التسريبات لعنة لن يفلت منها أحد

كثيرة هي الأسئلة التي تتصارع في عقل المواطن المصري ويضيق بها صدره، وفي الغالب لا يجد لها إجابة صادقة فيظل حاملها إلى أن ينوء عن حملها ظهره.

أحد هذه الأسئلة العصية على الإجابة: هل نحن نعيش في دولة؟ ولكن ما الذي أدى إلى إثارة هذا السؤال؟

بلا مواربة، أدى إليه فضيحة التسريبات، وهي بلا شك ظاهرة غريبة على المجتمع، ليست غريبة تماماً فهي موجودة منذ عقود حيث دأبت جهات رسمية بعينها على تسجيل محادثات وتحركات بعض المواطنين، ولكن تلك التسجيلات كانت تظل دوماً طي الكتمان لا يجرؤ أحد على تسريبها، وتُستعمل فقط فيما يُراد منها وفي الإطار الذي تبدو فيه قانونية وتحت إشراف النيابة العامة، تلك الإجراءات حتى وإن كانت شكلية كانت توحي على الأقل أننا نعيش في دولة.

فما الذي حدث بعد ثورتين، وجعل المواطن يتسرب لعقله الشك في أنه لا يعيش في دولة العيش والحرية والعدالة الاجتماعية والكرامة الإنسانية؟

الذي حدث أن أهم مقومات الدولة وهو القانون تقزمت قامته، وانحنت هامته، وهانت هيبته، وأخشى أنه في طريقه إلى الانكسار إن لم يكن انكسر فعلاً، كما أن المسافة الفاصلة ما بين الصواب والخطأ ضاقت بصورة غير طبيعية للدرجة التي اقتربت فيها من الذوبان والتلاشي، وذلك من فرط جسارة الأخطاء وجرأتها وطغيانها، وهذا لم يكن ليحدث لولا مباركة الدولة للتصرفات التي تكيل لكماتها للقانون، وسكونها أمام امتهانه، فتجاهل الدولة لمخالفة القانون بهذه الصورة الفاضحة هو الذي فتح الباب على مصراعيه أمام المزيد من المخالفات والتجاوزات التي أصابت مقدرة القانون في مقتل.

إن الدولة هي أول من سن السُنة غير الحسنة التي أباحت بمقتضاها هتك ستر المواطنين والتلصص على هواتفهم بصمتها صمت القبور عندما تم فضح وتشويه بعض الشخصيات المحسوبة على ثورة 25 يناير 2011، من خلال البث التلفزيوني العلني والمكثف لمكالماتهم الهاتفية وتلك هي الواقعة التي تم اختراع كلمة التسريبات حينها، وقد انتشرت فيما بعد وتنامت بلا رابط أو ضابط، ودون حسيب أو رقيب إلى أن طالت البعيد والقريب.

وطالما أن الدولة ارتضت هذا السلوك الشائن وغير المسؤول ولم تحاسب مرتكبوه منذ البداية، فإنها بذلك تكون قد تخلت فعلياً عن ممارسة دورها في الحفاظ على القانون وحماية جميع المواطنين بلا استثناء، وهي بذلك أتاحت الفرصة وأعطت الحجة لمن يريد مواجهتها باستخدام نفس الأسلوب، فلا يحق لها بعد ذلك أن تشكو إن أصابتها لعنة التسريبات، فالناس على دين ملوكهم.