حكومة جمعة واتحاد الشغل في تشنج متصاعد وسط احتقان اجتماعي

الموازنة المحدودة والاضرابات تحاصران الحكومة التونسية

تونس - تصاعدت في تونس خلال هذه الأيام حدة الاحتقان الاجتماعي تحت وطأة موجة من الإضرابات في قطاعات حيوية مطالبة بزيادة الأجور لتحسين القدرة الشرائية للمواطن بعد اشتعال أسعار المواد الاستهلاكية الأساسية في وقت ترفض فيه حكومة مهدي جمعة أي زيادة في الاجور "نظرا لصعوبة الظرف الاقتصادي" ما دعا رئيس الإتحاد العام التونسي للشغل حسين العباسي إلى توجيه انتقادات حادة إلى الحكومة متهما إياها بالسعي إلى "ترحيل" الملف الاجتماعي إلى حكومة الحبيب الصيد التي لم تتشكل بعد.

وتشنجت العلاقة بين إتحاد الشغل والحكومة على خلفية إجراءات جديدة إتخذها جمعة تقضي بمراجعة الاتفاقيات بين الأطراف النقابية والمؤسسات الحكومية المتعلقة بالمفاوضات حول الزيادة في الأجور الأمر الذي رأت فيه المركزية النقابية "استهدافا في العمق لسياسة التفاوض الاجتماعي التي تنتهجها البلاد قبل سقوط نظام الرئيس السابق زين العابدين بن علي والتي ساعدت كثيرا على تحقيق الحد الأدنى من التوازن بين ارتفاع الأسعار والزيادة في الأجور".

واتهمت حكومة جمعة اتحاد الشغل ضمنيا بأن وقوفه وراء موجة الإضرابات من شأنه "توتير الوضع الهش بالبلاد" و"لا يعكس وعيا بالمصلحة الوطنية ومراعاة تداعيات الأزمة وما نتج عنها من ندرة الموارد المالية للدولة ما جعلها عاجزة عن الزيادة في الأجور".

ورأى حسين العباسي في تلك الاتهامات "حملة منظمة وممنهجة" ضد إتحاد الشغل من طرف حكومة جمعة، مشيرا إلى "لوبي" داخلها "يعمل على تشنيج الأوضاع ولا يريد لهده الحكومة أن تواصل عملها إلى آخر يوم".

وتساءل العباسي عن "سبب اتخاذ الحكومة لتلك الإجراءات في هذا الظرف وهذا التوقيت بالذات في حين أنها لم تقدم على هكذا خطوة خلال أزمات سابقة شهدتها البلاد لم يكن اتحاد الشغل مسؤولاً عنها".

واستغرب ما وصفه بـ"الخروج الإعلامي المكثف ضدّ اتحاد الشغل (..) كأن هناك عداوة" و مشيرا إلى انه رغم الدعوة إلى الحوار فإن "حكومة جمعة قامت بالتهديد. والواقع أنها كانت تتهرب من الحوار كلّما دعاها إليه الاتحاد".

وكانت وسائل الإعلام انتقدت إتحاد الشغل بسبب دعمه لموجة الإضرابات وتمسكه بالزيادة في الأجور وحملته مسؤولية تداعيات الاحتقان الاجتماعي خاصة وأن البلاد تعصف بها أزمة اقتصادية حادة وهي على أبواب مرحلة جديدة تستوجب التهدئة.

ويرى إتحاد الشغل أن الطريقة الوحيدة للتهدئة لن تكون إلا من خلال تنفيس الاحتقان عبر تحسين القدرة الشرائية للعمال التي شهدت خلال السنوات الأخيرة تدهورا كبيرا ما أدى إلى حالة من التفقير عصفت بأغلب فئات المجتمع بما فيها الطبقة الوسطى.

وبحسب بيانات رسمية صادرة عن معهد الإحصاء ارتفعت أسعار المواد الغذائية بنسبة 70 بالمائة فيما لم تتجاوز نسبة الزيادات في الأجور 10 بالمائة في أقصى الحالات. وارتفعت نسبة تضخم الأسعار بصفة عامة من 3,9 بالمئة عام 2009 أي قبل سقوط نظام بن علي إلى 6 في المائة عام 2014.

ويرجع خبراء الاقتصاد ارتفاع الأسعار وارتفاع نسبة التضخم بحالة الفوضى وما يرافقها من عمليات احتكار وتهريب وغياب مراقبة مؤسسات الدولة للأسواق التي تشهد مند أربع سنوات حالة انفلات.

وتظهر دراسة أعدها المعهد الوطني للإحصاء أن "تكلفة الحياة والنفقات الشهرية ارتفعت ما بين 100 بالمائة و200 بالمائة بعد أن كانت التكلفة قبل الثورة لا ترتفع سوى بنسب لا تتجاوز 10بالمئة و20 بالمائة ما أدى إلى تفقير العمال حتى أنهم باتوا عاجزين عن تلبية الاحتياجات الأساسية مما جعل عديد التونسيين يعانون من سوء التغذية.

وارتفعت كلفة "سلة المواطن" حاليا إلى أكثر من 1100 دينار شهريا، أي حوالي 800 دولار. والحال أن أغلب أجور موظفي الدولة لا تتعدى 700 دينار، أي حوالي 500 دولار وهو ما تسبب في عجز كبير لموازنة العائلة بنحو 50 في المائة مما يدفع بالتونسيين إلى الاقتراض.

وإزاء التدهور الكبير للمقدرة الشرائية يحذر إتحاد الشغل من توسع رقعة الإضرابات والاحتجاجات خلال الفترة القادمة مشددا على أن التجربة الديمقراطية لا تعني شيئا بالنسبة للتونسيين إن لم ترافقها "ديمقراطية اجتماعية" تقوم على التوزيع العادل لعائدات خيرات البلاد.