نفتالي بينيت: غوغائي طليق من أية قيود أخلاقيّة

من الصّعب التخيّل كيف استطاع شخص منحرف وضلاليّ ومدمّر مثل نفتالي بينيت، زعيم حزب "البيت الإسرائيلي"، أن يصعد للشهرة في حين أنّه يتبنّى علناً أجندة سياسيّة عنصريّة. "فحلّه" للصراع الإسرائيلي – الفلسطيني وصفة لطمس إسرائيل كدولة يهوديّة وديمقراطيّة وتحويلها لدولة عنصريّة محتقرة من قبل المجتمع الدولي ومدانة لأن تعيش في عزلة وفي خزي وعار.

لا، فهاذا ليس ما خُلقت إسرائيل لأجله، ولا يجوز أن يوضع مصير البلد أمانةً في أيدي منافق متواطئ مثل نفتالي بينيت. هو دجّال أجندته السياسيّة التي تشبه قوس القزح ليست سوى غطاء لخطة ماكرة تحرم الفلسطينيين من إقامة دولةٍ لهم، ولكنه لا يدرك بأنه يدفع بذلك إسرائيل أقرب فأقرب إلى الدمار الذاتي.

إنّه يصرّح بأسلوب متعجرف وبرباطة جأش بأنه طالما أنّ عمليّة السلام الإسرائيليّة – الفلسطينيّة متوقّفة، فقد حان الوقت لتفكير جديد. على إسرائيل – حسب رأيه – أن تركّز على تحسين معيشة الفلسطينيين عن طريق "تحديث حكم ذاتي فلسطيني لهم في المناطق المصنّفة (أ) و(ب) ويستطرد قائلاً بأنه سيكون للفلسطينيين "استقلال سياسي" وبإمكانهم أن يسيّروا شؤونهم في مناطقهم بالطريقة التي يرونها مناسبة.

وهو مستعدّ لأن يقدّم للفلسطينيين عرض سخيّ يتمثّل في "تحديث الطرق والبنية التحتيّة لمستوى كبير وإزالة الحواجز ونقاط التفتيش" و"بناء جسور اقتصاديّة ….ما بين الإسرائيليين والفلسطينيين". ولكن هنا باب القصيد:"هذا الكيان الفلسطيني سيكون أقلّ من دولة، ولن يسيطر على حدوده". والأسوأ من هذا كلّه أن خطته تدعو أيضاً لضمّ المنطقة (ج) التي تمثّل (60 %) من مساحة الضفّة الغربيّة.

ينبغي على المستوطنات الإسرائيليّة – من وجهة نظره – أن تستمرّ في التوسّع وتكون البداية بضمّ الإستيطانيّة الرئيسيّة الثلاثة ب "تطبيق القانون الإسرائيلي وضمان السيادة الوطنيّة في هذه التجمعات".

هذا يعني بأنه سيُسمح للفلسطينيين بالعيش فقط في كانتونات، أي أقاليم هزيلة، في أماكن مثل رام الله وجنين وبيت لحم وغيرها من المدن الصغيرة والقرى – وهذا بالطبع بشرط أن يكونوا حسني السلوك وألاّ يتجرّأوا على تهديد إسرائيل أو ارتكاب أية أعمال عنف ضدّها.

وللتأكيد، يعرض بينيت على الفلسطينيين أوضاع معيشيّة أفضل في نفس السجن الذي يعيشون فيه حاليّاً. ولكن سجنهم "الجديد" سيتمّ الآن تجديده وتحسينه وتجهيزه بطريقة أفضل، بالهواء الطلق وسيكون حتّى نظيفاً وبمياه جارية.

بينيت هذا لا يقبل بفرضيّة أن للفلسطينيين الحقّ في إقامة دولة لهم، بل أنّ عليهم تسوية أوضاعهم بما ترمي لهم إسرائيل من فتات. وبعد كلّ هذا يدّعي ب "أننا لسنا قوة احتلال في أرضنا"، ومن باب الرّحمة والعطف فإن الإسرائيلييّن مستعدّون للتخلّي عن حصّة كبيرة من وطنهم – أرض هي تاريخيّاً لهم. وما هو أكثر من ذلك، هذه "أرض إسرائيل" التي منحها الله القدير لهم للأبد.

وكصهيوني رجعي متعصّب ومتشدّد دينيّاً يجد بينيت راحة في اللجوء إلى "مخلّصه"، فهو يبرّر أجندته السياسيّة الملتوية بوضع العبء والمسؤوليّة على الله. يقول: "الرأي العام ليست بوصلتي. التوراة هي بوصلتي!". كم هو مريح ذلك!

أجل، غالباً ما يدّعي المحافظون المتديّنون بأنه "إن لم يكن هناك إله، فكلّ شيء مسموح". ولكن كما لاحظ الفيلسوف سلافوي شيشك، عكس ذلك تماماً هو الحال. "إن كان هناك إله، حينئذٍ كلّ شيء مسموح…. هؤلاء الذين يعزَون لله بطريقة وحشيّة ومباشرة، ويرون أنفسهم كأدواتٍ لإرادته تعالى، بالنسبة لهم "كل شيء مسموح".

وبالرّغم من أنّ بينيت يقرّ بأن الإقتراح ليس مثاليّاً حيث "يبدو بأنه يخالف كل شيء عملت إسرائيل والفلسطينيّون والمجتمع الدّولي باتجاهه خلال العشرين عاماً الماضية"، غير أنّه ينبغي أن يكون سياسة الحكومة على حدّ قوله "لأنّ هناك واقع جديد في الشرق الأوسط".

على بينيت أن يعلم بأنه خطته ليست ناقصة فقط، بل هي خداع وسراب وكأن ليس للفلسطينيين ما يقولونه وسيخضعون ببساطة لنزواته. فتحت أية ظروف سيقبل أيّ فلسطيني باستمرار الإحتلال تحت ستار الحكم الذاتي؟

إنّ بينيت غارق في أوهام وانخداعات لأنّ أساس أو مصدر الأوهام هو التمنيات وليس الواقع، وإحدى الآثار النفسيّة التي من الممكن التنبؤ بها هو الإنكار، أي إنكار الواقع المرّ الذي يرفض أن يتكيّف مع الأحلام.

الفلسطينيّون يريدون أن يعيشوا في دولتهم المستقلّة، في وطنهم أيضاً – وهذا هو الواقع المرّ الذي لا يتزعزع والذي على بينيت مواجهته. لقد قاوم الفلسطينيّون وجود إسرائيل لعقودٍ طويلة والآن هم يقبلون حلّ الدولتين، وعلى وجه التحديد "لأنّ هناك واقع جديد في الشرق الأوسط" – واقع وجود إسرائيل الذي لا يتزعزع.

ليس هناك ما يستطيع بينيت أو أيّ من مخططيه أن يغيّره، تماماً كما ليس هناك أي شيء قطعيّاً يستطيع الفلسطينيّون فعله لإزالة إسرائيل عن الوجود. وما يستطيع أيّ زعيم إسرائيلي أن يطالب به وله ما يبرّره هو فقط الوقف الدائم لجميع الأعمال العدائية، وهو ما على الفلسطينيّين أن يضمنوه ويؤكدوا عليه إن أرادوا أن يكونوا مستقلّين. هذا وينبغي أن تُصاغ أية اتفاقية سلام بطريقة تلبّي هذا الشرط الإسرائيلي.

أن يستشهد بينيت كمثال على ذلك بالإنسحاب من غزّة وأعمال العنف التي اندلعت آنذاك وأنه يجب ألاّ تتكرّر في الضفّة الغربيّة هو أمرٌ مخادع ومضلّل. لا أحد في قواه العقليّة يقول أنه ينبغي إخلاء الضفّة الغربيّة بين ليلةٍ وضحاها بالطريقة التي انسحب بها رئيس الوزراء السابق آريل شارون من قطاع غزّة. يجب تنفيذ أية اتفاقية سلام يتمّ التفاوض حولها مع الفلسطينيين على مراحل وعبر فترةٍ لا تقلّ عن عشرة أعوام وبترتيباتٍ أمنيّة كاملة منسقة تماماً مع الفلسطينيين لا تدع أي شيء للصدفة. ويجب أن يكون ذلك مقترناً بمشاريع تنمية اقتصاديّة وتعاون على جميع الأصعدة لتعزيز الثقة والمصالح المتبادلة بين الطرفين.

فقط حكومة إسرائيليّة انتحاريّة قد تسعى وراء غدر بينيت السياسي الذي يشبه الكابوس. وبالنسبة لبينيت، أن يصبح رئيساً للوزراء أو حتّى وزيراً للدفاع تحت حكومة أخرى مضلّلة بقيادة نتنياهو، ليس سوى قبلة الموت لعملية السّلام ونبوءة بالدمار الأكيد لحلم اليهود في العيش في ملجأ حرّ وآمن يرفرف عليه السّلام.