حكومة الصيد تفشل في احتواء انتفاضة الجنوب التونسي

الحكومة جزء من المشكلة لا الحل

تونس ـ فشلت حكومة رئيس الوزراء التونسي الحبيب الصيد في احتواء السخط الشعبي الناجم عن التهميش التنموي والسياسي في جنوب تونس.

وطالب أهالي الجنوب التونسي الذين أشعلوا انتفاضتهم منذ أكثر من أسبوعين الرئيس الباجي قائد السبسي شخصياً بزيارة منطقتهم للتعرف بنفسه على ما يعانيه الناس مما وصفوه بـ"مستوى عيش لا يليق بالبشر".

ولم تنجح حكومة الصيد التي تضم ائتلافاً هشاً بين علمانيين وإسلاميين في التوصل إلى حلول عملية ومقنعة مع المحتجين على السلطة المركزية التي يحملونها مسؤولية تردي الأوضاع الاقتصادية والاجتماعية والأمنية نتيجة "سياسات تحتقر أهالي الجهة وتتعامل معهم على أنهم مواطنون من درجة ثانية".

وتأتي مطالبة الأهالي قائد السبسي لزيارة المنطقة لتؤكد أن أبعاد الانتفاضة تتجاوز رفض الضريبة التي فرضتها حكومة مهدي جمعة على التجار مع السوق الليبية إلى أبعاد أعمق واشمل وفي مقدمتها الأبعاد السياسية حيث يطالب الجنوبيون بأن تتعامل معهم الدولة على قدم المساواة مع الجهات الساحلية المرفهة بما يحقق التوزيع العادل لخيرات البلاد لا أن تتعامل معهم كمواطنين من درجة ثانية، متهمين الحكومة بتهميشهم تنموياً وسياسياً بفعل استبعاد أبنائهم من مراكز القرار في مؤسسات الدولة.

وانتفاضة أهالي الجنوب هي الأولى من نوعها والأخطر مند ثورة يناير 2010 التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي لكونها "تمثل انتفاضة بعيدة جغرافيا عن العاصمة وتكاد تكون منسية من قبل الدولة على السلطة المركزية" التي تحتكر إدارة الشأن العام حتى وإن تعلق الأمر بـ"شأن جهوي ومحلي" لا يقدر على تحسسه وتشخيصه سوى أبناء الجهة.

فبعد أن أجبر أهالي مدينة بنقردان الحدودية مع الجارة ليبيا وفدا حكوميا يضم كلاً من وزير المالية سليم شاكر، ووزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، ياسين إبراهيم، على "الرحيل" في أجواء من التوتر والفوضى رفع خلالها المحتجون شعارات سياسية مناهضة للحكومة مطالبين برحيل الوفد الذي اضطر إلى مغادرة الجهة والعودة إلى قصر الحكومة بالقصبة بتونس العاصمة دون أن يعقد اجتماعا واحدا، أعلنت السبت 14 فبراير خلية الأزمة ببنقردان التي تشكلت للدفاع عن مطالب الأهالي أن "تعاطي الحكومة مع الأحداث في الجنوب لم يرق إلى مستوى تطلعات المواطنين حيث لم تتعامل مع المشاكل المطروحة في إطار رؤية سياسية شاملة تنصف الجنوب التونسي من الظلم السياسي والقهر الاجتماعي الدين حرما الجنوبيين من حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية بما فيها الحق في التنمية والتشغيل ومقومات الحياة الكريمة".

وشددت الخلية التي تتكون من نشطاء في المجتمع المدني وفاعلين اقتصاديين على أن "نتائج زيارة الوفد الحكومي للجنوب كانت خيبة لأمال أبناء الجهة".

وكان الحبيب الصيد سارع الجمعة إلى عقد مجلس وزاري تدارس مطالب أهالي الجنوب بناء على تقرير أعده الوفد الحكومي الدي لم يستكمل مهمته بعد أن أجبره المحتجون على الرحيل في خطوة تعد مؤشراً قوياً على حدة غضب الجنوب على السلطة المركزية.

وقالت رئاسة الحكومة إن المجلس الوزاري تداول مقترحات أهالي الجنوب والتي قاربت الخمسين مقترحاً أهمها المشاريع المعطلة ومسألة الضريبة الموظفة على العبور وتعصير المعبر الحدودي بذهيبة وإحداث، مشيرة إلى أنه سيتم تعميق النظر في هذه المطالب والمقترحات من قبل أعضاء الحكومة كل في مجال اختصاصه وعرضها من جديد على مجلس وزاري مطلع الأسبوع المقبل لاتخاذ القرارات المناسبة في شأنها.

ورأى أهالي الجنوب وكداك غالبية التونسيين بما فيهم الأحزاب السياسية الديمقراطية أن "المجلس الوزاري" لم يقدم شيئاً ملموساً من شأنه أن يطمئن المحتجين ويقدم مقترحات عملية لحل "أزمة سياسية واقتصادية واجتماعية وأمنية" تعصف بالجهة ومرشحة إلى مزيد من التعقيد في ظل الوضع المضطرب في ليبيا التي يرتبط بها الجنوبيون اقتصاديا بفعل المبادلات التجارية، واجتماعيا بفعل تداخل النسيج الاجتماعي من علاقات قرابة ومصاهرة.

ورأى سياسيون وخبراء أن حكومة الصيد لم تتخذ أي مبادرة سياسية لحلحلة أزمة الجنوب على الرغم من حدة الاحتقان التي دخلت أسبوعها الثالث والتجأت إلى "طرق إدارية عقيمة تعقد الأزمة أكثر مما تقدم لها حلولا" لافتين إلى أن "المجالس الوزارية" و"تكوين اللجان" ليست الطريقة الناجعة الكفيلة بتسريع معالجة مشكلات يومية لم يعد الناس قادرين على تحملها باعتبارها "تكرس نوعاً من البيروقراطية في التعامل مع مطالب مستعجلة وأيضا باعتبارها ترسخ في أذهان أهالي الجنوب "سطوة السلطة المركزية على الجنوب" وعدم إشراك أبناء الجهة في القرارات التي يجب إتخادها في أسرع وقت ممكن بناء على تشخيص دقيق لا للأزمة فقط وإنما أساسا لخلفياتها وأبعادها السياسية.

وقالت الائتلاف اليساري "الجبهة الشعبية" القوة الانتخابية الرابعة والمعارضة الوحيدة "إن غياب روح التفاوض المسؤول من السلطة المركزية لمعالجة التوتر الاجتماعي وغياب رؤية واضحة للإنصات لأبناء الجهة والشروع فورا في معالجة مشاكلهم زاد في توتير الأوضاع".

ودعت الجبهة الشعبية في بيان وقعه الناطق الرسمي باسمها حمة الهمامي السلطة المركزية إلى عدم التلاعب بأمن التونسيين وأساساً تأمين الحد الأدنى من مقومات العيش الكريم حتى يكون المواطن الرأس مال الحقيقي والشريك الأول والناجع لمجابهة الإخطار والمؤامرات الجدية وأولها الإرهاب الذي يجد في التهميش الاجتماعي والسياسي والإقصاء والبطالة والتفقير والقمع والفساد الأرض المناسبة للتطور.

ويسود الرأي العام التونسي قلق مشوب بالاستنكار لتركيز حكومة الصيد على "الحلول الأمنية" في مواجهة احتجاجات شعبية تطالب بالتنمية والشغل والمشاركة السياسية على قاعدة مبدأ "المواطنة" مشددين على أن "الحل الأمني" يعكس فشل الحكومة في إخماد الانتفاضة عبر سياسات الحوار والتفاوض مع المحتجين ومن ثمة الاستجابة لمطالبهم المشروعة.

وأمام إفراط قوات الأمن في استعمال القوة الذي نجم عليه مقتل محتج بالرصاص الحي إضطر أهالي الجنوب إلى "المطالبة بإفراغ المدن من قوات الأمن وطالبوا بنشر وحدات من الجيش لتخفيف حدة التوتر".

ونددت خلية الأزمة ببنقردان السبت بـ"التدخل العنيف لقوات الأمن" ولّوحت بتنفيذ إضراب جهوي عام في ولاية مدنين في حال عدم تفاعل الحكومة مع مختلف المطالب داعية المحتجين إلى توخي "الطرق السلمية خلال تحركاتهم".

وأرجعت الجبهة الشعبية "تزايد حدة الاحتقان وتوسعها" لتشمل العديد من مناطق الجنوب إلى "التصعيد الأمني في مواجهة الاحتجاجات الشعبية المشروعة" مشددة على أن "قوات الأمن واجهت الاحتجاجات الشعبية السلمية لأهالي الدهيبة بأسلوب مفرط في القوة بدءا باستعمال الغاز المسيل للدموع ثم تطور إلى إطلاق الرصاص الحي" منددة بـ"كل أشكال القمع الوحشية في مواجهة مطالب اجتماعية وسياسية مشروعة وأشكال الاحتجاج السلمي"، ودعت الجبهة "الأجهزة الأمنية للدولة بالكف الفوري عن انتهاج أسلوب القمع والقوة تجاه المطالب الاجتماعية والسياسية المشروعة" مشددة على أن مثل هدا الأسلوب لن يزيد الأوضاع في الجنوب إلا تأزما وأنه على الحكومة أن تسرع بخطة تنموية سياسية عاجلة لفائدة أهالي الجنوب".

وإزاء "ضيق رؤية" الحكومة لأبعاد الانتفاضة و"اختزالها" في رفض الأهالي للرسوم التي فرضتها على التجار من جهة، وانتهاجها لـ"أساليب عقيمة في مواجهة الاحتجاجات الشعبية السلمية" من خلال "التركيز على الحل الأمني" و"عقد مجالس وزارية تطغى عليها المسحة الرسمية" أخدت التحركات الشعبية "منحى سياسيا" خطيرا بدا مؤشرا قويا على أن أهالي الجهة يطالبون بـ"إشراكهم في القرار السياسي" وبـ"تمثيل أوسع للجهة في المؤسسات السيادية للدولة بما فيها الحكومة" إذ رفع المحتجون خلال الأيام الماضية شعارات سياسية مناهضة للسلطة المركزية مثل "يزي من الحقرة" أي "كفى احتقارا" و"أهالي الجنوب مواطنون من درجة ثانية".

وأثارت الشعارات السياسية المناهضة للدولة المركزية تعاطف السياسيين والإعلاميين مع الجنوبيين الدين يرفضون وضعا معيشيا جردهم من أبسط حقوقهم الاقتصادية والاجتماعية ليضرب في العمق حقوقهم السياسية وفي مقدمتها معاملتهم كتونسيين يتمتعون بحق المواطنة الكاملة ما جعل ولاء أهالي الجنوب للدولة المركزية "فاترا" إن لن يكن "ضعيفا" فالجنوبيون أشد ارتباطا وولاء للجنوب لا كجهة فقط بل كخارطة جغراسياسية متجانسة ثقافيا وجدت نفسها "تكافح" وحدها من أجل توفير مستوى عيش يليق بأهلها.

وكتبت "جريدة الصحافة اليوم" الحكومية تقول "حين يشعر الناس أنهم مواطنون من درجة ثانية فإن مفهوم المواطنة يكون قد ضرب في العمق ليحذر بأن علاقة أهالي الجنوب بالدولة كإطار وحيد للانتماء يعلو على جميع الأطر الإنتمائية الأخرى الجهوية منها والقبلية هي علاقة هشة لا نتيجة موقف انعزالي مسبق وإنما نتيجة إحساس الرأي العام هناك بأن السلطة المركزية همشت الجهة اجتماعيا وسياسياً".

ويرى المحللون السياسيون أن "هناك نوع من الوعي السياسي لدى أهالي الجنوب وأيضا لدى أهالي الجهات المحرومة بأنهم يتعرضون "للحقرة" من طرف السلطة المركزية التي تحتكر القرار الاقتصادي والاجتماعي والسياسي وهو وعي يعكس تحولات عميقة في المجتمع التونسي بصفة عامة تدفع باتجاه تركيز مؤسسات الحكم المحلي للتخفيف من سطوة المركز.

وهم يشددون على أن "الحل الجذري للمعضلات التنموية والسياسية التي يعاني منها الجهات المحرومة لن يجد طريقه إلا من هامش الحكم المحلي الذي نص عليه الدستور الجديد ليفتح أمام التونسيين فرص إدارة شؤونهم الجهوية بأنفسهم على غرار عديد البلدان المتقدمة ذات الديمقراطيات العريقة".

وبدت انتفاضة الجنوب، كما يذهب إلى ذلك كثير من المراقبين والسياسيين، أول "اختبار" لحكومة الحبيب الصيد في "كيفية إدارتها" لواحدة من الأزمات بلاد قادمة على مواجهة عديد التحديات ومدى التزامها بحماية التجربة الديمقراطية ورعاية الحريات من جهة، وتأمين هيبة الدولة من جهة أخرى.

وكان الحبيب الصيد تعهد خلال تقديم برنامج حكومته أمام البرلمان أنه "لا يفاضل بين حماية الحريات السياسية والمدنية التي تعد جوهر العملية الديمقراطية وبين إعادة الاعتبار لهيبة الدولة".

وتساور السياسيين ونشطاء المجتمع المدني "مخاوف" من "انزلاق الحكومة في عدم المفاضلة لتقدم هيبة الدولة وما يعنيه من سطوة أجهزتها الإدارية والأمنية على حماية الحريات في ظل تجربة ديمقراطية ناشئة وهشة تتهددها عديد المخاطر الداخلية والخارجية".

ولم يتردد السياسيون ونشطاء المجتمع المدني في التعبير عن تزايد تلك المخاوف بعد أن التجأت الحكومة للحلول الأمنية في مواجهة الاحتجاجات الشعبية السلمية في الجنوب وإفراط قوات الأمن في استعمال القوة الأمر الذي رأوا فيه أنه يعكس فشل الحكومة سياسيا في إخماد الانتفاضة، وهو فشل من شأنه أن يهز ثقة التونسيين في أول حكومة ديمقراطية يفترض أن تنأى بنفسها عن مواجهة احتجاجات سلمية كشكل من أشكال حرية التعبير باللجوء إلى استعمال قوة أجهزة الدولة المركزية خاصة وأن تلك الاحتجاجات هي تعبير عن رفض شعبي لسطوة السلطة المركزية ومؤسساتها على الجنوب.

ويسود اقتناع لدى الرأي العام التونسي بأن الاختبار الحقيقي لحكومة الحبيب الصيد التي تضم ائتلافا بين العلمانيين والإسلاميين خلال السنوات الخمس القادمة وهي فترة تنفيذ برنامجها التنموي والسياسي يتمثل في مدى التزامها بعدم المفاضلة في السياسات التي ستنتهجها بين حماية الحريات الفردية والعامة وتكريس هيبة مؤسسات الدولة السيادية.