أية لحظة، وعندها يفقد بهجة الحياة فينزلق شيئاً فشيئاً إلى التشاؤم في تفسير كل ما يقع في محيطه، لدرجة أنه ينسى أن ما بين طرفة عين وانتباهتها يغير الله من حال إلى حال.

الواقع إن أخطر شعور يصاحب أي أمة أو فرد فيها، هو أن يعلن يأسه أو عدم قدرته على تغيير واقعه وإصلاحه، فيقرر الهروب من مواجهته، ظنا منه أنه يهرب إلى ملاذ آمن، أو على الأقل أقل شقاء، لكنه سرعان ما يدرك أنه بنى حساباته على أوهام تتبدل كل يوم، إن لم يكن كل لحظة، ليبدأ بعدها لحظة الإحساس بألم مضاعف أكثر مما لو تفاءل بحياته ووثق بقدرته على المواجهة وتحمل مسئولياته في السعي إلى غدٍ أجمل.

وبطبيعة الحال فإن حياة الأمم والشعوب، كحياة الإنسان، الذي ينبغي أن يستمر في التفاؤل فيها حتى آخر رمق، حتى يشعر بقيمة الحياة، فلا حياة بلا ألم، ولا حياة بلا أمل، فقط أولئك الذين ينظرون إلى الحياة من جانبها الأسود هم من يسارعون لإعلان استسلامهم، وينزعون لخيارات لا تجلب لهم إلا مزيداً من الألم والحسرة، في حين أنهم لو نظروا إلى الجانب الايجابي لكانت حياتهم أسعد وأجمل يحسدهم عليها الآخرون.

صحيح أن الوضع في مصر ملئ بالعديد من الأحدث المؤلمة بداية من مقتل شيماء الصباغ وفقدان 22 شابا أمام ستاد الدفاع الجوي مرورا بخطف المصريين في ليبيا، وحتى دماء جنودنا المسفوكة يوميا بفعل إرهاب التنظيم الحقير. ولكن قصة نضال الشعوب وآمالها بمستقبل أفضل قصة لا نهاية لها، لأنها تتعلق بحب الشعوب إلى الحياة، ولا يوجد كالمصريين شعب يحب الحياة، ويستطيع أن يواجه آلامها وتعقيداتها بمزيدٍ من الثقة والاطمئنان إلى غدٍ أفضل، حيث ينعم الجميع بالحرية والكرامة والعيش الكريم.

فقط اؤلئك الضعفاء، وفاقدو الثقة في أنفسهم وفي الناس وفي الله، هم الذين ينساقون لخيار التشاؤم وبث الشائعات المغرضة وتحطيم المعنويات، أما الشعوب الحية، فتؤمن دائما أنها قادرة على التغيير والإصلاح مهما تعاظمت الأزمات وعلت تناقضاتها.

أما الواثقون بأنفسهم وعدالة قضيتهم فيعضون بالنواجذ علي مواقفهم ومحاولاتهم التي لا تنتهي من أجل مستقبل تشع فيه قيم الحق والعدل والسعادة للجميع، وقدرنا يحتم علينا أن نختار طريق التفاؤل دائما.