'بحجم حبة عنب' .. ومحنة الحقيقة!

عمل أدبي تتوافر فيه كل مقومات العمل الأدبي الجيد

دخلت رواية "بحجم حبة عنب" للكاتبة منى الشيمي القائمة الطويلة لبوكر، وتبع ذلك عاصفة من التعليقات تشير إلى أحقية روايات أخرى بالفوز، وتقليلا من شأن الرواية، مما أوحى بأن سبب الفوز هو أن الكاتبة (كشفت) حياتها على الملأ. هذا اللغط ردنا إلى ما يعرف بأدب البوح أو أدب الاعتراف. فهل من الممكن وضع الرواية في دائرة البوح والاعتراف؟

مما نعرف عن الكاتبة، نعرف بالفعل أن الرواية تضمنت قصة ابنها "زياد" الذي أصيب بالسرطان، وانطلاقا من هذه المعلومة الواقعية، يمضي القارئ في القراءة، وفي البال أنه يقرأ السيرة الذاتية للكاتبة. ولا يطرأ على بال أحد أن منى الشيمي روائية وقاصة كما أنها (أم زياد) أيضا، ولربما احتالت علينا كقراء بقصة ابنها لتصنع رواية كاملة متدفقة السرد تتناسل فيها الحكايا من رحم بعضها البعض.

لو نحّينا معرفتنا بأن أحداث الرواية هي أحداث حقيقية بالفعل، ونظرنا إليها على أنها عمل فني إبداعي يحمل اسم فرجينيا وولف على سبيل المثال، هل وقتها فقط سنلاحظ أن الرواية بالفعل عمل فني انساني أخذ فرادته من تلك الإنسانية التي يتدفق السرد من خلالها؟

ونأتي إلى سؤال جوهري لماذا صفقنا لفرجينيا وولف في اعترافاتها ولم نصفق لمنى الشيمي؟

فعل الكثيرون ذلك لأن منى شرقية عربية وجنوبية، ينبغي أن تمرر كل ما يدور في ذهنها على فلاتر تنقي وتستخلص كل ما يمس الزوج والأم والأخ والأولاد، قبل أن تبدأ الكتابة، لأن (البيوت أسرار) فقد جرى العرف على أن أدب الاعتراف غربي المنشأ، لا ينبغي أن نقلده، وهذا ما تمرد عليه محمد شكري بقوة وقسوة في "الخبز الحافي".

هنا لا بد أن نقف أمام إشكالية السؤال الأزلي، هل معرفتنا بالكاتب أو ما تعودناه من تنقيب عن خصوصيات الكاتب وعن كم الحقائق التي تقف خلف نصه، يؤثر في حكمنا على عمله؟

الروائي الألماني توماس مان (1870 - 1955) كان يرى أنه من الأفضل للقارئ أن يقرأ النص الأدبي الذي بين يديه، ولا يحاول التنقيب في حياة الإنسان الذي كتبه. فهو إذا ما اطلع على الحقيقة القائمة وراء المبدع، نفر من الإبداع الأدبي كله، وصعب عليه أن يعاود الإقتراب من الأدب ومن أهل الأدب.

والروائي الفرنسي، لوي فرديناند سيلين (1892 - 1961) كان يدرك أن آفة التلصص على حيوات الكتاب وغيرهم، يصرف النظر بعيدا عن منجزهم الفعلي: أنا لا يهمني أبدا أن يكون مخترع آلة التصوير مخنثا أو فحلا، بل إن ما يهمني فيه هو الآلة التي ابتكرها.

ولكن في حالة منى الشيمي وفي روايتها "بحجم حبة عنب" كانت هي نفسها من وضعت شذرات من حياتها على الورق، وهي تعلم جيدا أن في مجتمعاتنا العربية، من يقرأ للمرأة فهو يقرأ بعيون متلصصة يبحث عنها هي نفسها كمرأة فيما تكتب، ويترجم كل كلمة وكل فقرة بما قالته يوما وما سمعه عنها ذات نميمة.

فهل عندما أراحت المتلصصين من هذا العناء، ووضعت ما مر بها على الورق فوتت عليهم فرصة التلصص؟ أم أن البوح بالحقيقة ضايقهم؟ أم كان ينبغي أن تحكي قصتها في مجالس النساء لا تتجاوزها، مستمتعة ومكتفية بمصمصة الشفاه والترحم على زياد؟

هي إذن محنة الحقيقة والصدق في عالمنا العربي الذي تعود على دفن الرأس وتجاهل الواقع كوسيلة للقفز على العجز عن الفعل فيما وراء التشدق بكلمات فارغة.

رواية "بحجم حبة عنب" للروائية منى الشيمي إن كانت سيرة ذاتية، فقد كتبتها كما هي لم تعظم ذاتها كما فعل البعض وكأنهم آلهة لا تخطئ، بل وضعت ذاتها بعثراتها وكبواتها وآلامها. وأمام هذا الصدق ألا تستحق الكاتبة بعضا من إنصاف مقابل هذا الكم من الزيف الذي نحياه؟

"بحجم حبة عنب" عمل أدبي تتوافر فيه كل مقومات العمل الأدبي الجيد، لا يضيره أن به من الحقائق التي نعرفها، بل يزيده من الثراء والعفوية والصدق، وهذا ما أدركته لجنة التحكيم فأنصفته. وهذا ما نفتقر إليه في عالمنا العربي الذي يتحرك بذهنية مسبقة عن المرأة وما تكتب مصنفا وجائرا عندما ينظر إلى ما تكتب على أنه أدب نسوي مفرغا العمل من مضمونه ومتجاهلا القضايا السياسية والمجتمعية التي جاورت مشكلة موت زياد.

وأخيرا، كل هذا اللغط إن دل على شيء فإنما يدل على أن في أدب السيرة الذاتية أو أدب البوح إن صادفنا كاتبا لديه من الشجاعة والشفافية ليكتب، فلن نصادف مجتمعا عربيا يتقبل قول الحقيقة ؛ خاصة وإن كان الكاتب امرأة!