التعليم المصري.. أزمة وطن

قد يتفق التربويون على أن المؤسسات التعليمية الراهنة تعاني من وجود ضبابية في القيم الاجتماعية، ويتجسد هذا الاتفاق في مئات الأطروحات الأكاديمية التي استهدفت إما رصد القيم الموجودة أو تنمية القيم اللازمة وأخيرا إيجاد صيغ ورقية تشبه أفلام الكارتون تشير إلى معايير ومؤشرات وقوائم للقيم الاجتماعية والإنسانية التي ينبغي أن تتوافر لدى أبنائنا المقهورين داخل مؤسسات خرسانية صماء.

واليوم بدون أدنى شك يقف التربويون كرها أمام تحدٍ عظيم ألا وهو شيوع حالات الفوضى الذهنية في عقول أبنائنا بين ما يقدم إليهم من معارف ومعلومات تتعلق بالقيم الإيجابية وضرورة التحلي بها، والتنويه عن القيم السلبية التي يجب الجنوح بعيدا عنها، وبين مجتمع يمكن رصد بعض ملامحه في حمامات للرجال متهمة بممارسة أعمال اللواط القذرة، وأعمال عنف وبلطجة أدواتها الأسلحة البيضاء والمولوتوف، وشباب يدعي فعل الثورة وهم فقراء سياسياً على مستوى التنظير والمشاركة الحزبية، وتجار إعلام يقدمون ما يفقهونه أو يدغدغون أعصاب المشاهدين الذين هربوا بالفعل منهم بعض المسكنات والمرطبات في طقس بارد.

لذا كل ما تم تسطيره سابقا في الأطروحات النظرية جاء وقتها اليوم وضه ورهن التطبيق، إلا وأننا سنعترف أمام الله الواحد نعترف بأننا كنا كاذبين حتى على أنفسنا حينما تحدثنا عن القيم ودورها وأهميتها. لكن الواقع التعليمي اليوم يكشف عن عدم وجود مرجعية ثقافية وقيمية وحضارية يمكن الاستناد إليها ونحن نواجه لغطاً سلوكيا وثقافيا متمثلاً في ثقافة ما بعد الثورة التي استمرأت الفوضى واللامبالاة.

وربما لا يدرك كثير أن تلك الفوضى التي تظهر بين الحين والآخر هي بمثابة قنابل موقوتة يتم استغلالها أيديولوجيا وإعلاميا وسياسيا لصالح مطامح فئات تسعى إما للاستقطاب أو الاستلاب بغض النظر عن صالح البلاد والعباد.

نحن نرى ليل نهار في الجامعة والمدرسة والشارع والنادي مظاهر السخط بين الشباب وهي تتداعى وتستعر دون أن تكون للمؤسسات التعليمية دور حقيقي في المعالجة، وكأننا نراهن على انفجار الوطن وتفجيره بصورة سريعة.

إن مشكلة القيم اليوم هي مشكلة راءات متعددة وتأويلات متباينة لها لأننا حقا كتبنا سطورا لم نعيها وقت كتابتها، ورحنا نغرق صفحاتنا البيضاء بقيم لا تتعلق بواقعنا القديم وقام غيرنا بتقديم تفسيرات بليدة وإيجاد مقاربات ساذجة لتقريب وجهات النظر بين هذه القيم، بل إن بعضا منا قدم طروحات نظرية وقت عقود مبارك السياسية عن أسباب عزوف الشباب عن المشاركة السياسية وكأنه لم يعي ويفطن طبيعة نظام مبارك البوليسي الذي كان عاملاً رئيساً في سقوطه.

إن القيم التي كان ينبغي التركيز عليها سابقا هي القيم السلبية وكيفية مكافحتها الأمر الذي يدفع الشباب اليوم إلى ممارسات لا تتعلق بعقيدتنا السمحة ولا تتوافق مع طبيعة الإسلام والمجتمعات العربية. لقد تحدث السابقون عن التنموية والمعنوية والرمزية في التعليم دون الإشارة بأن هناك حراكاً ثقافيا موازيا آخر بعقول أبنائنا وأن هناك ثمة رهانات تعبث بالأبصار والعقول مثل الأفلام المبتذلة التي تغيب عنها أعين الرقابة على المصنفات الفنية،، وغاب على السابقون أن يراهنوا بمناهجهم ومعارفهم على الوطن وإعلاء قيم الوطنية قبل المواطنة.

كيف نتحدث عن قيم المواطنة ونقيم عنها احتفاءات وندشن لها احتفالات والطالب لديها لا يدرك دلالة العلم الوطني ولا نشيد بلاده ولا الوطن ذاته؟.

إن إشكالية التعليم في مصر هي إشكالية تكوين في الأساس، حتى بعد حراك الوطن سياسيا ووجود استحقاقات ديموقراطية متعددة لا يزال التعليم بوزيره ووزارته بمنأى بعيد عن هذا الحراك الذي صار مستداما.

لكن الملمح الأهم في مؤسساتنا التعليمية هو وجود حالة من التصحر القيمي لدى أبنائنا المشهد الذي نلمحه ونلتمس أطيافه في اللغة والمعاملات وحتى لعب ولهو الصبية بفناء المدرسة، وأنا لا أستطيع أن ألوم الآباء وأنهم مسئولون عن هذا التصحر لأن الأبناء بطبيعتهم مؤدبون ومهذبون وأكثر لطفاً أمام أبائهم، لكن المدرسة المصرية التي بدأت منذ سنوات ليست بالبعيدة في فقدان وظيفتها التربوية ساهمت في تدعيم التصحر القيمي لدى هؤلاء.

وإذا كنت من هواة التأكد من وجود مشهد التصحر القيمي عليك أن تتابع درجات الطلاب بالمدارس الخرسانية تجدها مرتفعة بغير إنتاج معرفي لعدم وجود سياج قيمي يدعم هذه المعرفة الكاذبة المتمثلة في درجات اختبار تحصيلي لا تزال وزارة التربية والتعليم في مصر وحدها تطلق عليه لفظة امتحان وهي لفظة مأخوذة من المحنة والمحن والابتلاء.

وغريب أن نلعن ليل نهار الأمية ونعدد أسبابها وعواملها ونلعن الفقر والمرض وتردي الأوضاع الاقتصادية وتدهور البعد الحضاري لدى بعض الأسر المصرية لكننا ندفن رؤوسنا في الرمل الساخن حينما نتوارى بعيداً عن حقيقة مهمة وهي أن الأمية لا تحارب إلا بوجود قيمة العلم والمعرفة لا بمبادرات وهمية يشارك فيها المتعلمون ويغيب عنها أصحاب الداء أنفسهم.

إن مشكلة مؤسسات التعليم في مصر هي غياب فعل التنوير عنها رغم أننا بلد التنويري رفاعة رافع الطهطاوي، والمجدد محمد عبده والعميد طه حسين ونصر أبو زيد وزكي نجيب محمود وتوفيق الحكيم والعالمي نجيب محفوظ، وفي ظل وجود مؤسسات تعليمية غير تمكينية فالتعليم بثقافته يظل نفعيا يقتنع فقط بمعايير المكسب والخسارة لا الثقافة والمعرفة.

إن ما نحتاج إليه في هذه المرحلة التي نعيد فيها بناء الوطن توطين العلم وتأكيد قيمة الوطن والوطنية لدى أبنائنا بمنهج ومقرر ومادة دراسية ومعلم ونشاط.

وإن أصدق بحث أكاديمي هو البحث الذي يعلي قيم الثقافة الوطنية والتقاليد الوطنية ودعم قيم الثقافة العلمية الإيجابية لدى الطلاب.علينا أن نتأمل هذا الوطن الذي يستحق منا الكثير، تحيا مصر ويحيا الوطن.