القضاء الفرنسي يبحث عن دور 'ساحر' جزائري في تجنيد الأخوين كواشي

وضعهم بسرعة على طريق الإرهاب

يبحث التحقيق الفرنسي في هجمات باريس التي وقعت قبل اكثر من أسبوع الدور المحتمل لجميل بيغال وهو إسلامي يشتبه في أنه كان أول من جمع المسلحين معا ووضعهم على الطريق ليتحولوا من شبان سريعي التأثر بأفكار الآخرين إلى قتلة بدم بارد.

ورغم أن الجزائري البالغ من العمر 49 عاما نفى عبر محاميه أي علاقة له بالهجمات فقد وصفت مصادر قضائية ومصادر بالسجن كيف وقع اثنان من المسلحين الثلاثة تحت تأثيره عندما أمضوا معا عقوبة بالسجن خلال عام 2005 ثم واصلا الاتصال به بعد مغادرة السجن.

وقال مصدر قريب من التحقيق "بيغال هو أساس القضية".

وأمرت سلطات التحقيق يوم الثلاثاء بتفتيش زنزانة بيغال في السجن المحاط بإجراءات أمنية مشددة في مدينة رين الغربية حيث يقضي عقوبة السجن في قضية أخرى.

وقال لويس كابريولي نائب رئيس وحدة مكافحة الإرهاب التابعة للمخابرات الفرنسية من عام 1998 إلى 2004 يوم الأربعاء عن الرجل الذي مرت رحلته إلى التشدد بمسجد فينسبري بارك بلندن خلال فترة إقامته في بريطانيا أواخر التسعينات "انه ساحر."

وذكر رئيس الوزراء الفرنسي مانويل فالس ومسؤولون آخرون أنه بعد مضي نحو أسبوع على الهجمات التي استهدفت صحيفة شارلي أبدو الأسبوعية الساخرة ومتجرا للأطعمة اليهودية تتحقق السلطات الفرنسية من هياكلها الأمنية والاستخبارتية والعقابية لترى كيف كان يمكن تفادي وقوع أعمال العنف على مدى ثلاثة أيام.

ولم تمر مسألة أن العلاقة بين القتلة الثلاثة وبيغال كانت معروفة لدى السلطات لسنوات مرور الكرام. واعترفت الحكومة بوجود "نقص" في المعلومات وتعكف على مراجعة إجراءات السجن.

وفي هذه المرحلة من التحقيق لاتزال الكثير من الأسئلة بلا إجابة بشأن كيف وضع الأخوان كواشي ومنفذ هجوم متجر الأطعمة اليهودية أميدي كوليبالي خططهم ومدى صحة بيان إعلان المسؤولية الذي صدر عن تنظيم القاعدة في اليمن.

لكن آلافا من وثائق المحاكم الفرنسية عن ماضيهم تسلط الضوء على فترة مدتها سبعة أشهر في 2005 التقى فيها بيغال وكوليبالي وشريف كواشي - أصغر الشقيقين- في السجن قبل أن يجمعهم لقاء آخر بعدها بخمس سنوات في ريف فرنسا.

ودود ولكن خطير

ولد بيغال عام 1965 في بلدة برج بو عريريج شرقي العاصمة الجزائر في أسرة لها عشرة أطفال. وحصل على الشهادة الثانوية ثم انتقل إلى فرنسا عام 1986 لينال الجنسية الفرنسية بعدها بسبعة أعوام.

وفي أواخر التسعينيات أقام بيغال لفترة قصيرة في مدينة ليستر بوسط انجلترا وفي لندن حيث كان يتردد على مسجد فينسبري بارك الذي كان يديره وقتها رجل الدين المتشدد أبو حمزة.

ومع توغله في دوائر المتشددين أمضى بيغال عام 2000 في معسكر تدريب بأفغانستان واعتقل بعدها بعام في أبو ظبي. ويزعم أنه عذب هناك قبل إعادته إلى فرنسا.

وأدين بيغال لدوره ضمن جماعة مسؤولة عن مخطط فاشل بين عامي 1999 و2001 لتفجير السفارة الأمريكية في باريس وأرسل إلى سجن فلوري خارج العاصمة الفرنسية الذي سجن فيه أيضا شريف كواشي وكوليبالي.

وكان بيغال شخصية مخادعة بالفعل ووصفه أحد تقارير التحليل النفسي بأنه يكون ودودا في أحيان وخطيرا في أحيان أخرى. وقالت مصادر قضائية إنه كون "مجموعة صغيرة من الأتباع" الذين تأثروا بشخصيته ومعرفته بأمور الدين.

وقال كابريولي نائب رئيس وحدة مكافحة الإرهاب التابعة للمخابرات الفرنسية "يملك موهبة الإقناع بعدالة قضيته.. كل من تواصل معه لم يستطع سوى أن يزداد تشددا."

وفي سجن فلوري اجتمع شريف كواشي - الذي اعتقل لدوره في خلية تجنيد جهاديين - وكوليبالي - الذي سجن لدوره في هجوم على بنك - من يناير/كانون الثاني وحتى أغسطس/آب 2005.

وأكد كوليبالي لقضاة التحقيق في وقت لاحق أن علاقة صداقة جمعته ببيغال لاحظ آخرون أنها تزامنت مع تغير حاد في شخصيته.

وتقول مصادر قضائية إنه في ذلك الوقت بدأ الشاب "الهادئ المرح المهذب" الذي يبلغ من العمر 22 عاما ويعشق الدراجات النارية في التعبير عن أفكار إسلامية متشددة.

وتقول وزارة العدل الفرنسية كانت تعزل بيغال دائما عن السجناء الآخرين. لكن حراس السجن ومصادر أخرى في قطاع السجون يعترفون بأن الأعداد الكبيرة وانشغال الحراس ومكر السجناء هي ثغرات في هذا النظام.

وقال جيمي ديليست مدير سجن نانتير خارج باريس "وجود شخص في الحبس الانفرادي لا يعني بالضرورة أنه بمعزل عن باقي المحتجزين. إذا صرخت من النافذة فسيسمع صوتك."

ومن الوسائل الأخرى الرسائل المكتوبة بخط اليد التي تلقى من النوافذ أو التعليمات التي تنقل الى المساجين عن طريق الزوار أو الحراس الفاسدين.

لكن مصدرا في إدارة السجن شكك في أن يتمكن مسجون في الحبس الانفرادي من التأثير بهذا الشكل على معتقل آخر ليحوله الى متشدد. لكنه قال "هل العملية محكمة بنسبة 100 في المئة؟ كلا."

وتقر وزارة العدل بأنه لا يمكن ضمان العزلة الكاملة طوال الوقت. لكنها تجادل بأنه لا يمكن أن يكون قد أتيح لبيغال أن يقنع سجناء آخرين بتبني أفكار متشددة.

ضربة بالفأس

مهما كانت الروابط التي نشأت بين الثلاثة في سجن فلوري فقد كانت قوية بما يكفي لتمهيد الطريق للقاءات أخرى بعدها بخمسة أعوام في منطقة كانتال الفرنسية حيث وضع بيغال قيد الإقامة الجبرية.

وهناك انتهى به الأمر في فندق "لو ميساجيري" الصغير في بلدة مورات بمنطقة جبلية في فرنسا.

وقالت مالكة الفندق التي طلبت عدم نشر اسمها "طلبوا غرفة ووفرناها له". وكانت الغرفة مثالية للمراقبة وقالت المالكة إن بيغال لم يسبب لها أي مشاكل خلال العام الذي أمضاه باستثناء صعوبة العثور على لحوم حلال له.

وذكرت مصادر قضائية نقلا عن وثائق المحكمة أنه في أوائل 2010 قام كوليبالي وشريف كواشي اللذان خرجا من السجن بزيارة بيغال عدة مرات في المنطقة التي كانت تراقبها قوات المخابرات.

وتظهر الوثائق ذاتها أنه خلال هذه الزيارات التي كانت تتم في عطلة نهاية الأسبوع تم التقاط صورة لحياة بو مدين شريكة كوليبالي - التي تقول السلطات التركية إنها عبرت حدودها إلى سوريا يوم 8 يناير/كانون الثاني.

وقال كوليبالي في إفادة لاحقة إن الزيارات كانت بريئة وانهم أمضوا وقتهم في "تذكر أوقات السجن والحديث عن الجبال".

لكن مكالمات تم تسجيلها في ذلك الوقت بين بيغال واسماعيل علي بلقاسم وهو إسلامي جزائري سجن لدوره في احدى هجمات عام 1995 على نظام النقل في باريس وأدت الى مقتل ثمانية أشخاص تشير إلى وجود مخطط لإخراج بلقاسم من السجن.

وتكشف المكالمات أن الرجلين تحدثا بالشفرة فكانا يستخدمان كلمة "طير" بدلا من هليكوبتر و"سترة" بدلا من سيارة و "كتب" لتعني الأسلحة. وخلال هذه المحادثات تطرق بيغال إلى مخطط آخر يطوره "خطوة بخطوة".

واستخدم بيغال المثل الشعبي الجزائري "ضربة بالفأس خير من عشرة بالقادوم" وهو أمر قال محققون إنه يبعث على القلق لكنه لم يكن كافيا لاستنتاج أنه يخطط لأي هجوم.

وبعدها بأسابيع اعتقلت الشرطة بيغال وكوليبالي وكواشي لدورهم في مؤامرة لتهريب بلقاسم من السجن. وحكم على بيغال وكوليبالي بالسجن مرة أخرى بينما استبعد كواشي من القضية في وقت لاحق.

ولا يوجد أي مؤشر حتى الآن على أن خطة "الفأس" كانت بذرة هجمات الأسبوع الماضي. وقال بيغال للمحققين في وقت لاحق انها كانت مشروعا لتقديم الدعم القانوني لآخرين أسقطت عنهم الجنسية الفرنسية على غراره.

وأصدرت سيلفي زوجة بيغال التي تعيش في بريطانيا بيانا إلى جماعة كيج الحقوقية التي تكافح الظلم المزعوم الذي يرتكب باسم السياسات الحكومية لمكافحة الإرهاب تقول فيه إن زوجها بريء.

وقال محاميه بيرانجيه تورن لمحطة بور إف.إم "هذا الرجل المحتجز بصفته ممثلا عن (زعيم القاعدة الراحل أسامة) بن لادن في فرنسا ليس سوى مجرم عادي."

لكن المواد الدعائية الخاصة بالقاعدة وتسجيلات فيديو لجهاديين عثرت عليها الشرطة خلال مداهمة لغرفة بيغال في الفندق الصغير كانت كافية لإقناع المحققين بالتزامه "غير المشكوك فيه" بالجهاد المسلح.

وخلال محاكمته أدين وحكم عليه بالسجن عشر سنوات يمضيها بيغال الآن في سجن رين فيزين لو كوكيت.