فلسفة الفساد!

ليعذرني الأخوة القراء لتطاولي على الفلسفة، والله ما هي مزحه، ولا إستهانة بالفلسفة التي هي أم العلوم، ولكن الفساد لم يعد مُختصاً بجماعة أو فئة، أو حزب، أو طائفة، أي أنه أصبح عاما وشاملا، وانتقل من خانة الخاص إلى العام، ومن الجزئي إلى الشامل. فقد وجدت له تشابهاُ مع بعض ما في الفلسفة من وجوه، فاستفدت من هذا التشابه لأمنحه تجاوزاً حق أن تكون له فلسفة، كما هي فلسفة الحكم، وفلسفة الحزب القائد، وفلسفة إدارة مجاري العاصمة، وفلسفة إدارة إجتماعات مجلس الوزراء، والبرلمان، ومجلس الرئاسة، وخاصة مجلس الرئاسة، وكل ما يندرج تحت توصيف "فلسفة إستغفال عباد اللهّ"!

والفساد العراقي أريد له أن لا يكون ظاهرة عابرة أو مؤقتة، وإنما أريد له أن يتأصل وصولاً لتحقيق غايات "إستراتيجية"، نعم غايات إستراتيجية، ولحين تحقيق هذه الغايات فليس بمقدور أحد معالجته، ولا معالجة مسبباته، وهذا لا يمنع من أن يحكم على شرطي مرتش في محافظة ما بعشر سنوات سجن، ولا معاقبة فراش في مدرسة، أو ساعي بريد، وحتى جايجي المدير العام لأنه أخل بمواصفات الشاي الذي عليه أن يقدمة لسيادته.. نعم.. القانون شغال، والقوى الأمنية فاتحة عيونها على سعتها، والحكومة قائمة بدورها في محاربة ومكافحة الفساد والمفسدين. ولمن لا يصدق عليه بمراجعة مئات اللجان التحقيقية التي شُكلت، وما تزال تشكل لمحاسبة وتجريم ومعاقبة الفاسدين والمفسدين من كبار المسؤولين الذين خانوا الأمانة، أليس هذا من الدلائل الشاخصة على أن العمل على مكافحة الفساد والمفسدين جار على قدم وساق؟!

عشرات، ربما مئات اللجان التحقيقية، صحيح أنها لم تقدم نتائجها لحد الآن، ولكن لماذا العجلة، فأعمار الشعوب لا تقاس بالسنوات، ولا حتى بعشراتها، ومن أجل أن تكون نتائج التحقيق، وبالتالي الحكم، عادلة، فلا بأس أن تأتي بعد هروب الفاسد والمرتشي، أو موته، وربما بعد موت أعضاء اللجان التحقيقية، فالعدل أساس الملك، ومن مستلزمات العدل التأني وعدم التسرع، ففي التأني السلامة، وفي العجلة الندامة! ويا ويل الظالمين من يوم الحساب العسير، وما ربك بظلام للعبيد، فكيف الأمر بالنسبة للعبد الفقير سواء أكان قاضيا أم وزيرا أم مسؤولا من وزن ثقيل، شاء قدره أن يكون عضواً في عشرات اللجان التحقيقية التي كلفت بالتحقيق في قضايا هي في حقيقتها "كالوشيعة الضايع راسها"؟!

أشك في رجاحة عقلي لو تصورت أن الحاكمين الآن، أو من سيأتي بعدهم على نفس المنوال، سيتمكنون من معالجة قضية الفساد.

معالجة الفساد تستوجب الخروج على المعهود والذي بات مألوفاً، والخروج على هذا المعهود لا قدرة لأحد عليه، خصوصاً إذا كان هو نتاج طبيعي لهذا السياق، ووجوده على قمة الهرم، أو في أي مفصل من مفاصل السلطة، جاء بتوافق ورضا الشركاء الذين رميت الكعكة عليهم ليتقاسموها، لا ليركلوها، كذاك المُتبطر الذي يركل نعمة الله!

للفساد مهام، والمهام أكثر من واضحة لمن يريد أن يرى ويبصر دونما غشاوة.

من جملة المهام أن نتأكد مع مرور السنين أننا غير قادرين على رصف رصيف، فأنىّ لنا والحال هذه بإدارة منشآت حيوية كالموانيء والسكك، والنفط إستخراجاً وتكريراً، وتسويقاً، والغاز، والفوسفات، والكبريت، والطيران، ألخ..

ليس فقط القطاع العام غير قادر على إدارة هذه المنشآت وغيرها، وإنما أيضاً الرأسمال المحلي، وما تسمونه الرأسمال الوطني، الذي عليه أن يتحول من أجل الإستمرار في الحياة إلى رأسمال تجاري مستورد (قومسيون). عليه أن يشيع ثقافة صندوق النقد الدولي، وبنك الإعمار الدولي، بإطلاق حرية إستيراد البضاعة دونما إعاقة، وإزالة ما سُمي بسياسات الدعم للمنتوج الوطني، وفسح المجال أمام التنافس الحر بين ما تنتجه أميركا وما ينتجه الصناعي الصغير والحرفي العراقي. أما الخبرات العراقية فتجبر على مغادرة العراق، بشتى السبل، ليس أقلها التهديد والخطف وصولاً إلى القتل لمن يرفض الهجرة. وإذ تثبت السنوات المنصرمة عجز العراقيين حتى عن إنجاز معلم معماري واحد، ومصنع واحد، وإذ يثبت باليقين والقطع عدم جدارة العراقيين وجهلهم التكنولوجي الفاضح، وعدم نزاهتهم حيث أنهم لا يتوانون عن سرقة بيتهم الذي هو وطنهم، يصبح عندئذ من الضروري، لا بل من الواجب الذي تستوجبه مصلحة الاقتصاد الوطني، التي تعني مصلحة المواطن في نهاية المطاف، ونضع ثلاث نقاط تحت مصلحة المواطن، تسليم هذه المنشآت إلى الشركات والمؤسسات العالمية الرصينة، ذات الخبرة المعترف بها عالمياً، وهي كما لا يخفاكم مؤسسات أميركية وغربية، كورية جنوبية ويابانية، كندية وإسترالية، وربما يابانية أو ماليزية إسماً، أو كارتيلات ما فوق الوطنية جنسيتها رأس المال، وهنا يكون الفساد قد حقق أهم أهدافة الإستراتيجية المتوخاة منه. فالناس قد كفرت بالرميلة، ومجنون، والأحدب، وغرب القرنة، والفكة، وبابا كركر، بعد حر الصيف وزمهرير الشتاء، وما عاد يعنيها نفط الشمال أو الجنوب، بقدر عنايتها بالكهرباء المفقودة التي تجلب لها الدفء في الشتاء والبرودة في الصيف، وما عاد بمقدور أحد أن يدفع العراقيين للتغني بعمتنا النخلة طالما أصبحوا يحصلون على التمر المسلفن، وفي كل المواسم، وبإسعار أقل من أسعار تمرنا الذي عليك فرز مسوسه عن سليمه. وعلى مثل هذا قس عزيزي القاريْ. ترى من منا يتذكر أحذية دجلة، أو الكاهجي، ومَن مِن ربات البيوت يعرفن الآن دهن "زبيدة"، وهل تعرف موائدنا ألبان السماوي، والحليب المعقم؟!

الفساد يجعلنا نكفر بما تحت أرضنا، وما فوقها من خيرات تحولت إلى نقمة علينا بدلاً من أن تكون نعمة.

وإذ نكفر بالأرض وما تحتها وما عليها، فإننا نكون قد خطونا خطوات كبرى للهدف التالي، ألا وهو تقسيم هذه الأرض التي لم تعد تجمعنا.

أراد المحتل نفطنا، وخيراتنا، لكنه لم يطلبه أويطلبها منا، بل جعلنا نتوسل إليه بأن يأخذها ليستثمرها عوضاً عنا، فقد ثبت على رؤس الأشهاد عجزنا ولا جدارتنا، وتخلفنا المريع، والأهم عدم نزاهتنا.

جاءنا المحتل ومن جملة أهدافه تقسيم بلدنا، لكنه لم يفرض التقسيم علينا، بل جعله مطلباً من مطالبنا، التي دأب البعض منا ومن دونما كلل بالدعوة له آناء الليل وأطراف النهار.

هدفان شنت الحرب علينا من أجلهما، سيتحققان بطلب منا، أبعد هذا هل ثمة من يستغرب أن يكون للفساد فلسفة وإستراتيجيا!