القيادة التعليمية الحديثة: فهم السلوك الانساني أولا!

الانسان كائن يمكن تطويعه

يفترض ابراهام ماسلو أن السلوك الانساني مصدره "نظرية الديناميكية الشاملة" حيث يبدأ من ارضاء احتياجاته المتمثلة في "الدوافع السايكولوجية, والفسيولجية". يتم تلبية تلك الاحتياجات لدى الفرد بموجب أهميتها الآنية بالنسبة له, بمعنى "ان الشخص الذي يفتقر الى الطعام, فأنه سيسعى بتفانٍ في تلبية حاجاته للطعام قبل أي شيء اخر, فإذا أصبح الطعام مؤمنا ومتوفرا, فإنه يبدأ في التوق إلى تحقيق الاحتياجات الاخرى. فعندما يتم تمكين الفرد من إرضاء حاجاته الأساسية كالطعام والمأوى, فإن مجموعة من الاحتياجات الجديدة - الاحترام, الحب العاطفي, الشعور بالزهو - سوف تطفو على مشاعره، وهكذا تتبدل الاحتياجات كل حسب أهميتها وأولويتها لدى الفرد.

ولذلك يرى ابراهام ماسلو بأنه اذا ما مكن الفرد من تحقيق احتياجاته السايكلوجية مثلا, من خلال ما يقدمه له محيطه العملي, كالدعم المعنوي ("تقدير الذات" التي تأتي في هرم ماسلو في الترتيب الرابع، وهي الخطوة التي تسبق "تحقيق الذات" أي بلوغ الفرد أقصى درجات النجاح والرضى النفسي) والتحفيز المادي اللذين في الغالب يشكلان دعامتين هامتين في تأصيل الشعور بتقدير الذات, فاذا ما أخذ كفايته من هذين الاحتياجين، فإنه سيتفوق في أداء عمله، ذلك أن مشاعره المفعمة بالحب والدعم كفيلة بتحفيزه إلى مزيد من العمل والبذل بلا حدود.

أما اذا فشل الفرد في تحقيق الرضا الذاتي, نتيجة لسوء المعاملة التي يواجهها في محيطه العملي, مثلا, فإن مشاعر الإحباط قد تسيطر على كل مشاعره لتخلق منه في النهاية ليس فردا عاجزا فحسب ولكن إنسانا فاقدا لجماليات الحياة.

وفي هذا يؤكد أحد الباحثين السلوكيين أن التشكيك في قدرات الافراد من خلال إهمالهم او منحهم مهام لا تليق بقدراتهم هو في الواقع سلوك سيئ يشابه الى حد كبير وصمهم بالعاجزين او الفاشلين, ولذلك يرى ان معاملة كتلك سوف تخلق في أعماقهم مشاعر تتبنى هذا الاعتقاد ما يجعلهم لا يتصرفون ضمن هذا المفهوم فحسب بل انهم سيشعرون فعلا انهم عاجزون ومحبطون.

• القيادة الادارية التعليمية النموذجية

عطفا على ما تقدم, فإنه من الاهمية بمكان أن نستشعر أهمية البعد النفسي والاحتياج الفسيولوجي ونحن نتعامل مع الانسان, وتصبح الاهمية قصوى اذا ما كان هذا الانسان يعمل تحت ادارتنا وفي ذات الوقت مطالبا بالانتاجية والابتكار والالتزام في عمله. هنا نود القاء الضوء على بعض العناصر التي يجب توفرها في الاداري المثالي وفق الابحاث الادارية الحديثة.

1ـ توطيد العلاقات مع الموظفين واعتبارهم شركاء في العمل الاداري.

على الاداري ادراك اهمية بناء علاقات ودية مع موظفيه, واعتبارهم شركاء في الادارة وفي صنع القرار وتنفيذه. وادراك اهمية معاملتهم بشكل يليق بمشاعرهم الانسانية. واهمية استشعار ان الانسان كائن يفكر وانه يتحرك من خلال مشاعر واحاسيس غاية في التعقيد. وتجنب الاعتقاد بأن اقامة علاقات ودية معهم, هو نوع من التواضع المذموم, الذي سيطيح أرضا بهيبتة او يحط من قدره.

2 ـ خلق منظومة عمل تعليمية داخل اداراتهم ومؤسساتهم التعليمية, تكون كما يفترض بيتر سينج مكانا مناسبا للمنتسبين للمؤسسة أو الادارة يتم تحفيزهم للتعلم الجماعي النوعي من اجل تطوير قدراتهم الفكرية والمهنية.

3 ـ رسم خطط او وضع تصورات مستقبلية, وذلك من خلال افساح المجال لظهور نماذج فكرية جديدة يتم غرسها وتنميتها بين اعضاء المؤسسة, تهدف الى الارتقاء بالعمل ومسايرة المستجدات والتطورات المطلوب تحقيقها.

4 ـ صناعة "تطلعات جماعية", تعمل من اجل تحقيق الاهداف المنشودة تحقيقها بخطى حثيثة وطموحة.

هذه بعض الخصائص التي يجب توفرها في القيادات التعليمية, وبدونها فإن متاعب ستلحق ليس بالافراد فحسب بل ان المؤسسة برمتها ستعاني متاعب جسيمة.

يصور تلك العلاقة, لي بولمان وتيرنس ديل, في مقالهما بعنوان "الناس والمؤسسة" بقولهما إن "أهمية التفاعل الايجابي بين المؤسسة والافراد التابعين لها, يبدأ من المسلمة التي موادها ان مهارات الموظفين, وتصوراتهم, وافكارهم وايضا طاقاتهم والتعهد بالقيام بها وتطويرها وكذلك منحهم الثقة, تكون حقيقة من الواجبات الاساسية التي يجب ان تضطلع بها المؤسسة, فإذا ما أخفقت المؤسسة في ادراك ذلك, وتصرفت بشكل سلبي يقوم على سلب الافراد معنوياتهم وربما تتمادي في بخس حقوقهم المادية, فإن ذلك سيؤدي حتما الى اهدار للمواهب وتحطيم لحياة وتفاعل القوى البشرية داخل المؤسسسة, ينعكس ذلك سلبا أيضا وبنفس القوة على اداء المؤسسة، ويتجلى ذلك من خلال تكريس الافراد معظم وقتهم في تحدٍّ او ربما صدام "خفي" مع النظام داخل المؤسسة وفي ايضا إهدار طاقاتهم الفكرية من خلال تصويبها في تشويه ونقد سمعة المؤسسة.. ذاتها.

ومن هنا فإن القيادة التعليمية الحديثة قد تخلت بشكل جذري عن منهجية القيادة المركزية واعتبرتها معوقا حقيقيا للانتاج والابداع والابتكار, ولجأت الى تبني المنهجية القائمة على المفاهيم الانسانية التي اعتبرت الانسان كائنا يمكن تطويعه لاداء عمله بكامل طاقته اذا ما احسن معاملته وتم تحفيزه معنويا من خلال منحه العمل اللائق بقدراته وأيضا, اعتباره شريكا حقيقيا في ادارة المؤسسة من خلال إشراكه في صناعة القرارات المتعلقه بعمله. ولا يجب ان نغفل أهمية التحفيز المادي وأثره الايجابي على الانتاجية والاخلاص والتفاني في العمل.

د. سالم موسى ـ جامعة الملك خالد