الطرف الديمقراطي في الصراع السوري

عندما قامت الثورة السورية كان التناقض الرئيسي بين طرفين فقط، النظام الاستبدادي الدموي الذي اذاق السوريين القهر والتمييز لعقود عديدة من جهة، وقطاعات شعبية واسعة ملأت الشوارع والساحات مطالبة بالحرية وترحيل النظام واستبداله بنظام ديمقراطي. الا ان التطورات التي تلت اخرجت الثورة عن اهدافها بدخول اطراف اخرى لها اهدافها المغايرة للاهداف الشعبية رغم توجهها لاسقاط النظام، بحيث تعقد الصراع واصبح متشابكا بين اربعة اطراف رئيسية -حسب تقديرنا- لكل منها وسائلها الراهنة واهدافها المستقبلية.

فالى جانب النظام كطرف اول لم يتوقف عن قتال الجميع للحفاظ على سلطته فوق جماجم السوريين واكوام الخراب التي تسببت بها وحشيته، هناك طرف ثاني لا يتبع احد هو الدولة الاسلامية التي تسللت الى الثورة ثم تمكنت فاعلنت خروجها عن اهدافها الديمقراطية لتخوض صراعا ضد الجيش الحر وتستولي على مناطق محررة ثم تشن حربا ضد الجميع لتقيم خلافة تحكم بالشرع حسب زعمها.

جبهة النصرة "طرف ثاني مكرر" لا يختلف عن داعش الا في عدم مبايعة الخليفة البغدادي والتبعية لزعيم القاعدة الظواهري. الجبهة لم تخف اهدافها المتعارضة مع الثورة، وتسعى للقضاء على اية قوة عسكرية مرتبطة باهداف الثورة، كما حدث في محافظة ادلب من تصفيتها لجبهة ثوار سوريا بحجة مفتعلة انها جبهة فاسدة، كما اصطدمت مع لواء شهداء اليرموك في درعا بحجة مبايعته لداعش سرا! ففي الوسائل تعمل لقضم القوى الاخرى بالتدريج كبديل عن اسلوب المواجهة الصريحة لداعش مع من تسميهم كفرة وخوارج. الطرف الثاني بجناحيه داعش والنصرة اصبح عمليا برأينا في خندق الثورة المضادة. ويتضح ذلك اكثر من تعامله مع المواطنين في مناطقه بفرض مقاييس متشددة ومنع التعبير عن الرأي وعقوبات تبدأ بالجلد وتنتهي بقطع الرؤوس.

الطرف الثالث في الصراع جبهات وكتائب اسلامية الاتجاه وضمنها تلاوين متعددة فمنها السلفي الذي يكفر الديمقراطية مثل جيش الاسلام، او اسلامي "معتدل" لا يصرح بشكل واضح عما يريد ان تكونه سوريا المستقبل. ما يميزه عن الطرف الثاني بجناحيه ان مشروعه جهادي "سوري" لا يطمح لخوض حروب ضد العالم لنشر الاسلام، كما تدعي داعش والنصرة، كمشاريع جهاد "اممي".

من تنظيماته العديدة جيش الاسلام وجبهة التوحيد واحرار الشام والجبهة الاسلامية ومؤخرا مجلس قيادة الثورةً. بعضها سار على نهج داعش والنصرة مثل جيش اسلام علوش الذي قام بتصفيات للمخالفين بالرأي في مناطقه من خطف واخفاء كما حدث لرزان زيتونة ورفاقها، او قتل كما في اغتيال ابو عدنان الفليطاني في دوما وآخرين، او فرض خوات على مواد غذائية تهرب للمدنيين المحاصرين في بلدات الغوطة، وقطع رؤوس وفتح سجون رهيبة ومنها "سجن التوبة" الذي شبه بالمخابرات الجوية للنظام، يودع فيه نشطاء ينتقدون "جيش الاسلام" وقائده، بالاضافة للقضاء على كتائب باكملها كما في الهجوم الاخير على "جيش الامة" التابع للجيش الحر في الغوطة الشرقية وقتل واعتقال قياداته وعناصره.

اما مجلس قيادة الثورة فقد نصب نفسه حكومة اخرى لادارة "المرحلة الانتقالية" مهمتها ان تحافظ على "هوية سوريا الاسلامية" وكأن هوية سوريا الاسلامية مهددة بالضياع؟! كما اعلن انه سيحد من فوضى التشكيلات العسكرية الجديدة وهي حجة للقضاء على المنافسين بدل السعي للتوحيد حول اهداف متوافق عليها. كما ادعى "التصدي لظاهرة التكفير بغير حق"، اي ان التكفير غير مرفوض بالكامل فهناك تكفير مقبول، هم من يحددون انه بحق ام بغير حق.

بذلك اصبح لسوريا ثلاث حكومات او شبه حكومات وربما اكثر، حكومة داعش، وحكومة مجلس قيادة الثورة، والحكومة المؤقتة، الى جانب حكومة الاسد، وحكومة الادارة الكردية التابعة للحزب الاوجلاني، وربما تتبعها في القريب امارة اسلامية للنصرة!

الطرف الرابع في الصراع المسلح الدائر في سوريا ما زال يتبنى الاهداف السياسية التي قامت الثورة الشعبية السورية من أجلها، فلا يقف فقط عند اسقاط النظام، بل يريد استبداله بنظام ديمقراطي تعددي مدني. ويمثله حاليا "الجبهة الجنوبية" التي اعلن عن تشكيلها الشهر الماضي من 50 فصيل مسلح، وهي القوة الاكبر في محافظتي درعا والقنيطرة حيث تسيطر على 70% من ريفها، ولكنها الاقل قوة من الاطراف الاخرى في انحاء سوريا، وهي تحت مظلة الجيش الحر دون الارتباط به بوضوح.

وقد اعلنت عن اهداف صريحة لليوم التالي لسقوط النظام، حماية جميع المواطنين وممتلكاتهم الخاصة دون تمييز في الدين او العرق او الانتماء السياسي، وحفظ سلامة الموظفين الحكوميين والمؤسسات والبنية التحتية والخدمية للدولة والجيش وضمان استمرارها في العمل. شكل الدولة برأيها سيختاره السوريون عبر صناديق الاقتراع بعد استبدال الدستور الحالي مؤقتا بدستور 1950 لحين صياغة دستور جديد دائم يصادق عليه باستفتاء شعبي. ويلي ذلك انتخابات تسلم السلطة بعدها لممثلي الشعب المنتخبين، مع تعهد واضح بالا يكون للعسكريين اي دور سياسي بعد المرحلة الانتقالية. كما تطالب الجبهة برحيل المقاتلين الغرباء دون استثناء والا اعتبروا قوى محتلة.

"الجبهة الجنوبية" تعتبر شريكا مقبولا بالنسبة للمجتمع الدولي، وتتفق فصائلها على ضرورة حل سياسي، كما تعهدت في ميثاقها باحترام حقوق الانسان والشرعية الدولية، وهي تتشارك حاليا مع المجالس المحلية والمكاتب الثورية والناشطين في صياغة الرؤى والاهداف وتحمي لجان التنسيق المدنية، وتعتني في مناطقها بتأمين الخدمات للمواطنين، وتطبيق القوانين للجميع دون تمييز، وتعهدت بحماية الاقليات وتطمينها للمستقبل.

الجبهة ليست الوحيدة في خضم توالد التنظيمات المسلحة والجبهات، فقد اعلن منذ ايام عن تشكيل "الجيش الاول" من 3 فصائل بقيادة ضباط منشقين تابعين للجيش الحر. وقد صرح متحدث باسم هيئة اركان الجيش الحر ان "التوحد خطة استباقية لمنع المتشددين من السيطرة على الارض"، كما اشار بيان تأسيس الجيش الاول ان هدفه "اقامة دولة القانون التي ثار من اجل تحقيقها الشعب السوري".

يمكن المراهنة على الطرف الرابع في الصراع المسلح السوري للحفاظ على اهداف الثورة الشعبية ولكنه بحاجة لتوحيد فيما بين الجبهات العسكرية التي تتفق في الدعوة لاقامة دولة ديمقراطية مدنية وتقبل بحل سياسي تفاوضي دون الاسد، ولا تريد تدمير الجيش السوري ولكن اعادة تشكيله لمشاركته في القتال ضد المنظمات الجهادية التكفيرية من داعش والنصرة واشباهها. وتقبل بقيادة سياسية وعسكرية من هيئة اركان الجيش الحر التابعة للائتلاف والحكومة المؤقتة، في تكتل سياسي عسكري ديمقراطي يشكل طرف متميز عن المشروع التكفيري الجهادي الاممي لداعش والنصرة وعن المشروع الاسلامي السوري الذي يرفض الديمقراطية ويعمل لاقامة دولة استبدادية تتستر بالدين. هذا التكتل لا يقطع مع "اسلام سياسي معتدل" يمثله الاخوان او غيرهم يقبل بالديمقراطية، ولا يمنع من تحالفات مرحلية مؤقتة مع قوى اخرى لمواجهة خصوم مشتركين.

فرز الطرف الديمقراطي نفسه سياسيا وعسكريا وتوحده امر هام في ظل التشابكات الحالية، وهو ان حصل يمكن ان يستجلب دعما خارجيا افضل بعد الوثوق بان سوريا اثر سقوط النظام لن تقع في يد تنظيمات القاعدة واشباهها.