راديو الفاتيكان... للوعظ والتبشير عبر الأثير

التدين على الهواء

أكملت الكنيسة بدورها المسيرة مستعملةً كل وسائل الإعلام: من الشفهي المنقول، مروراً بالمخطوطات على أنواعها، وصولاً إلى أعظم ثورة في التاريخ: "ثورة غوتنبرغ"(ثورة الكتاب المطبوع). وأبحرت في عالم وسائل الاتصال الاجتماعي منذ نشأتها، فكانت في بعض الأحيان تشجبها، وفي أحيانٍ أخرى تشجعها، إلى أن جاء المجمع الفاتيكاني الثاني الذي عقد بدعوة من قداسة البابا يوحنا الثالث والعشرين (البابا القديس) سنة 1959، والذي قيل عنه مجمع وسائل الاتصالات الاجتماعية، الذي دعا الكنيسة إلى الإبحار في عالم وسائل الاتصال الاجتماعي، وإلى الاعتماد عليها في إيصال الكلمة إلى ذوي الإرادة الصالحة، كما دعا القيّمين على التنشئة الإكليريكية والرهبانية إلى إدخال مواد الاتصال الاجتماعي في صلب التنشئة الكهنوتية.

بالحديث عن نشأة الراديو المسيحي، وبالتحديد راديو الفاتيكان سنة 1929، طلب قداسة البابا بيوس الحادي عشر من العالم الإيطالي الشهير ماركوني، إنشاء محطة إذاعية داخل دولة حاضرة الفاتيكان، وأوكل إدارتها إلى راهب يسوعي (جوزيبي جانفرانشيسكي). في 12 فبراير (شباط) 1931 دشّن البابا بيوس الحادي عشر مركز الإذاعة بخطاب باللغة اللاتينية أثار العالم كله. ومنذ ذلك الحين والكنيسة تعمل على الإفادة من الراديو، مشددةً على التبشير الجديد من خلال: التعليم الكتابي العقائدي، الوعظ، التنشئة الليتورجية، العمل المسكوني، التحفيز على العمل الرسولي، والحوار ما بين الأديان، والتنشئة الإنسانية من خلال البرامج التربوية، والاجتماعية، والسوسيولوجية، والسيكولوجية، والاهتمام بحقوق الإنسان، وأولهم المستضعفون، مثلاً: المهجّرين والمهاجرين.

استمرت الكنيسة في الإفادة من الراديو إلى أن أفل نجمه - كما قال بعضهم- مع بداية عهد التلفزيون في الثلاثينيات، وبهر المشاهد بالصورة بعد أن كان قد فتن وأُخذ بالصوت، لكن الراديو ظل المنافس الشرس في العمل والسيارة إلى أن بدأ عالم الإنترنت والخِدمات السريعة. فشعر عشّاق الراديو بأنه سينتكس من جديد، لكن الراديو ظل المنافس الأول في عالم الاتصال الاجتماعي وفي العالم الرقمي.

خلال هذه الحقبة لم تكن الكنيسة متفرجة صامتة، إنما كانت منافسة ومبحرة في هذا العالم، موظفة كل إمكاناته لخدمة دعوتها، وأداةَ تلاق بين أبناء البشر من كل لون وطبقة وجنس، متخطيةً كل الحواجز والحدود.

وعت الكنيسة أهمية الإعلام، ودرج البابوات على إصدار رسائل حبرية سنوية في مناسبة اليوم العالمي لوسائل الإعلام الاجتماعي، ومنها رسالة أخيرة حملت عنوان "الكاهن والخدمة الرعوية في العالم الرقمي: وسائل الإعلام الجديدة في خدمة الكلمة" والتي تمثل تأكيداً ودفعاً جديداً لبث الرسالة المسيحية بشتى الوسائل الحديثة، وبشكل خاص عبر استعمال الصوت والصورة، وخاصة التلفزيون.

ويؤكد مسؤولو الكنيسة باستمرار أن الصورة وضعت، منذ فجر المسيحية، في خدمة الإعلان المسيحي، ولا شك أن المبشرين بالإنجيل لطالما وجدوا وسائلهم الخاصة من أجل حمل رسالة الإيمان إلى الآخرين. لقد كان يسوع متحدثاً معبراً، حاضراً، بليغاً، وفي رسالته كان إعلامياً بامتياز. لم يكن يسوع يملك محطة تلفزيونية، لكنه كان يبث في أذهان سامعيه وناظريه، صوراً وأمثالاً، وأن المسيح دعا شعبه لينادي به من السطوح، واليوم باتت السطوح رقمية، شاشات تلفزيونية، وسينمائية، أثير الإذاعة، ومواقع الإنترنت وشبكات التواصل الاجتماعي.

والسؤال يتكرر: لو أن المسيح تجسد في عصرنا هذا، أما كان سيعتمد شاشاتنا وإذاعاتنا لإعلان بشرى الخلاص؟

منذ ثمانين عاما ولدت المؤسسات الكاثوليكية للراديو والسينما والتلفزيون، كدليل على رؤيا الكنيسة وعينها الساهرة، امتدت في العالم، وهي اليوم موجودة في القارات الخمس، تنشر عبر أعضائها ثقافة السلام والتنوع والانفتاح، وتواكب عالم الاتصالات بشتى الميادين.

في هذا العالم الرقمي، عام 2004 إثر مؤتمر مدريد للمحطات الكاثوليكية، تم إطلاق وكالة "إيتش تو أو نيوز" عبر الإنترنت، لتحمل أخبار الكنيسة بلغات سبع، ومنها العربية، واليوم عبر تيلي لوميار ونورسات تنقل أخبارها وتزود بأخبار الكنيسة في الشرق.

منذ عام 2009 أطلق الفاتكيان محطة على شبكة يوتيوب، التي تطال مختلف الجماهير، وتحديداً الشبيبة مع موقع "بوب تو يو"، ثم مع "إكس ثري" تزامناً مع الأيام العالمية للشبيبة في سيدني. واليوم أصبح لدى الكنائس مواقع عديدة على فيسبوك، تويتر، مايسبايس، آيفون، وغيرها، بما يعكس إيمان الكنائس المختلفة بضرورة الوجود في شتى أنواع وسائل الاتصالات الاجتماعية، الكنسية منها والعلمانية، لتطال أكبر عدد من الأشخاص.

انقاذ الحياة الروحية

أما في الشرق، فمنذ عشرين عاما، دخل الإعلام المسيحي المرئي العربي، حقبة جديدة، مع ولادة تيلي لوميار، المحطة المسيحية الأولى التي تبث من لبنان، والتي حملت الصور الأولى لكنيسة هذا الشرق، وأصبحت اليوم عبر فضائيتها إعلاماً بابلياً وعنصراتياً، ينادي برسالة المحبة وثقافة السلام والقيم الإنسانية، وينقل صورة كنيسة الشرق وأبنائه إلى العالم أجمع، وهي سند ثمين لنشر الإنجيل والقيَم الدينيَّة، ولتنمية الحوار والتعاون المسكوني وما بين الأديان، والدفاع عن المبادئ الأساسيَّة لبناء مجتمع يحترم كرامة الكائن البشري.

اليوم أيضاً عبر شاشة "تيلي لوميار" و"نورسات"، عبر مشاركتها بشكل فعال مع الإعلام المسيحي في كل أنحاء العالم في شتى وسائله من مواقع إلكترونية، وجرائد وصحف إلكترونية، ومن خلال إرسال التقارير إلى الشبكات العالمية الكنسية الكبرى، دخلت الكنيسة المشرقية إلى كل بيت عربي وأجنبي في العالم، بشتى اللغات والوسائل.

ففي أقاصي الأرض، أصبح اليوم كل من يملك شاشة تلفزة، وجهازا لاقطا، يمكنه رؤية وسماع توجيهات كنيسته وأخبارها، يتحاور معها عبر البرامج المباشرة، يصلي معها في القداديس اليومية، يرنم معها في الاحتفالات، يتعرف على آباء المسيحية وحياة القديسين، يجد من يصغي إليه ويوجهه، في شتى الميادين الحياتية. الشاشة المسيحية اليوم هي رسالة، وهي صديق ومربّ وموجه، ومرافق للمريض، ومعزّ للحزين، هي صورة الكنيسة تتجلى عبر إعلاميين من أساقفة وكهنة وعلمانيين.

انتقلت عدوى الإعلام المسيحي المرئي إلى العالم العربي والبلدان المجاورة؛ وامتدت إلى الانتشار، فوجدت الأقليات المسيحية العربية وسيلة توصل صورتها وصوتها إلى العالم، فمن القدس المحتلة إلى الناصرة وحيفا والجليل، إلى بغداد والموصل والشام ودمشق وحلب، إلى الأردن فالكويت والإمارات العربية وقطر، وشرعوا بتصوير احتفالاتهم ولقاءاتهم بآلات بسيطة وإرسالها، فواكبتهم القنوات المسيحية وأوصلت صورتهم وصوتهم واندفعوا يتنادون لتأسيس مكاتب إنتاج انطلق بعضها ولا يزال البعض الآخر يتحضر، وتحرك أيضاً أبناء أوروبا والبرازيل والمكسيك وأمريكا الشمالية وأستراليا وأفريقيا، فمن خلال شبكات تواصل وضع تقنيون ومنتجون وسائلهم في خدمة رسالة الكنيسة.

تطرح الرسالة الإعلامية المسيحية تحديات كبرى، ويؤمن القائمون عليها بأنهم ليسوا إعلاميين وصحافيين عاديين، وأنهم اختيروا لأن يسيروا على خطى الإنجيليين، ولينقلوا بالصورة والصوت تعاليم المسيح. وكل دقيقة من البث التلفزيوني تتطلب إعداداً ومجهوداً فكرياً وجسدياً وفريق عمل متكاملا، يواكب مطالب المشاهدين وتنوع أذواقهم وتوقعاتهم وحاجاتهم. وقبل أن يصل البرنامج إلى الشاشة، يمر بمراحل عديدة على الصعيد الفكري والتوجيهي، والإنتاجي، وكل وسيلة، صغيرة كانت أم كبيرة، قلما أو كاميرا أو جهاز إرسال أو شريطا، يسهم في عمل متكامل لإيصال الأفضل.

وتعددت القنوات المسيحية العربية بين "تيلي لوميار"، و"نورسات"، و"سات 7"، وcopt tv، والحياة، وctv وغيرها، والتي تعمل في الشرق إلى جانب المحطة القبطية الأرثوذكسية والكاثوليكية والإذاعات مثل "صوت المحبة" وكل الوسائل التي تعمل في الشرق لبث رسالة المسيح، ويبقى الأساس في المراكز الإعلامية التي تأسست بمواكبة من الكنيسة، أولها المركز الكاثوليكي للإعلام، الذي يشكل الأساس لانطلاق الإعلام المسيحي في الشرق بشتى الميادين، واللجنة الأسقفية لوسائل الإعلام والاتحاد الكاثوليكي العالمي للصحافة، وكل تلك المؤسسات الكنسية التي ترعى وتقود وتوجه الإعلام المسيحي والإنساني في المنطقة العربية.