فضيحة فساد تتكشف في تونس بقيادة شهيدة بوراوي

المتضررون يطالبون برفع الحصانة البرلمانية عن بواروي

تونس - أثار اكتشاف تورط وزيرة نهضاوية خلال فترة حكم التروكا بقيادة حركة النهضة في قضية فساد إداري ومالي سخطا شعبيا وسياسيا على الحركة التي كثيرا ما قدمت نفسها أنها على صعدت للحكم هام 2011 لمكافحة الفساد وأن "وزراءها نظيفو الأيادي" يقدمون للتونسيين تجربة حكم "نظيفة" غير أن وزارة التجهيز نفت هذه المزاعم وأعلنت أنها اكتشفت تجاوزات وتزويرا في ملفات تتعلق بالمساكن الاجتماعية المخصصة للفئات الفقيرة.

وتصاعدت رائحة الفساد إثر تأكيد الهادي العربي وزير التجهيز في حكومة مهدي جمعة أنه "بعد التثبت من ملفات تتعلق بالمساكن الاجتماعية وبمقاييس توزيعها على الذين تتوفر فيهم الشروط ثبت وجود تجاوزات وتزوير للوثائق" خلال فترة تولي الوزيرة النهضاوية شهيدة بوراوي مهام الوزارة.

وشملت عملية التزوير 30 ألف مسكن اجتماعي كان يفترض أن تتوزع على العائلات المعوزة وفق معايير مضبوطة منها ملفات الاشتراك حسب أقدميتها وأولويتها والحالة الاجتماعية للمنتفعين، إلا أن الوزيرة تلاعبت بالملفات وبالمعايير المطلوبة للمشروع الذي كان سينتفع به 30 ألف تونسي فقير.

وأسندت الوزيرة أكثر من 1000 مسكن اجتماعي إلى عناصر روابط حماية الثورة المنحلة والمعروفة في تونس بـ"ميليشيات حركة النهضة" وحرمت المنتفعين الشرعيين من حقوقهم على الرغم من أن ملفاتهم مستوفية الشروط وتستجيب للمقاييس التي تعتمدها وزارة التجهيز في توزيع المساكن الاجتماعية.

وقال وزير التجهيز أنه بعد عملية التدقيق في الوثائق ومراجعة الملفات تبين أنه تم حرمان 1000 تونسي محتاج من حقه في مسكن بعد أن حولت الوزيرة وجهة المساكن إلى أشخاص ينتمون لحركة النهضة بدون موجب.

وأعلن أنه تم عزل عدد من المنتفعين بهذه المساكن لعدم استجابة ملفاتهم للمعايير المطلوبة.

وأثبتت عملية التدقيق أن الوزيرة السابقة قامت بتغيير القوائم الأصلية للمنتفعين واستبدلتها بقائمة تم إعدادها على أساس الانتماء لحركة النهضة.

وأثار تلاعب الوزيرة بحقوق الفئات الفقيرة في الحصول على مساكن اجتماعية موجة من الاحتجاجات قادها منتفعون شرعيون في عدد من الجهات مثل المهدية على خلفية إسنادها لمسكن لأحد الأثرياء على حساب احد المحتاجين يقطن بخيمة وسط الشارع.

وتدخلت الوزيرة في مشروع مساكن اجتماعية في ولاية توزر جنوب البلاد أشرفت عليه مؤسسة "راف" القطرية ويضم 25 وحدة سكنية ومدرسة ومركزا تجاريا ومشفى، إلا أن الوزيرة قامت بتغيير القائمة الأصلية للمنتفعين على الرغم من أن المشروع ليس من مشمولاتها.

وطالب المتضررون الفقراء برفع الحصانة عن الوزيرة السابقة شهيدة بوراوي باعتبارها نائبة عن حركة النهضة في البرلمان الجديد حتى يتسنى لهم رفع شكوى ضدها للقضاء.

وكانت الوزيرة السابقة قد جلبت خلال توليها الوزارة إحدى المهندسات لطمس عمليات التزوير والتلاعب بالملفات بخصوص الوحدات السكنية في مشروع السكن الاجتماعي لكن المهنسة تسلحت بالجرأة وفضحت التجاوزات علنا أمام وزير التجهيز الحالي وكانت تردد "حياة الناس في خطر".

وقال المدير العام للبرنامج الخصوصي للسكن الاجتماعي محمد الخامس العبيدي إنه لم يتم إلى حد الآن تسليم سوى 330 مسكنا للمنتفعين من بين مشروع لتوفير 30 ألف سكن اجتماعي ما يؤكد سياسة الاستخفاف بحقوق التونسيين بمنا فيهم المحتاجون التي انتهجتها حركة النهضة.

وأكد العبيدي أن الهياكل الرسمية تجندت لتلافي تركة النهضة حيث شرعت في إزالة المساكن البدائية من أجل استبدالها وتعويضها بـ10 آلاف وحدة سكنية، لافتا إلى أن هناك 2600 مسكن بصدد الإنجاز في الوقت الحالي.

وفي محاولة لتطويق تداعيات قضية الفساد سارعت حركة النهضة إلى "تكذيب تورط الوزيرة السابقة في قضية فساد لا من قريب ولا من بعيد" معتبرة أن كل "ما يروج له مجرد إشاعات لا أساس لها من الصحة".

وقال النائب عن حركة النهضة أسامة الصغير أن كتلة الحركة بالبرلمان ستقاضي من يقف وراء الشائعات المتعلقة بالنائبة شهيدة بوراوي والتي تروج إلى أنه سيتم رفع الحصانة البرلمانية عليها.

وينتظر أن تتفاعل قضية الفساد هذه خلال الأيام القادمة لتلقي بظلالها على العديد من الملفات الأخرى التي شهدت تجاوزات خلال فترة حكم النهضة عامي 2012 و2013 في ظل مطالبة عدد من الأحزاب السياسية ونشطاء المجتمع المدني بفتح ملفات فساد تتعلق باستغلال النفوذ والتلاعب بالقوانين ومصالح المواطنين وبإسناد مشاريع لا على أساس الكفاءة وسلامة الملفات وإنما على أساس الولاء للنهضة.

وخلال السنوات الأربع الماضية يتابع التونسيون باستغراب مظاهر ثراء سريع لعدد كبير من كوادر النهضة وقواعدها في وقت تشهد فيه البلاد أزمة اقتصادية واجتماعية خانقة كان من نتائجها توسع رقعة الفقر لتشمل فئات عريضة من الطبقة الوسطى التي تدهورت مقدرتها الشرائية إلى الحضيض وليضرب الفقر المدقع أكثر من 25 بالمائة من السكان خاصة في الجهات المحرومة حيث ترتفع نسبة الفقر إلى 60 بالمائة في محافظة سليانة التي انتفضت عام 2013 على سياسات التهميش التي انتهجتها حكومة النهضة.

ويعتبر ملف السكن الاجتماعي من أخطر الملفات التي تؤرق فقراء تونس بالنظر الى التكلفة العالية التي لا يقدرون عليها لذلك يضطرون إلى التسجيل في قوائم المنتفعين التي تعدها وزارة التجهيز بالتعاون مع وزارة الشؤون الاجتماعية ولا يحصلون على المسكن إلا بعد فترة انتظار طويلة قد تتجاوز العشر سنوات نظرا لكثرة الملفات من جهة، وندرة الموارد المالية للدولة التي تتكفل ببناء تلك المساكن من جهة أخرى.

وتؤكد قضية الفساد التي تورطت فيها الوزيرة النهضاوية السابقة والنائبة حاليا عن حركة النهضة أن حكومة الحركة الإسلامية لم تسمح لنفسها فقط بالتلاعب بمؤسسات الدولة وبمصالح البلاد الداخلية والخارجية وإنما تلاعبت أيضا بحقوق الفئات المحرومة التي قادت انتفاضة 14 يناير/كانون الثاني 2011 وأطاحت بنظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي.

كما تؤكد أن إخوان تونس لا يأبهون للحقوق الاجتماعية للتونسيين وفق مبدأ المواطنة وتساوي الحظوظ بعيدا عن الحسابات الحزبية بقدر ما يسعون الى الالتفاف على المسؤوليات ليجعلوا منها مدخلا لتقديم خدمات غير مشروعة يتقاسمونها في ما يشبه تقاسم الغنيمة.