في مرحلة تاريخية تمر بها المنطقة، السعودية تواصل المسيرة بعد رحيل الملك الصالح

رحل حكيم الأمة الذي وقف مواقف رائدة من أجل أن يجنبها مزيدا من المحن، مواقف ثاقبة بعيدة النظر، والأمة فقدت زعيما عالميا وهب عمره وحياته للأمتين العربية والإسلامية والعالمية، وهو أول زعيم عربي يزور الفاتيكان، ويكرس ثقافة الحوار بين أديان العالم. ترك إرثا طويلا أمام حل أزمات الشرق الأوسط.

يعتبر الملك عبدالله بن عبدالعزيز قائد المرحلة الذي استطاع بحنكته تجنيب وانتشال السعودية من آثار لهيب الثورات التي ضربت المنطقة العربية، وقاد إصلاحا حذرا بجانب قيادة حوار داخلي، وواجه مهددات التنمية الشاملة بتنمية العقل السعودي، وتنبني بعثات أبناء الوطن لتمكينهم من قيادة التنمية الشاملة في وطنهم بعد عودتهم وتسلحهم بالقدرة والكفاءة. وتبنى أيضا القضاء على الفقر، كما تكفل بمواجهة الإرهاب لحماية التنمية التي لا يمكن أن تتحقق إلا من خلال الحفاظ على الاستقرار أي أنه كان يسابق الزمن.

نجح الملك عبدالله في المواءمة بين التغيير الاجتماعي وجيل الشباب وبين التقاليد المحافظة والاقتصاد المعتمد على النفط، رغم أنه قاد إصلاحات حذرة تراعي مطالب المحافظين وفي نفس الوقت تحقق مطالب الانتقال بالدولة إلى العالمية وإلى الدولة الحديثة، رغم أن المرأة لم يسمح لها بأن تسوق السيارة ولكنه أصدر قراره بالمشاركة في مجلس الشورى وبالمشاركة التنموية أي تعزيز حقوقها وفق منظور الشرع وأحيانا وفق منظور التقاليد.

يحسب للملك عبدالله بن عبدالعزيز أنه أنقذ الأمة الخليجية من التفكك بعدما وجد أن السفينة الخليجية غارقة لم يجد بدا من المصارحة ثم المصالحة، ورفض أن تهيمن جماعة الإخوان المسلمين وبقية الجماعات الأخرى على دول الخليج أو على أي دولة عربية، ودعم دولة مصر بعد تدخل الجيش المصري عام 2013 ضد جماعة الإخوان المسلمين، ولم يتردد في مثل هذا الدعم الذي قدمه لمصر، ولم يستمع إلى أصوات شاذة تعيقه عن تقديم مثل هذا الدعم، لأن الملك عبدالله ادرك بحكمته أن الأمن السياسي والاجتماعي فوق كل اعتبار، وفوق مصالح الجماعات. وكان لمواقفه تلك صدى نتج عنها وضع الأمور في نصابها. ومثل تلك المواقف لن تموت وسيسجلها التاريخ ويذكره بخير ولن ينساه إذا نسته الأجيال بحكم طبيعة البشر لأنه كان يرجو الأجر والمثوبة من الله سبحانه وتعالى.

لم يترك الملك عبدالله الشعب السعودي حتى بعد مماته بل أشرف شخصيا على ترتيب البيت السعودي ونظم آليات هيئة البيعة، وسن سنة ولي ولي العهد حتى يكون نقل الحكم سلسا بعد رحيله وهو ما حدث بالفعل. والملك الجديد الملك سلمان بن عبدالعزيز سار على نفس النهج وتحرك بحسم لوضع حد للتكهنات بشأن مسار الخلافة الملكية في السعودية وعين وزير الداخلية محمد بن نايف وليا لولي للعهد، وبذلك يكون الانتقال إلى الجيل الثاني قد حسم عمليا أي حسمت الدولة خيارها، فهذا يعني أن هناك ضمانة للمستقبل.

مثل هذا الانتقال يريح الشركاء الخارجيين القلقين على انتقال الحكم في السعودية وبالذات الولايات المتحدة بما تتمتع به السعودية من مكانة اقتصادية وهي أكبر مصدر للنفط وبموقع استراتيجي خصوصا في ظل القلاقل والاضطرابات التي تمر بها المنطقة من انهيار دول في سوريا وفي ليبيا واليمن إلى جانب محاربة للإرهاب في العراق وفي المنطقة والعالم بأسره.

خيار انتقال السلطة بشكل أفقي الذي أرساه الملك عبدالعزيز من أجل الحفاظ على حظوظ جميع أبناء عبدالعزيز، لكن هذا الخيار غير قابل للاستمرار، لذلك أتى تعيين الأمير محمد بن نايف من الجيل الثالث الذي حسمته الدولة بقيادة الملك سلمان بن عبدالعزيز سيفتح الباب أمام هيئة البيعة في اختيار صاحب الكفاءة الذي أرساه الملك عبدالله بن عبدالعزيز قبل رحيله وسيحسم مستقبل الخلافة في السعودية.

تثبت كفاءة محمد بن نايف باختياره ولي وليا للعهد أنه كان يحظى بمكانة كبيرة لدى الملك عبدالله بن عبدالعزيز لأنه حمى بلاده ولأنه ساهم في مكافحة الإرهاب. ونتيجة هذا الجهد تعرض الأمير محمد بن نايف لمحاولة اغتيال من قبل القاعدة عام 2009 ونجا بأعجوبة عندما فجر مسلح مدعيا تسليم نفسه قنبلة مخبأة في ملابسه على اثر ذلك الحادث الإرهابي الذي تعرض له الأمير محمد بن نايف زاره الملك عبدالله من أجل أن يشد على يديه. لذلك عينه وزيرا للداخلية عام 2012، بعد أن اكتسب خبرة من والده تجعله حذرا من أن يصطدم نهجه الأمني بالحريات المدنية، أو استثارة المحافظين، بل حافظ على علاقات معهم على خطى والده الأمير نايف أي أنه واقعي وماهر في ادارة التوازن الحساس بين المصالح الدينية والقبلية، لكنه لا يتهاون في ملاحقة الإرهابيين المنضويين تحت تنظيم القاعدة أو داعش بضربات استباقية حتى لا يسمح لهم بتهديد الأمن السعودي.