أُريدُ في العراقِ دَولةً...

ملاحظة: هذه المقالة مستوحاة من خطاب مارتن لوثر كنغ المُسمَّى "لَدَيَّ حُلُمٌ" (I have a dream)، أثناء مسيرة الحرية عام 1963 في مدينة واشنطن دي سي، عاصمة الولايات المتحدة.

أُريدُ في العراق دولةً واحدةً، مُستقِلّةً، قويّةً، وذاتَ سِيادةٍ كاملةٍ، و

... مُتحرِّرة من ثقافة الغزو والاحتلال الأميركي ـ البريطاني والتبعية والعمالة لأيّة دولة أجنبية، و

... مُتحرِّرة من عبودية الأحزاب الطائفية الحاكمة والمعارِضة، ومن إرهاب العصابات الإجرامية المسلحة، و

... مُتحرِّرة من استبداد القوالب السياسية الغربية الجاهزة للاستيراد، والقوالب الدينية الشرقية الجاهزة للتصدير.

أُريدُ في العراق دولةً لا شرقيةً ولا غربيةً، لا رأسمالية ولا اشتراكية ولا شيوعية ولا قومية ولا بعثية، و

... لا علمانية ولا دينية.

أُريدُ في العراق دولةً لا مكان فيها لمن يستعين بالأجنبي ضد العراقي، و

... لا مكان فيها للجهل والظلم والجوع والفقر والمرض والخوف والارهاب، و

... لا مكان فيها لمن يُنصّب نفسه إلهاً أو نائب الإله، فيمنح هذا صك الغفران ويُدخله إلى الجنة، ويرمي بذاك إلى محاكم التفتيش وإلى الجحيم، و

... لا مكان فيها لأشباه العلماء وأشباه المثقفين والمشايخ الجهلة المتعصّبين، الّذين ينتقون النصوص التي تعزّز تطرّفهم، ويسبّبون إرباكاً والتباساً لدى عامة الناس الذين لم يتخصصوا في علوم السياسة والدين، و

... لا مكان فيها لمصانع الإفتاء والتكفير واللعن والطعن المنتشرة في السراديب وجحور الجرذان، و

... لا مكان فيها لدُويلات المدن وممالك متناحرة، و

... لا مكان فيها للعنصرية والصهيونية والماسونية وأوكار التجسس والتخريب البشري والمادي، و

... لا مكان فيها للعنف والهَوَس الجماعي وسفك الدماء وتعطيل المصالح باسم شهداء الأمة والدين، و

... لا مكان فيها للإرهاب ـ الوهّابي الّذي لا يستثني أحداً من البشر، و

... لا مكان فيها للتعذيب أو "طرق الاستجواب المحسّن"، كما يسميها دِك شيني، نائب الرئيس الأميركي السابق جورج بوش الابن، ومهندس برنامج التعذيب، وهو يستخدم نفس العبارة التي كانت متداولة أيام الحكم النازي.

أُريدُ في العراق دولةً لا يتلذّذ أحدٌ فيها بنشر الصور الإجرامية الوحشية في الشبكة الدولية (الإنترنت)، ومنها الفيسبوك، أو ترويج صفحات ومواقع الأشخاص المتطرّفين المليئة بالصور الثابتة والمتحركة البشعة والملصقات الملفّقة والتعليقات المتعصّبة الطائفية. وفيها كل أنواع السخرية والإهانة ضد الطوائف الأخرى، بالإضافة إلى كل أنواع المشاعر السلبية مثل الكراهية والحقد والغضب والمرارة والألم والانتقام والثأر والتحريض على العنف والنحيب والتخاذل والانحطاط والتشاؤم والمؤامرة والدونية والضحية وغيرها. وستكون دهشتك أكبر عندما تُلاحِظ هذا التشابه إلى درجة التطابق أحياناً بين محتويات صفحات المتطرّفين الّذين ينتمون إلى كل الطوائف والمستويات العلمية والمهنية والوظيفية والاجتماعية والاتجاهات السياسية. ولا فرق في ذلك بين عالِمٍ وجاهلٍ وبين مثقّفٍ ومتخلِّفٍ وبين مُتديِّنٍ ومُلحِدٍ.

أُريدُ في العراق دولةً ليس فيها مبدأ "ولاية الفقيه" ـ كما عند المسلمين الشيعة الإيرانيين، ولا مبدأ "الخلافة الإسلامية" ـ كما عند المسلمين السنّة الوهّابيين. فكلاهما سياسة رديئة وخيانة للدين الإسلامي واعتداء صارخ على الطبيعة البشرية. وهذان المبدآن مشابهان تماماً، من حيث التطرّف، لمبدأ سيادة الكنيسة المسيحية الكاثوليكية الأوروبية من خلال محاكم التفتيش الإرهابية التي أرعبت الشعوب الأوروبية لسبعة قرون متواصلة ولم تنتهِ رسمياً إلا في نهاية القرن التاسع عشر الميلادي. وهذان المبدآن مشابهان أيضاً، من حيث التطرف والقسوة، للمبدأ الصهيوني الأوروبي الغربي الذي يقوم على مبدأ سيادة العنصر الإسرائيلي والآري، وضرورة إقامة مشروع الربّ يسّوع المسيح في فلسطين وباقي البلدان العربية الإسلامية. كل هذه العقائد المتعصّبة المتطرّفة متشابهة في جوهرها، وإن اختلفت في اسمها، وهي مناقضة تماماً للمبادئ الأساسية للديانات الإسلامية والمسيحية واليهودية المتسامحة والمعتدلة بطبيعتها.

أُريدُ في العراق دولةً لا مكان فيها لأصحاب العقائد السياسية والدينية المتطرّفة الّذين يعتقدون عن قناعة تامّة بأنّهم القيادة التاريخية العبقرية الفذّة الحكيمة التي عليها أن تقود الجماهير وتفرض عليهم هذا النظام السياسي أو ذاك. إن هذا النمط من التفكير الإستعلائي الخرافي الاستبدادي هو الذي أعاق تطوّر نظام الشعبية (الديمقراطية) حتى في الدول الأوروبية التي ظهر فيها قبل حوالي 250 سنة، فكيف إذا كان الأمر في العراق؟

أُريدُ في العراق دولةً لا مكان فيها لمن يعتقد أنه يمتلك الحقيقة المطلقة لأنه من هذا الحزب أو تلك الطائفة، ويريد إعادة كتابة التاريخ والدين والمذهب، ويمارس الإرهاب الفكري والنفسي من خلال الفضائيات والشبكة الدولية (الإنترنت) وغيرها من وسائل الإعلام غير المناسبة لمثل هذه المواضيع.

أُريدُ في العراق دولةً لا مكان فيها لكلمات مثل "معلية، شعلية، ما يخصني، ياهو مالتي".

أُريدُ في العراق دولةً يعيش فيها المواطن بروحٍ إيجابيّة واقعية مُتفائلة، ويبتعد عن اليأس والقنوط وترويج نظريات المؤامرة.

أُريدُ في العراق دولةً شعبية يكتب الشعب فيها شريعته بنفسه، ويحكم نفسه بنفسه، و

... دستورها واضح، صريح، عادل، ولا يترك أموراً حيوية للمساومات الشخصية والطائفية دون علم وموافقة الشعب العراقي، و

... شعار كل مواطن فيها: عِراقٌ واحِدٌ، شَعبٌ واحِدٌ، والولاءُ المُطْلَقُ للعِراق والعِراقِيين فَقَط.

أُريدُ في العراق دولةً يتألّم فيها المواطن لِمُعاناة أخيه المواطن أيّاً كان وحيثما كان ـ بلا تعداد للطوائف واستجداء للعواطف.

أُريدُ في العراق دولةً يعلم فيها المواطن أنّ الانتماء لطائفة أمر طبيعي مشروع، وأنّ التظلُّم لصالح طائفة، والمطالبة بالامتيازات لها حصراً، والانتصار لها على حساب الطوائف الأخرى أو ضدها، واحتقار الأحياء والأموات من الطوائف الأخرى، وتسخيف معاناتهم، والتحريض على الكراهية والعنف والأنانية هو بالضبط التعريف الدقيق للتعصّب الطائفي. وهو سلوك مَرَضِي نفسي اجتماعي خطير منتشر بشكل وبائي في العراق، وجريمة أخلاقية ـ سياسية ـ اجتماعية. وهو جزء أساسي من عاهات الأحزاب والثقافة الطائفية التي جاءت مع قوات الغزو والاحتلال الأميركي ـ البريطاني عام 2003 على وجه التحديد. وهو امتداد للظلم السياسي والاجتماعي الذي مارسه الطاغية صدام حسين ضد الشعب العراقي.

أُريدُ في العراق دولةً يكون فيها للمُستقِلِّينَ العِراقيينَ وزن أكبر من الحزبيين لأنَّ المستقلّين مؤهَّلون أكثر من غيرهم لِتقديم أفكار عملية لأنظمة متطوِّرة وقوانين متوازنة ودُستور عادل لكل العراقيين.

أُريدُ في العراق دولةً يُدرِك فيها كلُّ سياسي أن السِلمَ المدني لا يَحلُّ في العراق بدون عدالة سياسية واجتماعية.

أُريدُ في العراق دولةً تنتج كل ما تحتاجه للحياة الحرة الكريمة، وتتعاون مع الدول المجاورة وكل دول العالم على أساس السلام والمصالح المشتركة.

أُريدُ في العراق دولةً تعيش في الحاضر، وتنهل من خبرات الماضي، وتبدع للمستقبل.

أُريدُ في العراق دولةً يكون فيها وَعْيُ المواطن السياسي ـ الاجتماعي أسمى من الاحتراف السياسي الزائف السائِد الآن في العراق لأغراض التسَلُّط الطائفي والإثراء السريع اللامشروع على حِساب الشعب العراقي.

أُريدُ في العراق دولةً يلتزِم فيها المواطن بضوابط أخلاقية عالية، ويحترم أخاه المواطن ويعامله بالمودّة والرحمة والتسامح والسلام.

أُريدُ في العراق دولةً يستطيع المواطن أن يتنقّل ويعيش ويعمل في أي مكان من وطنه، ويسافر ويعود متى يشاء.

أُريدُ في العراق دولةً يسيطر فيها الإنسان على العقيدة لأنه محل الابتلاء ـ بالتعبير الفقهي، ولا يسمح للمتطرّف أن يجعل العقيدة تسيطر على الإنسان.

أُريدُ في العراق دولةً يؤمن فيها المواطن أن الحقيقة هدف متحرك باستمرار، مثل السراب، تستطيع أن تراه وتجري وراءه طوال حياتك، ولكن لا تستطيع الإمساك به أو امتلاكه.

أُريدُ في العراق دولةً تُنفِق 95% من الثروة الطبيعية الوطنية على التعليم والثقافة والصحة والإنتاج والمساكن والبنى التحتية والتنمية البشرية والمادية في المجالات السلمية، و5% فقط على القوات المسلحة في الجيش والشرطة.

أُريدُ في العراق دولةً ينهض فيها الشعب ويعيش المعنى الحقيقي لعقيدته الوطنية بأن كل الناس خُلِقوا سواسية.

... وأخيراً، ربّما تقولُونَ، إن هذا مجرّدُ حُلُم. وأنا أقولُ لكم اليوم يا أصدقائي، إنّه بِرغم الصعوبات والاحباطات، تعالَوا شارِكُونا لنعيشَ هذا الحُلُمَ العراقيَّ الجميل.