الحكومة التونسية تواجه انتفاضة تصفية حسابات سياسية

الجنوبيون لا ترهبهم القوة

تونس ـ تعرضت حكومة الحبيب الصيد الائتلافية التي تضم علمانيين وإسلاميين لأول "خضة شعبية" بعد أن طرد أهالي الجنوب الذين يقودون احتجاجات منذ أكثر من أسبوع على ما يتعرضون إليه من حيف اجتماعي وسياسي وفدا حكوميا كان ينوي عقد اجتماعات ولقاءات مع المحتجين للتعرف على طبيعة مشاكلهم ومطالبهم التي تتجاوز مجرد إلغاء الرسوم التي فرضتها الحكومة على التجار فيما تصاعدت حدة الاحتقان حتى أن المحتجين طالبوا بـ"إفراغ" المدن من قوات الأمن التي "أفرطت في استعمال القوة" ونشر وحدات من الجيش ما بدا مؤشرا قويا على أن الجنوب يشهد انتفاضة سياسية على السلطة المركزية بدأت شراراتها "اجتماعية.

فقد أجبر أهالي مدينة بنقردان الحدودية مع الجارة ليبيا وفدا حكوميا يضم كل من وزير المالية سليم شاكر، ووزير التنمية والاستثمار والتعاون الدولي، ياسين إبراهيم، على "الرحيل" في أجواء من التوتر والفوضى رفع خلالها المحتجون شعارات سياسية مناهضة للحكومة مطالبين برحيل الوفد الذي أضطر إلى مغادرة الجهة والعودة إلى قصر الحكومة بالقصبة بتونس العاصمة دون أن يعقد اجتماعا واحدا.

وهذه أول مرة تتعرض فيها حكومة الحبيب الصيد التي تشكلت الأسبوع الماضي وتعهدت بقيادة مشروع تنموي وسياسي وأمني كفيل بالاستجابة لمطالب التونسيين، وفي مقدمتها التنمية والتشغيل إلى "الإجبار على الرحيل" في خطوة تعكس أن غضب أهالي الجنوب يتجاوز المطالب الاجتماعية التي هي مطالب غالبية التونسيين إلى مطالب سياسية مرتبطة بما يقول الأهالي "غياب الدولة عن الجهة والاستخفاف بحالة الحيف والتهميش التي يتعرضون إليها مند استقلال البلاد عن الاستعمار الفرنسي عام 1956".

ويبدو أن الحكومة الجديدة التي تقود أول تجربة ديمقراطية في البلاد تواجه في الجنوب الغاضب لا فقط احتجاجات على تردي أوضاع المعيشة وغياب التنمية وانتشار البطالة وإنما أيضا "وعيا سياسيا" يستبطنه الجنوبيون مفاده أنهم كانوا ضحية خلاف سياسي منذ الخمسينات من القرن الماضي بين الزعيمين الحبيب بورقيبة وصالح بن يوسف أصيل جزيرة جربة التابعة لمحافظة مدنين الجنوبية.

ويرى أهالي الجنوب أنهم "يتعرضون إلى ظلم سياسي" انتهجته السلطة المركزية مند عقود نتيجة وقوفهم إلى جانب صالح بن يوسف وهو موقف أثار غضب بورقيبة على الجهة حتى أنه لم يؤدي زيارة واحدة إلى "معقل اليوسفيين" الذين تحالفوا مع القوى التقليدية من شيوخ جامع الزيتونة وشيوخ القبائل الذين كانوا يرفضون مشروع الحداثة الذي قاده الزعيم بورقيبة ورأوا فيه ضربا لمصالحهم الاقتصادية ومكانتهم الاجتماعية وسطوتهم الدينية.

وتظهر المقارنة أن السلطة المركزية ركزت مشاريعها التنموية خلال عقود على الجهات الساحلية وبدرجة أقل في الجهات الشمالية الزراعية، فيما لم تشمل جهات الجنوب أية برامج أو سياسات من شانها أن توفر التنمية المستدامة والشغل من خلال إطلاق خطط استثمارية على غرار منطقة صناعية حرة تعد أحد أهم مطالب الأهالي مند بداية الثمانينات من القرن الماضي.

وقاد غياب أي حضور فاعل لمؤسسات الدولة في الجنوب التونسي إلى انتشار وعي سياسي لدى الأهالي بأنهم "ضحية سياسات ممنهجة للسلطة المركزية" التي تخلت عنهم الأمر الذي دفعهم، إما إلى الهجرة نحو البلدان الأوروبية حيث يمثلون 30 بالمائة من مجموع المهاجرين التونسيين أو إلى امتهان التجارة القانونية والموازية مع السوق الليبية التي تعد المزود الأول لهم بالمواد الاستهلاكية بما فيها المواد الغذائية.

ويطالب أهالي الجنوب بـ"تمثيل أوسع" في المؤسسات السيادية للدولة وعلى رأسها الحكومة من خلال تولي كفاءاتهم ومناضليهم مناصب في مراكز القرار التي تحتكر عمليات التخطيط للمشاريع التنموية وتوزيعها بما يساعد الجهة على الانتفاع العادل بعائدات خيرات البلاد.

ويعكس هذا الطلب "شعور عام" لدى أهالي الجنوب بأنهم يتعرضون إلى "الاحتقار" من طرف السلطة المركزية بالمقارنة مع الجهات الساحلية وحتى بالمقارنة مع الجهات الشمالية وتغذى ذلك الشعور عبر تراكمات تاريخية ساهم إلى حد كبير في تعميق الإحساس بالحيف والتهميش الممزوج بغضب شعبي على قصر قرطاج وقصر القصبة.

ومن يعرف الجنوب جيدا ونسيجه الاجتماعي القبلي وتضاريسه السياسية ذات المسحة الدينية والعروبية بإمكانه أن يلاحظ أنه يمتلك من الخصوصيات الاجتماعية والثقافية ما يجعله يختلف تماما عن باقي الجهات التونسية، إذ ساعدت تلك الخصوصيات التي غذتها الخارطة الجغرافية المحاذية للحدود الليبية في نسج علاقات اقتصادية واجتماعية وثقافية مع الأشقاء الليبيين، بل أبعد من ذلك وأخطر، إذ ساهمت في تشكيل وعي سياسي هو أقرب للمسحة العروبية منه للمشروع الوطني التونسي الذي تأسس في أجواء سياسية معادية لمشروع الوحدة العربية الذي قاده الزعيم جمال عبد الناصر.

وبفعل وطأة التهميش السياسي والحيف الاجتماعي من السلطة المركزية، يبدو ولاء أهالي الجنوب للدولة المركزية "فاترا" إن لن يكن "ضعيفا"، فالجنوبيون أشد ارتباطا وولاء للجنوب، لا كجهة فقط بل كخارطة جغراسياسية متجانسة ثقافيا وجدت نفسها "تكافح" وحدها من أجل توفير مستوى عيش يليق بأهلها.

لذلك تبدو الاحتجاجات في ظاهرها اجتماعية، كما يذهب إلى ذلك كثير من المحللين، ولكن عمقها وأبعادها سياسية باعتبارها "نوعا من الانتفاضة على السلطة المركزية" التي تستأثر بقرارات يفترض أن تتخذها الجهة بنفسها لأنها الأقدر على تشخيص الواقع والمعضلات التي يعاني منها الأهالي وهي بالتالي الأقدر على تقديم الحلول الناجعة لمشاكل التنمية والتشغيل.

ويرى المحلل السياسي علي اللافي "أن واجهة الاحتجاجات مطالب اجتماعية، لكن خلفياتها وأبعادها سياسية تعكس غضبا شعبيا على الدولة المركزية إذ "عرف الجنوب ظلما سياسيا" كان من نتائجه "التهميش الاقتصادي، والحرمان من التنمية، ونقص الخدمات العمومية، إلى أن وصل الأمر أن أهالي الجنوب صاروا يعتقدون أنهم مواطنون من الدرجة الثانية".

ويضيف المحلل السياسي أن "الظلم السياسي جعل المناطق الحدودية مع ليبيا تعيش بعيدا عن الدولة المركزية، وتوجه سكانها إلى الحدود بحثا عن رزقهم من خلال التجارة البينية مع ليبيا أو العمل في ليبيا، خاصة وأن العاصمة الليبية طرابلس تبعد ما يقارب من 200 كلم عن الحدود، بينما تبعد العاصمة تونس حوالي 600 كلم، وهو ما يفسر كثرة الاحتجاجات في هذه المناطق حتى قبل ثورة 14 يناير 2010، التي أطاحت بنظام الرئيس زين العابدين بن علي".

ويستبعد السياسيون والمحللون أن تهدأ انتفاضة الجنوب بمجرد تراجع الحكومة عن الرسومات التي فرضتها على التجار مع ليبيا ملاحظين أن "إلغاء الرسومات قد يخفف من حدة التوتر في الجنوب، لكن ذلك لا يمثل حلا جذريا لمشاكل الناس الذين يشعرون بأنهم مواطنين من درجة ثانية وهو موقف سياسي ناجم عن غياب الخدمات الأساسية للدولة".

ويشدد ميكائيل العياري، وهو باحث في "مجموعة الأزمات الدولية" أنه "على الدولة أن تعود إلى استيعاب هذه المناطق بعيدا عن الحلول الأمنية التي سبق وأن فشلت، من خلال الاستثمار فيها، واستيعاب التجارة الموازية من خلال سوق حرة مثلا، والعمل على مشاريع صناعية مشتركة بين الدولتين (ليبيا وتونس) على الحدود، والاستفادة من الدينامكية الحدودية اقتصاديا لمزيد من التنمية في الجهة".

ودفعت الأبعاد السياسية للاحتجاجات بالأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني إلى التحذير من تداعياتها الخطيرة على استقرار البلاد سياسيا واجتماعيا وأمنيا في وضع إقليمي هش ومضطرب لا يخلو من مخاطر ترقى إلى مستوى التهديدات خاصة وسط أنباء عن تسلل عناصر إرهابية من ليبيا واندساسها في حركات الاحتجاج من أجل الزج بالبلاد في فوضى عامة.

فقد اقترحت الأحزاب ومنظمات المجتمع المدني والبرلمانيين والحقوقيين حلولا سياسية وتنموية عملية من شأنها أن تخفف غضب الأهالي على السلطة المركزية وتعيد لهم نوعا من الثقة فيها كحظوة لتطويق الوضع فى مناطق حدودية حساسة يمكن لأي انفلات واحتقان فيها أن يزج بتونس فى الصراعات المسلحة التي تعصف بالجارة ليبيا.

ودعا المحامى والناشط السياسي والاعلامى مبروك كرشيد رئاسة الجمهورية والحكومة إلى "اتخاذ إجراءات عاجلة لمعالجة الأجواء المتوترة وحالة الاحتقان السائدة في محافظتي مدنين وتطاوين"، مشددا على أن "ملف المناطق الحدودية لا ينبغي أن يترك في يد أفراد سواء من السياسيين أو البرلمانيين أو نشطاء المجتمع المدني للتفاوض مع الجانب الليبي، وإنما يتعين أن يكون محل متابعة من قبل رئاستي الجمهورية والحكومة ووزارة الشؤون الخارجية".

واقترح كرشيد وهو أصيل الجنوب الشرقي أن "يتحول الرئيس الباجى قائد السبسى شخصيا للإصغاء لمشاغل أهالي الجنوب الذين يشعرون بأن منطقتهم خارجة عن اهتمامات الدولة" كما حث على أن يقع إبرام ما أسماه بـ "العقد المعنوى" بين السلطة وأهالي الجنوب يتضمن الالتزام بالعمل على جلب الاستثمارات لهذه المناطق التي تفتقر لموارد الرزق".

من جهته جدد رئيس الرابطة التونسية للدفاع عن حقوق الإنسان عبدالستار بن موسى الدعوة إلى تكوين لجنة مستقلة تضم مسؤولين عن عدد من الوزارات المعنية وأهالي المنطقة ورجال الأمن ومنظمات المجتمع المدني للتحقيق في الإحداث وأدت إلى وفاة شاب وجرح آخرين.

وأكد ضرورة اتخاذ إجراءات عاجلة لتطويق الوضع في المناطق الحدودية والنأي عن اتخاذ إجراءات مناسباتية.

واقترح بن موسى أن يقع عقد مجلس وزاري في منطقة الجنوب يضم الوزارات المعنية بملفات المناطق الحدودية على غرار التنمية والتجهيز والمالية وإيجاد حلول جذرية لمشاكل وصفها بـ" المتراكمة عبر التاريخ".

وجاء تحرك الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني بعد أن أخذت الاحتجاجات منحى سياسيا خطيرا حيث طالب المحتجون بـ"إفراغ" المدن من قوات الأمن التي "أفرطت في استعمال القوة" ما أدى إلى مقتل شخص وطالبوا بنشر وحدات الجيش وهو مؤشر قوي على إن "الانتفاضة سياسية" بواجهة اجتماعية ضد "سطوة" السلطة المركزية التي لم تتدخل إلا لمواجهة غضب شعبي يطالب بحقه في المواطنة شأنه في دلك شأن بقية جهات البلاد.

ومثل التعاطي مع الاحتجاجات أول اختبار لحكومة الحبيب الصيد التي تشكلت على أساس برنامج لإنقاذ تونس من خلال توفير التنمية، ولكن أيضا من خلال حماية الحريات ورعاية التجربة الديمقراطية الناشئة والهشة، وبدا الاختبار بالنسبة للسياسيين ولأغلبية التونسيين "خاسرا" لكون الحكومة دفعت بقوات الأمن لمواجهة الاحتجاجات بدل أن تبادر بإتخاذ إجراءات سياسية الأمر الذي زاد في تأجيج الاحتقان وعمق غضب أهالي الجنوب ضد الدولة.

وقال سياسيون إن لجوء الحكومة إلى "الحل الأمني" هز ثقة الجنوبيين فيها في وقت ينتظرون فيه حلولا عملية لمشاكلهم الاقتصادية والاجتماعية بما يعزز لديهم الشعور بالمواطنة والولاء للدولة باعتبارها دولة كل التونسيين.

وأمام إصرار أهالي الجنوب على ترحيل أي وفد حكومي، اضطر الحبيب الصيد إلى الاستنجاد بنواب بالبرلمان أصيلي الجهة والتمس منهم مساعدته على الإصغاء لمطالب الأهالي بهدف التوصل إلى الحلول السياسية والتنموية الكفيلة بإخماد أول انتفاضة من نوعها منذ سقوط نظام الرئيس زين العابدين بن علي الذي أطاحت بع انتفاضة شعبية في يناير 2010.