ثقافة الدمام تدشن بيت الشعر بأمسية شعرية

الإلهام وحده لا يكفي

الدمام (السعودية) ـ لا يجوز لنا أن نقفز على الشعر أو نباغته. إنه حارثنا الليلي والنهاري في فضاءات الممكن والمستحيل. لربما ننساه، لكننا نعيشه، لربما لا نفطن له، لكنه قدرنا .. لربما نمر قربه .. غير أن اليقظة الدائمة .. والرجاء القريب .

وحدك أيها الشاعر .. تحيك السماء بهباتك ...

بهذه الكلمات بدأ بها مشرف بيت الشعر بجمعية الثقافة والفنون في الدمام الشاعر زكي الصدير ليعلن بداية هذا البرنامج الخميس، في قاعة عبدالله الشيخ للفنون، والذي يحرص على تقديم فعاليات نوعية في مشهد بصري إبداعي يتلاقى فيه الشعر مع بقية الفنون في بيت واحد.

استهلت الأمسية الشعرية للشاعر عبدالله المحسن، والشاعرة رقية الفريد، بقراءة نصوصهما الشعرية، بعدة جولات شعرية، صاحبها نغمات عزفها مشرف لجنة الموسيقى الفنان سلمان جهام.

وأوضح الشاعر زكي الصدير أن الشاعر عبدالله المحسن فاز بالمركز الأول في جائزة مركز الشعر والشباب بمدينة تريجو بميلان الإيطالية التي شارك فيها مجموعة من شعراء العالم عن نصه "الموتى الجميلون" مما دفعه لإصدار مجموعته الأولى "يترجل عن ظهره كخطأ كوني" للنشر مؤخراً عبر "دار مسعى" التي أدرجتها ضمن مشروع "علي الصافي للإبداع الشعري"، مضيفا أن الفوز كان وراءه شاعرية مخبأة في جيوب سنواته السبع عشرة القصيرة، وفي مقاسمته الحياة بين دراسة الثانوية وكرة السلة والقراءة والشعر.

عن تجربته يقول الناقد عبدالله السفر: "بمنأى عن فوز المحسن، واعتباره أيضا الأصغر سناً في إحراز هذه الجائزة . بمنأى عن هذا التنويه العالمي، إلا إن ما يفرحُني شخصيّاً هو تلك الشعريّة البازغة على نحوٍ من القوّةِ والمتانة، والآخذة في الاشتداد يوماً بعد يوم وعبر نصوصٍ تتقاطر كثيفةً؛ بما يقولُ تجربةً لا تحتكمُ إلى السنّ ولا إلى الجيل بقدر احتكامها إلى الشعر وحدَه".

وعن الشاعرة رقية الفريد قال الصدير: مجموعة "عدم أو كخلود الماء" واحدة من التجارب النثرية الشبابية التي تضرب ناقوساً بهدوء في جسد اللغة، حيث تذهب بالقارئ لمناطق جديدة من الكتابة الخاصة بأسئلة الأنثى المتماهية أحياناً مع وجودها، والغاضبة في أحايين أخرى منه، وأنها مثلها مثل بقية جيلها مشغولة بأسئلتها الخاصة حول ما تؤرقها كشاعرة تنتمي لجهة كونية محافظة ومنغلقة ومأزومة بالدين وبالتاريخ، لهذا لا تتردد في القول بأن السؤال عن جدوى الكتابة نفسها كان يشغلها حين تحاول أن تدافع عن كيانها الوجودي وسط مجتمع ذكوري محافظ.

قرأ الشاعر عبدالله المحسن نصوص منها "خطأ فادح، يترجل، الموتى الجميلون، أمل أخير، سيرة كاملة، ونص "الإلهام:

لا يمكن أن يكون الإلهام كل شيء

الإلهام وحده لا يكفي

لا يمكن أن يكون هذا العالم مجرد إلهام

طرأ في مخيلة الله

مؤكد أنه اعتدل في جلسته

فرك عينيه جيداً وأنتبه بعد هذه الفكرة

وجلس يحصي عدد خصلات شعركِ

جلس يرسم ملامحكِ

لا بد أنه رسمها في الصباح

ثم أن هذه الفكرة سبّبت له الأرق

كان ربما يفكر في نسيانها

لذلك كلما أغمض عينيه حطَّ العدم

عليه أن يفعل هذا الإلهام منتبهاً

كما تكتب قصيدة

هناك الكثير من التفاصيل ليضعها

وبعد أن ينتهي من خلقكِ

يجلس كنحات يدقّق في كل الأشياء من حوله

فيأخذ فكرة الشمس من جبينكِ

وحين يراكِ وحيدة تبكين

يفكر في خلق المطر.

نص "الموتى الجميلون" وهو النص الفائز بالمركز الاول في مسابقة مركز الشعر والشباب بمدينة تريجو بميلان الإيطالية 2014:

الموتى الجميلون

كم أحسدهم

أولئك الذين لا يموتون من جديد

الموتى الذين لا يكبرون

لا يحتاجون في كل عام إلى شراء ملابس جديدة

أحذيتهم كما هي تناسب

أقدامهم وأحلامهم التي لم تتغير

الآن

أمي تكبر كل إخوتها الموتى

تصنع لأختها الصغيرة ضفائرها تعد الحلوى لإخوتها الصغار

تقدم لهم في كل صباح حقائبهم المدرسية

وتوصلهم حتى المقبرة

كل ذلك لأن والدتها لا تزال نائمة

حتى الآن .

وقرأت الشاعرة رقية الفريد نصوصا شعرية منها "مايسترو، صناعة البؤس، كاميرا نفد شاحنها، عدم أو كخلود ماء، صلاة الغياب، صدفة قريبة، قدرٌ قريب".

ـ نص "مايسترو":

كنا نشعر بالخوف

فأنزل الله من الجنة ملَكاً

من أفضلهم..

أزاحه عنه خالداً للعدم

ليس كخطيئة آدم

بل ليمسح عنا ارتكاب الخطايا..

ملَكٌ نستدل عليه من التلويح

يقودنا كلما حرك إصبعه كمايسترو

ونحن الجوقة من خلفه..

ملَكٌ كلما يشاء شئنا.

ـ ونص "صدفة قريبة، قدرٌ قريب":

تكون صُدفة،

ولكن غالباً ما يضّن بها القدر

صدفة أن نسير في ذات الاتجاه،

قدر ألّا نصطدم كتفاً بكتف

صدفةٌ نحن،

قدر أحدنا!

صدفة أن نركلَ الشوارع

لحضور أمسية،

قدر ألّا يكون دخولي بعد الافتتاح

بساعتينِ ونصف فقط

صدفة أن نلتقط صورةً للكرسي في الحديقة العامة

قدر ألّا تجلس عليه مُلوّحاً لي

صدفة أن نتحدثَ في المكان ذاته،

قدر ألّا يُسمح لأحدنا بالحديث

فيسمعه الآخر باهتمام

صدفة أن نقرأ كتاباً ما،

قدر ألّا تكون النُسخةُ ذاتها

صدفة أن نُخطط لزيارةِ البلد الذي نحب،

قدر ألّا يتوفر لنا مقعدين متجاورين

صدفة أن نشتهي طبقَ المحار،

قدر ألّا تواتينا فرصة لحجز الطاولة نفسها

في الوقت نفسه

باسم أحدنا

صدفة أن نبتسمَ لذات النكتة،

قدر ألّا تشاركني سماعها.

صدفة أن تكون الكمنجة آلتنا المُحببة،

قدر ألّا نرقص سوياً

فنُظهر تحببنا علناً

صدفة قريبة..

قدر بعيد.

وفي نهاية الأمسية كرم الاعلامي المعروف أحمد الزين والشاعر غسان الخنيزي الشعراء المشاركين في الأمسية، تلا ذلك توقيع الشاعر عبدالله المحسن ديوانه "يترجل عن ظهره كخطأ كوني" والشاعرة رقية الفريد اصدارها "عدم أو كخلود الماء".

يذكر أن بيت الشعر يسعى إلى تنظيم الأمسيات الشعرية وحفلات توقيع الإصدارات ومهرجان الشعر السنوي، ورعاية الشعراء الشباب عبر تقديمهم الى المشهد الشعري بعناية واهتمام، وتكريم الشعراء والشخصيات الثقافية بشكل دوري، واختيار وترشيح الشعراء للمهرجانات المحلية والعربية والعالمية، بالإضافة الى ترشيح الشعراء للجوائز الأدبية.