داعش وانقسام الجبهة الدينية: 'الدولة الإسلامية' تبحث عن جمهور

خلف حادث إحراق الطيار الأردني على يد تنظيم داعش، بتلك الطريقة الوحشية التي جابت صورها أنحاء العالم، غضبا واسعا، وأثار ردود فعل من لدن علماء دين مسلمين، شجبوا عملية الحرق البشعة، وتباروا إلى تبيان أوجه المغالطة في اعتماد تلك الوسيلة كوسيلة شرعية في إقامة الحدود، وما شاب الفتوى المنتشرة للتنظيم من اعوجاج، تمثل على الخصوص في اجتزاء نص لابن تيمية والارتكاز عليه في إحراق الطيار الأردني حيا.

منذ انطلاق عمليات التحالف الدولي ضد تنظيم داعش في العراق وسوريا ما تزال النتائج على الأرض دون المطلوب. فالجبهة العسكرية حتى اليوم تسير لصالح التنظيم، الذي يبدو أنه استوعب جيدا مقدار الخلافات التي تعتمل في جسم هذا التحالف الهجين غير المتوافق على هدف محدد أو مجموعة أهداف واضحة لكل طرف. فبخلاف التحالف الدولي الذي نسج خلال الحرب ضد إمارة طالبان في أفغانستان ونظام صدام حسين في العراق، لا يبدو أن هذا التحالف الجديد يعرف هدفه جيدا، هل هو القضاء على تنظيم"داعش" فحسب، أم القضاء على نظام بشار الأسد في سوريا؟ ويظهر أن التنظيم المسلح بطريقة فعالة بات على دراية بالثغرات التي تفتك بهذا التحالف، ويسعى في كل مرة إلى استثمارها وتسجيل أهدافه بطريقة محسوبة في شباك خصومه.

لكن على الجانب الآخر، غير العسكري، تواجه الحملة الدينية ضد التنظيم المتطرف مشكلات أخرى لا تقل عن تلك التي يواجهها أعضاء التحالف الدولي. فحتى في الجبهة الدينية ليس هناك توافق تام، ولا حتى غير تام، حول المطلوب فعله في هذه المرحلة تجاه تنظيم يستند على الإسلام كمرجعية في تبرير وحشيته التي فاقت كل حد. ما إن يقوم التنظيم بعملية جديدة من عملياته البشعة حتى يتكلف الفيديو المصور بالباقي، أما التعليق والموقف فهما يأتيان من رؤوس الناس ومن حواراتهم اليومية في الشوارع وليس من آراء علماء الدين أو المؤسسات والهيئات الدينية في العالم العربي والإسلام.

لقد خطط تنظيم داعش بإحكام لمعاركه القادمة من خلال استغلال وسائط الاتصال الجديدة، وعرف كيف يستثمر هذه الوسائط في تهييج الدول العربية والإسلامية والبلدان الغربية على السواء، وكيف يصنع "الفرجة" للناس عبر أشرطة فيديو مصنوعة بدقة، لكي يجعل الصورة في خدمة مشروعه الدموي، بدل أن تكون شهادة ضده. وبينما يحقق جولات عسكرية على الأرض داخل العراق وسوريا، مراوحا بين التقدم والتراجع التكتيكيين، يحقق بالموازاة مع ذلك انتصارات على الجبهة الإلكترونية في مواجهة العالم، وهو الأمر الذي لم ينجح فيه حتى تنظيم القاعدة، رغم خرجاته الإعلامية المتكررة في السنوات التي أعقبت تفجيرات الحادي عشر من سبتمبر.

هذا يعني أن التنظيم يريد أن يصنع "جمهورا" وأن يفرض عليه المتابعة، ولذلك فهو يبدو غير معني بآراء ومواقف تصدر من هنا وهناك للتشكيك في "منطلقاته" الإسلامية، التي يعتبرها كذلك، مراهنا على استنزاف خصومه من خلال فتح "نقاش" وسط ذلك الجمهور. فقبل فترة وجيزة بعث عدد كبير من العلماء والمشايخ رسالة إلى زعيم هذا التنظيم، أبي بكر البغدادي، وصدرت بعد ذلك مواقف ودعوات مختلفة من جهات أخرى ذات مشروعية دينية، ولكن التنظيم يغلق آذانه، ولا يأبه لكل تلك المبادرات.

مؤسسة الأزهر في مصر لا تتوقف عن إصدار الموقف تلو الآخر، ولكنها مؤسسة متعبة بفعل عقود طويلة من محاولات تفريغها من دورها الديني كمرجعية للسنة في العالم الإسلامي، ذات كلمة مسموعة. بيد أن من تلك المواقف ما يثير التحفظ، إذ كيف يمكن تفهم المطالبة بقطع أيدي وأرجل مقاتلي داعش بينما هناك تحالف دولي يتشكل من أكثر من أربعين دولة فشل في مهمته؟ هل لدى الأزهر جيش مسلح أو محاكم شرعية تصلح لمثل هذه القضايا؟ وإذا كان الأزهر يتصور أن المعركة دينية مع التنظيم المذكور، وأن القتل يجب أن يكون تحت راية دينية، لماذا لا تتحرك منظمة مثل منظمة المؤتمر الإسلامي وتزج بجيوش بلدانها في المعارك للقضاء على تنظيم داعش، ليهزم الاعتدال التطرف، ويربح الأول شرف الانتصار الديني والسياسي على الثاني؟

يحبل الموقف الديني الرسمي من تنظيم داعش، بما في ذلك موقف الهيئات غير الرسمية، بالعديد من التناقضات، فهو يطعن في انتساب التنظيم إلى الإسلام ويصفه بالتنظيم الإرهابي، ولكنه في نفس الوقت يُستدرج إلى مناقشة آرائه الدينية أو فتاويه التي يسوغ بها جرائمه، وكأن من المفترض أن تكون هناك ضوابط شرعية معينة تضبط بعض تلك الممارسات الوحشية التي يقترفها؛ إنه ينكر أن ينتسب التنظيم إلى الإسلام، ولكنه في نفس الوقت يسعى إلى مراقبة سلوكه للتأكد من أنه غير مطابق للدين.

بيد أن هذا الموقف يبقى في جميع الأحوال أقوى من مواقف الجماعات الإسلامية، التي تلتزم الصمت تجاه تنظيم داعش، وهذا ما يكشف لنا كيف أن "الجبهة" الدينية في العالم العربي والإسلامي ليست متناسقة بالشكل الكافي لكي تتخذ موقفا جماعيا مشتركا مما هو إرهاب باسم الإسلام، ووسط هذا الانقسام والتشظي يتحرك تنظيم داعش رافعا شعارا يقول إنه لا أحد يمتلك مشروعية دينية للحكم على الآخرين باسم الدين، وإن المشروعية الوحيدة هي مشروعية الاستراتيجية العسكرية، وإن من يمتلك هذه الاستراتيجية يمتلك حق النطق باسم الدين.