العراق: أهل التسامح وأهل كواتم الصوت

بحاجة إلى روح كهذا

أحاول دائماً أن أتذكر، وأنا أقرأ وأُشاهد أخبار هذا الوطن، تجارب الشعوب التي عانت الظلم والاضطهاد. في كل مرة أقرأ سيرة جديدة عن مانديلا، أجدني أشغل نفسي بالبحث عن اسم الرجل الذي قرر أن يودعه عتمة السجن، فلا أجده، فقط ظلّ وحده الحاضر الوحيد، سجيناً وحراً، يملأ المدن الكبرى بسلوكه العفوي، يصرّ على أن يعلّم أبناء وطنه في لحظة حرجة: أن "الوطن لن يبقى قائما، إذا سقطنا في بئر الكراهية والثأر".

لا أدري ما سرّ المصادفة بين استرجاع مانديلا، ومتابعة أخبار مقتل عدد من المواطنين ذنبهم الوحيد أنهم تجاوزوا خطوط الطول والعرض الطائفية وتجوّلوا ليلاً في منطقة قناة الجيش، أسترجع غاندي و مانديلا ولي كوان ولولا دي سيلفا.. وأنظر في المقابل إلى وجوه عشرات الرجال من الذين خذلوا العراق، ونهبوا ثرواته وشرّدوا أبناءه في طرقات الغربة، ونشروا ثقافة الطائفية والجهل وقطع الرؤوس وكواتم الصوت، الذين هزموا الظلم والتخلّف والاستبداد، لم يكونوا يرفعون أصابعهم في وجوه خصومهم، لم يشتموا أحداً ولم يسخّفوا معارضيهم،ولم يكونوا قادة معارك، بل رجال بناء ومصالحات، في دول التسامح استعاد الناس حرياتهم كأفراد وبشر، وخرجوا من الظلمة إلى الحياة.

عرف مانديلا مثل ديغول ألم الجرح الذي يحفره الظلم في النفوس، كانت لهذا السجين شجاعة أنديرا غاندي يوم رفضت طلب بعض أعضاء حكومتها بتغيير حرسها الشخصي المكوّن من الضباط السيخ،معتبرة أنه يجب أن لا يؤخذ الأبرياء بجريرة المذنبين، قائلة: "ودّعوا الأحقاد، فالحياة أقوى من الموت ".

قبل أيام كشفت الصحافة عن حدث مثير يتعلق بلحظة إطلاق سراح مانديلا ففي شباط عام 1990 أُفرج عن نلسون مانديلا بعد 27 عاماً قضاها في السجن، وفيما جموع ضخمة في انتظاره في كيب تاون، اختفى لساعات بشكل غامض.

وجاء في الوثائق التي نشرتها "مؤسسة مانديلا: " كان العالم في انتظاره ولم يكن لأحد أدنى فكرة عن مكان وجوده، وتبين فيما أن مانديلا، قد طلب من سائقه القيام بتغيير مساره، حيث عثر عليه في منزل أحد حرّاس السجن السابقين، كان مــانــديــلا قـــد نــزع حذاءه لمزيد من الراحة، يتمتع بشرب الشاي ويصغي الى مضيفه يحدثه عن ذكريات السجن "!

تأمّلوا الصورة جيداً، الرجل السجين والمعذّب، يجد أنّ المكان المناسب لراحته بيت أحد حرّاس سجنه، وتأمّلوا الصورة التي كانت عليها جنوب افريقيا انذاك: البيض خائفون، والسود ينتظرون إشارة الثأر، فيما الضحية وحده يجلس ليتسامر مع سجّانه! إنها واحدة من لحظات السموّ البشري التي لا يعرفها تجّار الأزمات ممن يتجاهلون أنّ بناء الدول لا يتم عبر الثأر، وإنما بالاستناد إلى العدالة.. فتجارب الشعوب تعلّمنا أن لا أعظم من رجال المصالحات في تاريخ البلدان.. أما الثأر فهو تجارة الفاشلين.

بالامس خرج الرئيس الاميركي ليتحدث عن مقتل ثلاثة طلاب مسلمين في كارولاينا مختصرا الازمة بكلمات مؤثرة: "ليس هناك شخص في اميركا على الإطلاق، يجب استهدافه بسبب ما هو عليه، وكيف هو مظهره، أو كيف يؤدي عبادته،، نحن عائلة واحدة، وعندما يؤخذ واحد منا قبل أوانه، نتذكر كيف عاشوا حياتهم، وكلمات أحد الضحايا يجب أن تلهمنا طريقة عيش حياتنا."

كانت الناس تامل ان تكون مهمّة المسؤول تضمّيد جراح الوطن، فإذا به يعمّقها، وأن يوحّد العراقيين، فإذا به يفتتهم، لم يلمّ الشمل، وعزّز بممارساته وانحيازاته الحزبية الضيّقة، الانقسام والتشرذم، وفشل في الاحتفاظ بالشراكة الوطنية التي أصبحت أغنية مملّة يردّدها النواب من على شاشات الفضائيات فقط.

علي حسين

كاتب عراقي