الغنوشي يستثمر الاضطرابات في تونس لدعم 'فجر ليبيا'

ابتزاز إخواني لحكومة الصيد

تونس ـ يسعى إخوان تونس وحلفاؤهم إلى دفع حكومة الحبيب الصيد إلى الاعتراف بميليشيات "فجر ليبيا" التي تسيطر على معبر رأس جدير الحدودي وإلى الكف عن دعم القيادة الليبية التي يتزعمها اللواء المتقاعد خليفة حفتر مبررين دعوتهم بان هذا الاعتراف هو "الضمان الوحيد" لإخماد انتفاضة أهالي الجنوب بإعادة الحركة التجارية بين البلدين.

وكشفت مصادر سياسية أن رئيس حركة النهضة الإخوانية راشد الغنوشي يجري اتصالات مع إخوان ليبيا في إطار أجندة إقليمية قطرية ـ تركية ودولية أميركية تهدف إلى الاعتراف بـ "المؤتمر الوطني العام كممثل شرعي للدولة الليبية".

وانتهز كل من القيادي السابق في حركة النهضة رياض الشعيبي الذي تربطه علاقات قوية براشد الغنوشي والنائب بالبرلمان عن حزب المؤتمر حليف إخوان تونس عماد الدايمي احتجاجات أهالي الجنوب على رفض "الإتاوات" التي فرضتها الحكومة على التجار مع السوق الليبية للإدعاء بأنه "لا مجال لإيقاف أعمال الشغب في الجنوب إلا باعتراف الحكومة التونسية والإعلام التونسي بالجهة المشرفة مباشرة على الحدود من الجهة الليبية" التي هي ميليشيات فجر ليبيا المصنفة ضمن التنظيمات الإرهابية دوليا والكف عن دعم القيادة الليبية التي يتزعمها اللواء حفتر بمدينة بنغازي.

وأثارت هده الدعوة سخطا في الأوساط الأحزاب السياسية ومنظمات المجتمع المدني ورأت فيها محاولة للزج بتونس التي اتخذت موقفاً محايداً تجاه الأطراف المتناحرة في ليبيا في المستنقع الليبي من خلال الانتصار للمؤتمر الوطني في ليبيا المنتهية ولايته برئاسة النوري بوسهمين الذي يحاول منذ أكثر من نصف عام أن ينتزع اعترافا دوليا واحدا لمؤتمر انقلابي يتكون في أغلبه من الجماعات الجهادية المسلحة بالتنظيم الدولي للإخوان وبأخطر الجماعات الإرهابية وفي مقدمتها تنظيم الدولة الإسلامية.

وشجب المرصد التونسي لمقاومة الإرهاب بما أسماه "التصريح الخطير للنائب عماد الدايمي والقيادي الإخواني رياض الشعيبي" متهماً إياه بـ"التخابر مع جهة أجنبية مصنفة بالإرهابية والمتملثة في قوات فجر ليبيا".

وأشار إلى أن الدايمي عمد إلى التقابل والتفاوض مع أطراف منضوية تحت لواء هذه الجماعات الإرهابية بالتراب التونسي، وطالب النيابة العمومية بفتح تحقيق جزائي من أجل "التعامل مع جهات إرهابية أجنبية" وتوجيه تهمة "الانضمام لتنظيم إرهابي والتحريض على القيام بأعمال إرهابية" تطبيقا لمقتضيات الفصول 4 و11 و13 من القانون عدد 75 لسنة 2003 والمتعلق بدعم المجهود الدولي لمكافحة الإرهاب ومنع غسيل الأموال".

كما دعا المرصد التونسي لمقاومة الإرهاب المنظمة جميع القوى الوطنية إلى السعي لنزع فتيل الأزمة في الجنوب التونسي "نظرا لثبوت تورط عناصر أجنبية في تحريض أهالي ذهيبة في محاولة لبث الفوضى بالجهة من خلال السعي للحد من التواجد الأمني لقواتنا على الحدود التونسية الليبية لتوفير مناخ ملائم لتسلل الإرهابيين وتسهيل دخول الأسلحة والذخائر للتراب التونسي".

وكانت الأجهزة الأمنية أعلنت أنها اعتقلت عددا من الإرهابيين التونسيين والليبيين استغلوا انتفاضة أهالي الجنوب ليتسللوا إلى داخل التراب التونسي ويدفعوا بالانتفاضة باتجاه أعمال عنف وتخريب لإدخال الجهة في حالة من الفوضى تكون مدخلا للجماعات الإرهابية لتنفيذ مخططها الهادف إلى السيطرة على الجنوب التونسي.

واعتبر سياسيون ومراقبون "الدعوة للاعتراف بميليشيات فجر ليبيا" محاولة "للضغط على الدولة التونسية والحكومة الجديدة من أجل تحصيل اعتراف دولي بجماعة أقصاها المجتمع الدولي وصنفها خارجة عن القانون واعتبرها غير مشروعة وسلاحها غير شرعي".

وقال المحلل السياسي محمد بوعود إن تلك الدعوة تؤكد "النوايا التي يبدو أن أطرافاً من الجانبين كانت تبيتها وتعدّها مسبقاً وقد رأت أن الفوضى في بنقردان وذهيبة ورأس جدير كفيلة بتمريرها الآن من أجل الضغط على الحكومة التونسية ودفعها نحو خيار الانحياز مع طرف ليبي ضدّ بقية الأطراف".

وشدد بوعود على أنه لا يمكن فهم إصرار الدايمي على الاعتراف بفجر ليبيا والشعيبي على محاورة النوري بوسهمين إلا في إطار تحالف قوى تحمل نفس التوجهات الإسلامية المتطرفة وتعمل لحساب نفس الأجندات لدول إقليمية تسعى لتمرير مخططات الإرهاب والتدمير".

ويشير بوعود هنا إلى تحالف الجماعات الإسلامية في تونس بما فيها حركة النهضة المرتبطة بالتنظيم الدولي للإخوان المسلمين وبجماعات الإسلام السياسي الجهادية بصفة عامة المدعومة من المحور التركي القطري الذي كان له دور كبير في تدمير ليبيا على أيدي الميليشيات الإسلامية المسلحة.

وتزامنت محاولة ضغط إخوان تونس وحلفائهم على حكومة الحبيب الصيد بالاعتراف بميلشيات فجر ليبيا مع تقارير سياسية وإعلامية نؤكد ان "ضغوطات تمارسها جهات ليبية وغربية على تونس لإجبارها على الاعتراف بشرعية المؤتمر الوطني في ليبيا والمنتهية ولايته".

وذكرت جريدة "الشروق" في عددها الصادر في 11 فبراير الجاري "ان المؤتمر الوطني العام في ليبيا، والذي لازال مسيطرا على معبر رأس الجدير الحدودي الرابط بين البلدين طلب بصفة رسمية من الحكومة التونسية الاعتراف بشرعيته ومن ثمّ التعامل معه كممثل رسمي عن الدولة الليبية في جميع المجالات، ومن الممكن أن يتسع هذا التعامل إلى مجالات أخرى، في صورة اعتراف تونس رسميا بالمؤتمر".

وحسب معطيات متوفرة لـ"الشروق" فإن جهات أجنبية وغربية دخلت بدورها على الخط للضغط على تونس من أجل الاعتراف بالمؤتمر الوطني العام كممثل شرعي للدولة الليبية".

ويعود الضغط على تونس للاعتراف بشرعية "المؤتمر" ومن ثم "ميليشيات فجر ليبيا" إلى رغبة الأطراف الغربية والأجنبية الداعمة له في إيجاد "متّسع جغرافي" له بسبب تضييق الخناق عليه في ليبيا وفي ممرات حدودية وبحرية أخرى من طرف قوات الجيش الوطني الليبي".

وخلال الأشهر الماضية ما انفك سياسيون ونشطاء في المجتمع المدني أيضا يحذرون من أن "الميليشيات الليبية المسلحة وخاصة ميليشيات فجر ليبيا تقيم علاقات غامضة ومعقدة مع أطراف تونسية، تحاول أن تجد لها مواطئ قدم في تونس، وتريد أن تنتزع لهم اعترافا من الحكومة التونسية يمنحهم أسبقية قانونية وسياسية على الحكومة الشرعيّة التي يرأسها أحمد الثني والجيش الوطني الذي يقوده اللواء المتقاعد خليفة حفتر".

وتعود علاقات هذه الميليشيات بجهات تونسية خاصة حركة النهضة وحزب المؤتمر من أجل الجمهورية إلى أجندا إقليمية رسمتها دولة قطر لما كانت متنفذة وساعدت كثيرا بدعم تركيا ومراكز قرار دولية الإسلاميين للوصول إلى الحكم أنداك في تونس ومصر وليبيا.

غير أن تراجع نفوذ قطر التي دعمت مباشرة الإسلاميين في الإطاحة بنظام العقيد معمر القدافي من جهة باتت الجماعات الإسلامية المسلحة بلا مرجعية فتعمقت الأزمة الليبية سياسيا وأمنيا وأصبحت مصدر مخاوف لدى دول الجوار وخاصة تونس والجزائر ومصر، وهو ما يفسر "تكليف" الرئيس الجزائري عبد العزيز بوتفليقة للمسؤول العام عن التنظيم الدولي للإخوان راشد الغنوشي خلال زيارة أداها إلى الجزائر في 8 أيلول 2014 بـ"التوسط" و"التفاوض" مع الجماعات المسلحة الليبية من أجل التوصل إلى أرضية مشتركة تساعدهم على وضع حد للاقتتال من أجل مصالحة تضمن لهم جميعا حكم ليبيا" خاصة وأن بوتفليقة "مقتنع" بإشراك الإخوان في الحكم مثلما هو الحال في الجزائر وكان رفض طلبا للرئيس المصري عبد الفتاح السياسي بـ"تصنيفهم تنظيما إرهابيا".

وكشف الغنوشي آنذاك إن اللقاء الذي جمعه بعبد العزيز بوتفليقة، "تمحور حول قضية أساسية تتعلق بالأزمة الليبية" مؤكدا أن "الجزائر وتونس تعملان سويا في اتجاه تحقيق مصالحة ليبية - ليبية"، موضحا أن لقاءه بالرئيس الجزاري والمسؤولين "شمل سبل إيجاد حل للأزمة التي تشهدها ليبيا، كونها تهم البلدين وتنعكس مباشرة على استقرارهما".

وبخصوص تكليفه من طرف المسؤولين الجزائريين للتقرب من الإطراف الليبية، قال الغنوشي "إن اتصالاته بالليبيين لم تنقطع وإنه على تواصل مستمر مع مختلف الجهات، بحكم العلاقات القديمة التي تربطه بهم، كاشفا عن لقاءات متواصلة تتم في تونس بإشراف منه ومن قيادات في النهضة، لحلحلة الأوضاع و إيجاد منفذ لتقريب وجهات النظر بين الاخوة الفرقاء".

وقالت مصادر سياسية إن الغنوشي يقود منذ "التكليف الجزائري" جهودا تهدف إلى "إقناع الجماعات الليبية المسلحة بأن الطريق الوحيدة التي تضمن حكم الإخوان لليبيا في إطار من الشرعية الإقليمية والدولية إنما تمر عبر الجلوس إلى طاولة المفاوضات والحوار من أجل تقريب وجهات النظر والتوصل إلى قاعدة وفاق ترضي مختلف الأطراف المتصارعة".

وأوضحت المصادر أن الغنوشي "أشرف بنفسه عن سلسلة من اللقاءات والاجتماعات في تونس حضرها المقربون منه من قيادات النهضة وجمعت عددا من قيادات الجماعات الليبية المسلحة وفي مقدمتهم المسؤول السياسي لفجر ليبيا أحمد السويحلي وقائد حزب الوطن عبد الحكيم بالحاج المقاتل السابق في تنظيم القاعدة الدي أكد في أكثر من مناسبة أن يرتبط بعلاقات جيدة وأخوية مع قيادات حركة النهضة".

وعلى الرغم من أن جهود الغنوشي تحاط بسرية تكاد تكون مطلقة فإن عديد التسريبات أفادت أن "تلك الجهود تركزت بالخصوص على كيفية تأمين وصول إخوان ليبيا إلى الحكم بطريقة تضفي عليهم جلباب الحاكمين الشرعيين وتساعدهم على كسب التأييد الإقليمي والدولي اقتناعا منه بأن حكم الإسلاميين لليبيا سيعيد له الأمل في مستقبل الإسلام السياسي بعد النكسة الانتخابية التي منيت بها حركة النهضة في الانتخابات البرلمانية والرئاسية الماضية" إضافة إلى كونه سيعزز دعم مشاركة إخوان الجزائر في الحكم إلى جانب بوتفليقة.

وكان الصحافي الفرنسي المتخصص في التحقيقات والاستقصاء نيكولا بو، صاحب الكتابين الشهيرين: "قطر البطة اللئيمة الصغيرة" و"برنارد هنري ليفي: الأكذوبة الفرنسية". كشف أن الفرنسي برنارد هنري ليفي زار تونس في تشرين الثاني 2014 أي بعد شهرين من لقاء الغنوشي ببوتفليقة بدعوة وتنسيق من ممثل النهضة في الولايات المتحدة، ورئيس منظمة إسلام وديمقراطية الإخوانية، رضوان المصمودي".

وأكد "بو" أن ليفي ذهب إلى تونس لحضور لقاء مع ممثلين عن فجر ليبيا، والميليشيا المتطرفة التي تسيطر على طرابلس، للتفكير في المرحلة القادمة، في البلدين، بعد اندحار النهضة انتخابياً في تونس والإسلاميين في ليبيا عسكرياً، وهو الصهيوني المتعصب والذي يحظى بمكانة خاصة في ليبيا نظراً "لدوره الكبير في تأمين التدخل الفرنسي القطري، في عهد الرئيس السابق نيكولا ساركوزي، تحت غطاء حلف الناتو في ليبيا".

وكانت الحكومة التونسية طردت ليفي واعتبرته شخصاً غير مرغوب فيه، بعد التنديد والرفض الذي قوبلت به زيارته المفاجئة، للمشاركة في الاجتماع، الذي كان مقرراً الأحد 2 تشرين الثاني 2014 وبتمويل ودعم من "شبكة تضم جزءاً من الإدارة الأميركية والإخوان المسلمين في تونس وفي ليبيا".

وتعود علاقة النهضة بفجر ليبيا إلى عام 2011 تاريخ وصولها إلى الحكم حيث جرت عديد العمليات التنسيقية بين الجماعتين الإسلاميتين لعل أعمها ما صفقة تسليم البغدادي المحمودي و صفقة الإفراج عن الدبلوماسيين مقابل إطلاق سراح الإرهابيين الليبيين اللذين قتلا العقيد الطاهر العياري في بلدة الروحية التابعة لمحافظة سليانة في صائفة 2012.

وخلال الأسبوع الماضي نسق الغنوشي لقاء لوفد برلماني ليبي مع حكومة الحبيب الصيد وطالب الوفد الاعتراف بالمؤتمر الوطني الليبي كممثل شرعي ووحيد للشعب الليبي.

وتضم ميليشيات فجر ليبيا عديد الفصائل المسلحة مثل قوات مصراطة التي يقودها سياسيا أحمد السويحلي وعسكريا صلاح بادي والمجلس العسكري لطرابلس الدي يقوده عبد الغني عليوة وتضم أيضا قوات الدروع إلى جانب قوات عبد الحكيم بلحاج رئيس حزب الوطن.

وتسيطر ميليشيات فجر ليبيا على الشريط الساحلي من معبر رأس جدير غربا إلى الوادي الأحمر بعد سرت شرقا.

وتقول تقارير أمنية وإعلامية أن من أبرز الجرائم التي ارتكبتها ميليشيات فجر ليبيا تدمير مطار طرابلس الدولي بالكامل وحرق أسطول الخطوط الجوية الليبية وأسطول شركة الطيران الإفريقي بالكامل كما قامت في ليلة واحدة بحرق تسعة عشر طائرة مدنية إضافة الى تدمير خزانات الوقود بالعاصمة وخزان مياه النهر الصناعي ومجمعات الكهرباء وغاز التدفئة ومراكز الاتصالات وضرب موانئ التصدير في المثلث النفطي (البريقية/بن جوّاد/راس لانوف).

ويقول المحللون السياسيون إن دعوات إخوان تونس وحلفائهم حكومة الصيد للاعتراف بـ"فجر ليبيا" هي دعوات "ابتزاز" وغير بعيدة عن أياديهم الخفية التي تحرّك الاحتجاجات في الجنوب وهي أيادي لها علاقة بتلك الميليشات الأمر الذي يطرح أكثر من سؤال عن طبيعة ونوعية علاقة إخوان تونس بفجر ليبيا وعلاقتهم بالاحتجاجات التي تندلع في كل مرّة.