ملف الحركات الأصولية... فشل التصدي

مواجهة الظاهرة تتجاوز مواجهة أفراد يحملون المبادئ

نجحت الحركات الأصولية الإسلامية بشكل باهر بوضع نفسها على خارطة السياسة العالمية حيث أصبحت المهام التي تنجزها تستقطب وسائل الإعلام ومحور النقاش على موائد لقاءات قادة الدول العظمى بعد ما حققته من نجاحات في العراق وسوريا وبعد تنفيذ عملية شارلي إيبدو في قلب العاصمة الفرنسية. هذه النجاحات لم تتأت من فراغ، فهذه الحركات لا تواجه استراتيجيات حقيقية للحد من قدراتها لدى الدول التي تنشط فيها أو لدى الدول التي تضررت من عملياتها.

ملف الظاهرة الأصولية لم يلق عناية كافية من قبل الجهات الرسمية على مستوى عالمي لأن هذه الجهات لم تتمكن من تقييم حجم هذه الظاهرة وخطورتها بشكل موضوعي.

ولا استطاعت التكهن بالميديات التي يمكن أن تتمخض عن نشاطاتها. فقد عولج هذا الملف في أغلب الأحيان معالجة أمنية من قبل جهات غير متخصصة لم تنجح تماما في مهامها رغم نجاحها في وضع العديد من الأصوليين خلف القضبان ونجاحها في التصفية الجسدية لبعض الرموز الكبيرة لهذه الحركات.

جوهر الفشل يكمن في عدم وجود استراتيجية للتصدي للفكر الذي يحمله هؤلاء الأصوليون والتخوف من التصدي للمرجعيات التي يستمد منها هؤلاء الأصوليون إلهامهم، وعدم تفهم الأسباب التي تدفع البعض لتوفير حواضن لهم ولعملياتهم.

فمواجهة هذه الظاهرة تتجاوز مواجهة أفراد يحملون المبادئء الأصولية في رؤوسهم والبنادق أو السيوف في أياديهم إلى مواجهة أوجه الظاهرة الأخرى وكيف لها أن تجذب ليس المحرومين اقتصادياً والضائعين في متاهات الحياة بل والمرفهين والمتعلمين الذين يتمتعون بما تقدمه الدول الغربية التي يحملون جنسيتها من إمتيازات.

يُعرِف الرئيس الأميركي الأسبق جيمي كارتر في كتابه «قيمنا التي في خطر، الأزمة الأخلاقية لأميركا» الذي فتح فيه النار على المحافظين الجدد، الأصولية بأنها «الالتزام بالمبادئ الأصلية للعقيدة وعدم تغييرها تحت ضغوط العالم الحديث». تعريف لا غبار عليه إلا أنه لا يفسر الجنوح للعنف لدى بعض هذه الحركات.

لا شك أن هناك أصوليين في جميع المجتمعات، ولكنهم لا يشكلون ظاهرة خطرة كما هو حال الأصوليين الذين ينزعون للعنف في أغلب مجتمعاتنا. فهناك أصوليون مسالمون تماما نذكر منهم على سبيل المثال طائفة الآميش وهي طائفة مسيحية نشأت في العصور الوسطى، يبلغ عددها حالياً حوالي 250 ألف شخص يعيش معظمهم في الولايات المتحدة الأميركية. أبرز طقوسهم هو رفض الاختلاط بالآخرين.

ظاهرة العنف الواسعة الانتشار في العالم تتأتى بالدرجة الرئيسية من الصراعات والنزاعات التي تتمحور حول الأديان والمعتقدات وهي كثيرة إذ يبلغ عددها في العالم زهاء أربعة آلاف ومائتين بعضها لا يزيد عدد أتباعه على بضعة آلاف.

لا شك أن عقيدة الإنسان الدينية، إن كان ملتزماً بها، ترسم نهجه في الحياة وتؤثر على نمط تفاعله مع بيئته ومجتمعه، وتلعب دوراً هاماً في مدى تقبله أو رفضه لما تطرحه العلوم والتكنولوجيا من نتاجات وما تقدمه الدراسات العلمية والفكرية من رؤى جديدة يفرضها تسارع وتائر الحياة. بعض العقائد، الأصولية بشكل خاص، تمنع معتنقيها وتحرم عليهم الانخراط في أساليب الحياة الحديثة، أو ترفض بعض جوانبها التي تتعلق بالديمقراطية وحقوق الإنسان.

نسمع في وسائل الإعلام الكثير عن المؤتمرات والندوات عن حوار الأديان ونقاط التقاءاتها وهي حوارات بين النخب الثقافية في العالم إلا أن ما نلمسه في مجتمعاتنا الشرق أوسطية غير ذلك فنزعة الذهاب نحو الصراع بين الطوائف تتغلب على نزعة الذهاب نحو الحوار وهذا الصراع هو الذي ينتج الحركات الأصولية.

فليس هناك رغبة حقيقية للبحث عن نقاط الإلتقاء على الرغم من أن نقاط الخلاف في منتهى الوضوح. قوة الحركات الأصولية في المنطقة دليل بليغ على فشل مشروع التحديث فيها وإذا أردنا التحري عن الأسباب التي تكمن وراء ذلك فليس قوة التيار الفكري والسياسي وراء هذا الحركات قدر ضعف تيار التحديث الذي تقوده القوى الليبرالية وحدها.

وأقصد بالتحديث هو ما يتناول الفكر ومدى تفتحه على الجديد. الأوروبيون أيضاً خبروا النزاعات الدموية إلا أنهم وضعوا حداً لها بتسليط العلم والعقلانية عليها حين أصبحت العلمانية تؤطر الفكر الغربي.

ولم يعد لتلك النزاعات أي مكان. فالتحديث في أوروبا لم يتم فقط بجهود التيارات العلمانية بل فجرته الانقسامات في المؤسسة الدينية المسيحية وتعدد المرجعيات وظهور اللوثرية التي تمردت على سلطات الكنيسة البابوية ولقيت رواجاً في صفوف الكثيرين الذين يطمحون بمواكبة العصر.

مسيرة باريس المليونية لإدانة الإرهاب التي اشترك فيها عدد من الرؤساء وكبار المسؤولين من دول عديدة ستكون نقطة انعطاف دولي في التعامل مع الظاهرة الأصولية وما يتمخض عنها من عنف لم يعد هناك بلد بمنجاة منه.

محمد جمال عاكف

كاتب وأكاديمي عراقي