ربيع مفتاح يقرأ زمن السرد العربي

من أجل الوصول إلى تكاملية الرؤية

المنهج النقدي الذي تبناه الناقد ربيع مفتاح في قراءاته للأعمال الابداعية السردية في كتابه "زمن السرد العربي.. قرءات في القصة والرواية" الصادر أخيرا عن الهيئة العامة لقصور الثقافة، جعله سبيلا في التعرف على إبداعات الآخرين من كتاب القصة والرواية وهو ما أطلق عليه "المنهج التكاملي" الذي يعرفه بأنه "المنهج الذي يستفيد من مجموعة من المناهج في اتساق ودون تعارض ويعتمد على مجموعة من التقاطعات بينها وبين النص ويتوقف ذلك على وعي الناقد وحساسيته وثقافته.

ويمكن تقسيم المناهج النقدية بالنسبة للنص إلى: مناهج نقدية قبل النص أي تعمل عملها قبل إبداع النص مثل المنهج الاجتماعي والمنهج النفسي والمنهج التاريخي والتي ظهرت في النصف الأول من القرن العشرين، ومناهج مرتبطة بالنص فقط مثل البنيوية والتفكيكية والبنيوية التوليدية. وقد ظهرت هذه المناهج في النصف الثاني من القرن العشرين، ومناهج ما بعد النص وهو منهج جماليات التلقي مع نهاية القرن العشرين وبداية القرن الحالي.

ومن ثم انتقلنا من سلطة الكاتب إلى سلطة النص إلى سلطة القارئ، ولكي أصل إلى مفهوم التكامل أو المنهج التكاملي أبدأ من البيئة التي ولد وعاش فيها الكاتب، وقد تتعدد البيئات في حياته، وبعد ذلك تأتي مرحلة الكاتب مبدع النص يثم تأتي مرحلة النص. أما المرحلة الأخيرة فهي القارئ ثم فاعلية هذه القراءة في البيئة مرة أخرى".

وعلى ضوء هذا المنهج حلّل المؤلف عددا من الأعمال القصصية والروائية، ففي القصة مجموعات "العزف على أوتار بشرية" لمحمد نجيب عبدالله و"العودة" لعبدالله مهدي، و"عطر الليل الباقي" لليلي محمد صالح، و"والماء يجري في النهر" لعبدالمنعم شلبي وغيرها، وفي الرواية "ذئاب ونسور" لمحمد الشريف، و"يوم من الأيام" لأمل صديق عفيفي، وعدد من الأعمال الروائية للروائي الراحل خيري عبدالجواد، و"قبلة الحياة" لفؤاد قنديل، و"هل أتاك حديثي" لزينب حنفي، و"فرس النبي" لنبيل عبدالحميد، و"ابحثوا لنا عن إمام آخر" لأحمد ماضي، و"الطريق إلى هناك" لفتحي عبدالغني. وغيرها.

وخلال قراءاته يستخدم الناقد عددا من المصطلحات النقدية منها الحبل السري، التقاطع، التبني، التكامل، الفاعلية، المفعولية، ويعرف هذه المصطلحات في مقدمته قائلا "الحبل السري موجود بين البيئة والكاتب وبين الكاتب والنص بكل معانيه البيولوجية والمجازية، فلا يمكن الفصل بين البيئة والكاتب. ولكن ليس من قبيل الربط التام بينهما وإنما قد يوجد حدث محوري يربط بين الكاتب وبيئته. وعلى نفس المستوى الفكري النقدي يستمر هذا الحبل السري بين الكاتب والنص ومن ثم تصبح مقولة موت المؤلف بمعنى الفصل التام بين المبدع وإبداعه غير صالحة للتطبيق هنا. هذه العلاقات المشار إليها تحدث من خلال مجموعة التقاطعات بين البيئة والكاتب وبين الكاتب والنص".

ويضيف موضحا "هذه التقاطعات المحورية يأخذها الناقد في حساباته من أجل تكاملية الرؤية المعرفية والجمالية، وحين نصل إلى القارئ والنص فإن القراءة الواعية تتطلب حالة من التبني لدى القارئ، فهو يتبنى النص حتى يصل إلى تكامل الرؤية حيث هو المؤهل بالتفسير والتأويل وقراءة ما بين السطور. فإذا كان التقاطع مرادفا للحبل السري فإن التكامل مرادفا للتبني, كما أن البيئة بكل عناصرها المعنوية والمادية تقوم بدور فاعل في الكاتب وبنفس الكيفية يقوم الكاتب بدور الفاعل في النص، وأيضا نفس الدور الفاعل يقوم به القارئ ومن ثم ـ في المرحلة الأولى ـ يصبح النص مفعولا بين فاعلين هما الكاتب والقارئ، لكن بعد مجموعة من القراءات للنص يتحول إلى فاعل في القارئ والكاتب والبيئة، وبمعنى آخر فإن الأطراف تتحول من المفعولية إلى الفاعلية ومن الفاعلية إلى المفعولية هي محاولة مني من أجل الوصول إلى تكاملية الرؤية بشقيها الجمالي والمعرفي لقراءة السرد".