الدستور المصري... الرقابة السابقة واللاحقة

جدل الدستور المصري بعد الإخوان

درجت سائر الدساتير المصرية قبل دستور عام 2012 على الإقرار بالاختصاص اللاحق في رقابة دستورية القوانين واللوائح، حيث أقرتها النصوص الدستورية تباعا في قانون المحكمة العليا رقم (66) لعام 1970، ودستور عام 1971، وقانون المحكمة الدستورية العليا رقم (48) لعام 1979، والإعلان الدستوري الصادر في 30 مارس (آذار) 2011، وأخيرا في المادة (175) من دستور عام 2012م. إذن، فالقاعدة العامة في ممارسة الرقابة القضائية من قبل المحكمة الدستورية العليا على دستورية القوانين واللوائح، هي الرقابة اللاحقة على صدور القانون أو اللائحة.

لئن كانت الحقوق الأساسية للإنسان، وحرياته العامة حقوقا معترفا بها في الإطار العالمي لا الوطني ولا الإقليمي ولا الدولي وحسب، وأقرتها العديد من المواثيق الدولية لحمايتها وصونها من تغول وبطش الأنظمة السياسية السلطوية، فتصديق مصر على مختلف المواثيق الدولية لحقوق الإنسان، والتي تتضمن حقوقا وحريات للأفراد في مختلف المجالات السياسية، والمدنية، والاقتصادية، والاجتماعية، والثقافية، وغيرها، يعتبر في حكم المبادئ الدستورية التي لا يجوز الخروج عليها، وعلى المحاكم أن تراعي ذلك في أحكامها.

الرقابة اللاحقة

جلي أن الرقابة اللاحقة تتمتع ببعض المميزات، منها: أن المحكمة الدستورية العليا تمارسها بعد أن يوضع القانون موضع التطبيق، وبعد أن يختبر من وجهة نظر اجتماعية، فتكون آثاره في مجال التطبيق جلية وواضحة، والأضرار المترتبة عليه -إن وقعت– تكون ظاهرة وقاطعة. فدخول القانون مرحلة التطبيق هو الذي يبين نطاق العوار الذي أصاب هذا القانون. وهنا، فهذا النوع من الرقابة يمنح ضمانة أكبر للحقوق والحريات، بحكم أنه يتيح للمواطن إمكانية اللجوء إلى القضاء الدستوري لفحص دستورية القوانين، ويتأسس عمل القاضي بمقتضي ذلك النوع من الرقابة وفق محددات من الممارسة العملية الناتجة عن إعمال القانون، وليس وفق معطيات نظرية وأسس قانونية، وتطبيقا لذلك لا يبين بجلاء مثالب قانون الانتخابات إلا بعد الممارسة الانتخابية التي قد تسفر عن عدم دستورية قانون الانتخاب أصلا، لذلك كان من المفيد عدم غلق إمكانية الرقابة اللاحقة على دستورية قوانين الانتخاب.

وبالرغم مما سبق، فإننا نشير في المقابل إلى خاصية "عدم الاستقرار" كعيب لهذا النمط، حيث إن عمل المشرع يبقى مهددا دائما بالمراقبة وعدم الدستورية، وتكاد تكون مصر الدولة العربية الوحيدة التي قضي فيها ببطلان قوانين الانتخابات البرلمانية، مما أدى إلى حل الهيئة البرلمانية في مصر ثلاث مرات، وذلك إعمالا للرقابة اللاحقة للقوانين، والتي أعملتها المحكمة الدستورية العليا في مصر تجاه قوانين الانتخابات البرلمانية.

الرقابة السابقة

كما سبق، فقد نص دستور عام 2012 على الرقابة السابقة وإن كانت بشكل جزئي، حيث نصت المادة (177) على أن: "يعرض رئيس الجمهورية أو مجلس النواب مشروعات القوانين المنظمة للانتخابات الرئاسية والتشريعية والمحلية على المحكمة الدستورية العليا قبل إصدارها، لتقرير مدى مطابقتها للدستور، وتصدر قرارها في هذا الشأن خلال (45) يوما من تاريخ عرض الأمر، وإلا عد عدم إصدارها القرار إجازة للنصوص المقترحة. فإذا قررت المحكمة عدم مطابقة نص أو أكثر لأحكام الدستور وجب إعمال مقتضى قرارها، ولا تخضع القوانين المشار إليها في الفقرة الأولى للرقابة اللاحقة المنصوص عليها في المادة (175) من الدستور.

يتضح من نص المادة السابقة أن الاتجاه نحو تقرير الرقابة السابقة على القوانين المشار إليها، كان هدفه الحد من دور المحكمة الدستورية العليا، بعد أن أصدرت المحكمة قرارها التاريخي المهم ببطلان الانتخابات البرلمانية التي أفرزت ما سماه المصريون "برلمان الإخوان المسلمين" وذلك عام 2012.

هذا الاستثناء من الرقابة يعكس طائفة من الخصائص، أولها: أنها رقابة محدودة النطاق، حيث تقتصر على مشاريع قوانين انتخاب رئيس الجمهورية، والانتخابات التشريعية، والمحلية. ثانيا: أنها رقابة وقائية؛ حيث تحول دون صدور قانون ينطوي على عيوب دستورية يترتب عليه مراكز وحقوق مكتسبة. ثالثا: أنها رقابة سياسية؛ حيث ينحسر عنها الوصف القضائي لعدم ممارستها بطريق الدعوى، ولكن تمارس بإحالة سياسية في المقام الأول.

لقد تعرضت محكمة القضاء الإداري في مصر لماهية الرقابة السابقة للمحكمة الدستورية العليا في مصر باعتبارها (أي رقابة المحكمة) استثناء على الأصل العام وهو الرقابة اللاحقة، وذلك حين قضت محكمة القضاء الإداري بوقف تنفيذ قراري الدكتور محمد مرسي رئيس الجمهورية رقم (134) لسنة 2013 ورقم (148) لسنة 2013، ووقف إجراء انتخابات مجلس النواب بجميع مراحلها المحدد لها بداية من 22 أبريل (نيسان) وإحالة القانون رقم (2) لسنة 2013 الخاص بانتخابات مجلس النواب للمحكمة الدستورية العليا، للفصل في مدى دستوريته.

رقابة مجردة

فالرقابة السابقة للمحكمة الدستورية العليا هي رقابة ترد على مشروع قانون، وهي رقابة مجردة ترد على النصوص منفصلة عن الواقع، ولم توضع –بعد- موضع التطبيق، وغير متاحة للمواطنين. لذلك؛ فإنها تدور في دائرة الاستثناء من الأصل، وهي الرقابة اللاحقة، ويتعين أن يظل هذا الاستثناء في حدود نطاقه وفي إطار الضوابط الدستورية المحددة له، وإذا كان لجوء الدستور إلى هذا الأسلوب، فقد قصد منه توقي إجراء الانتخابات وفقا لنصوص قد تكون مخالفة للدستور وحتى لا تبطل الانتخابات، الأمر الذى يستلزم أن يعرض القانون المشار إليه على المحكمة لإعمال رقابتها، ويلتزم مجلس الشورى الذى يتولى مؤقتا سلطة التشريع بذلك، فإذا أجرى تعديلات جديدة تنفيذا لقرار المحكمة، وجب إعادة المشروع للمحكمة الدستورية مرة أخرى، لبيان ما إذا كانت التعديلات مطابقة من عدمه، ولتعيد صياغة المواد التي ترى عدم مطابقتها لنصوص الدستور بشكلها النهائي، وإنما يتعين على مجلس الشورى بعد إجراء التعديلات أن يعيدها مرة أخرى إلى المحكمة الدستورية العليا.

لذا، وبعد المحاولات الخائبة لتقويض الصرح الدستوري المهم في البلاد لتحقيق دولة القانون وحمايتها، وهو المحكمة الدستورية العليا، عمدت الوثيقة الدستورية الأخيرة لعام 2014م إلى إرجاع الدور الوقائي والزجري أيضا للمحكمة، في الحفاظ على حقوق وحريات المصريين وحمايتها، وذلك من خلال تصديها وإبطالها القوانين واللوائح التي تنتهك الحقوق الدستورية للمصريين الواردة في الدستور، فأعادت الوثيقة الدستورية الحالية تشكيل المحكمة وسلطاتها وصلاحيتها كما كانت عليه وفق دستور سنة 1971م، حيث تتكوّن من عدد كاف من القضاة، ولم يعد للسلطة التشريعيّة، أو السلطة التنفيذيّة، أي تدخل في تشكيل المحكمة، وصارت المحكمة -من جديد- مستقلة لا تتدخل في سلطتها وممارستها السلطة التنفيذية، والأمل أن تسترجع المحكمة رونقها بانتهاء الفترة الانتقاليّة الحاليّة.