مملكة الشرفاء

القرار الصادر عن وزارتي الداخلية والعدل والحريات المغربيتين، حول منع طبع وتوزيع واستغلال البطائق المسماة "بطاقة خاصة بالشرفاء"، يأتي كخطوة إيجابية في سياق بناء دولة القانون، ليسد بابا من أبواب استغلال النفوذ في المغرب، ركبه أشخاص كثيرون وقضوا به حوائجهم. القرار لن يقضي على ثقافة مترسخة، ولكنه سيعمل بشكل تدريجي على تقليل أعداد الملتحقين بقائمة النسب الشريف، لأن الذين كانوا يتهافتون على اللقب وصناعة شجرة أنساب والحصول على البطاقة سوف يتوقفون عن أن يفعلوا ذلك منذ اليوم، أو على الأقل سيلغون الغنيمة المتحصلة من البطاقة من حسابهم.

يُعرف المغرب كبلد للشرفاء، فالسلالات الحاكمة التي توالت على الحكم فيه ذات جذور تمتد عريقا تحت شجرة أنساب لها امتدادات في شبه الجزيرة العربية، وأول دولة أقيمت في المغرب كانت دولة أشراف، هم أشراف الأدارسة، الذين وفدوا من المشرق فرارا من الملاحقة الأموية. هذه الصورة التاريخية التي ارتبطت بالمغرب جعلت مؤرخا فرنسيا كليفي بروفينسال يضع كتابه الشهير "مؤرخو الشرفاء" في العشرينات من القرن الماضي، ليؤكد من خلاله أن التأريخ للدولة في المغرب هو في نفس الوقت تأريخ لآل البيت، لأن الدولة ارتبطت بهم في مختلف مراحل تطورها. طبعا، لاحظ بروفينسال أن هذا الارتباط بين الطرفين وكون التأريخ للدولة تأريخا للسلالة أوقعا المؤرخين المغاربة في "التملق"، ولكن هذا حكم رجل تاريخ لديه منهج لا حكم رجل سياسة يراقب حركة الاحتكاك بين الدولة والمجتمع.

قرار الوزارتين يتعلق بتوظيف النسب الشريف في استغلال النفوذ، ولكن هذا التوظيف ليس جديدا، وكان دائما جزءا من الحياة الاجتماعية في المغرب، لأنه من العسير متابعة سلوكيات الناس وتتبع العورات في كل مكان. ويبدو أن القضية طرحت من جديد بحدة في سنوات الستينيات من القرن الماضي، عقب حصول المغرب على استقلاله عن فرنسا، وكانت هناك جرأة ـ في سياق ظروف تلك المرحلة ـ لمناقشتها علنا. والظاهر، ربما، أن محمد بن الحسن الوزاني هو أول من تصدى لهذه القضية في تلك الفترة، في جريدته "الرأي العام"، التي كان يصدرها حزبه "حزب الشورى والاستقلال".

ففي نص تحت عنوان "آل البيت في المغرب وحاجتهم إلى الإصلاح"، نادى الوزاني بضرورة ضبط هذا المجال وإخراجه من التسيب والاستغلال. وقد وصف الوضعية في تلك المرحلة على الشكل التالي: "وإن ما نرى عليه الكثير من آل البيت في المغرب، وذلك من اختلال الشؤون وسوء الحال والجهل بما لهم وعليهم، لأمر نأسف عليه كثيرا، فإن غير واحد من كبراء الأشراف، بالرغم عن علو كعبهم في العلم وبصرهم بالشريعة، يأتون من المخازي والرذائل ما يندى له الجبين، وما يبرأ منه الدين الذي تعاليمه كلها مروءة وفضيلة وتقوى، فهم لا يقتصرون على استغلال نفوذهم الديني لفائدتهم الشخصية، وتسخير الناس باسم الشريعة في سبيل أغراضهم الذاتية وشهواتهم الخاصة، بل يستعلمون على مرآى ومسمع من الملأ ما لهم من سيطرة معنوية على الطوائف والجماعات للإنالة من الإسلام والمسلمين".

الوزاني بالطبع، وهو من كان ذا نزعة ليبرالية مبكرة، لم يكن ينظر إلى مفهوم الشريف باعتباره واحدا من الصفوة أو الطبقة المنفردة عن باقي المجتمع، والتي يحق لها ما لا يحق لغيرها؛ فهو يؤكد في نفس السياق أن الهدف ليس هو "أن نجعل من آل البيت طبقة خاصة من دون المسلمين، فهذا أيضا مخالف لروح الإسلام وشريعته. فنحن لا ننكر أن آل البيت يمثلون ذرية الرسول من بعده وأسرته الكبرى، ولكن هذا لا يخولهم الحق في الاستبداد بالرسول من دون المؤمنين كافة". ويزيد في التأكيد على المسؤولية التي يقتضيها النسب، حين يقول: "والشريف هو أحق الناس على الإطلاق بأن يتخذ الرسول أسوة حسنة في حياته وسيرته، وأحرى أن يكون في الناس رمزا حيا لما كان عليه جده الأعظم من الفضائل والشمائل".

كان هدف الوزاني من وراء طرح تلك القضية في ذلك الوقت التأسيس لدولة حديثة يتساوى فيها المواطنون، على أساس الانتماء إلى الوطن لا إلى النسب، والقضاء على الامتيازات التي يخولها الانتماء إلى السلالة الشريفة لدى البعض، سواء من المنتمين إليها حقا أو من منتحليها، ولذلك رأى أنه لا ينبغي أن يكون "مجرد الشرف يخول حق الامتياز على الناس، فهذا هدم صريح لأساس الإسلام"، وبعد أن ساق مجموعة من الآيات القرآنية خلص إلى القول: "فمن جميع هذه النصوص الجليلة نعلم أن أولياء الرسول هم المسلمون كافة، وبالأخص منهم الأتقياء، سواء كانوا من آل البيت أو مطلق المسلمين".

وبهدف عقلنة هذا المجال اقترح الوزاني "تأسيس مجلس نقابة عامة في المغرب"، يتكون من ممثلي النقابات الخاصة، بحيث يكون دوره "أن يجمع شمل آل البيت ويحافظ على روابط الألفة والأخوة بينهم، ويرعى مصالحهم العامة ويدبر شؤونهم المشتركة"، على أن يكون الملك هو رئيس ذلك المجلس "فهو أحق بتشريع النظام الأوفق لآل البيت جميعا، الذي هو وليهم الأكبر وراعيهم الأعظم".

بيد أن السياق الحالي لوضع القرار مختلف تماما عن الفترة التي تحدث فيها الوزاني، فطيلة العقود الماضية نشطت العديد من الجمعيات والأفراد في المتاجرة في توزيع صفة "النسب الشريف" لمن يطلبها، وانتشرت بطاقات الانتماء إلى "صالة الشرف" انتشارا واسعا، بحيث إن النسب الشريف لم يعد يتطلب سوى قطعة ورقة وصورة وختما في نهايتها، وها هو صاحب البطاقة في عداد الشرفاء. وما تظهره لنا قضية النسب اليوم ـ واستغلال الانتماء إليه ـ هو أننا ما نزال بعيدا عن بناء الدولة الحديثة التي نمني بها أنفسنا، إذ المواطنة لا يمكن أن تبنى على أساس الانتماءات العصبوية أو الفئوية، من أي صنف كانت، والقاعدة التي تنبني عليها المواطنة هي الانتماء إلى وطن مشترك قوامه القانون الذي يسري على الجماعة، لا الانتماء إلى السلالة التي لها قانونها الخاص وأعرافها التقليدية.