العراق: إعادة عقود الزواح للملا والروزخون!ّ

إسلاميات بدفع من الأحزاب يطالبن باستبدال رجل الدين بالدولة

علمنا أن حراكاً يجري لدى بعض منظمات المجتمع المدني النسوية، بدعم مالي أمريكي، يهدف إلى إلغاء سلطة محاكم الأحوال الشخصية في إبرام عقود الزواج والعودة بها إلى رجل الدين (الملا، السيد)، أسوة بما هو معمول به في مصر (المأذون). والغريب في الأمر ان تلك النسوة المنخرطات في هذا المشروع ينزعن نحو بناء دولة مدنية، الأمر الذي يجعل هذا المشروع يتقاطع مع قناعتهن هذه، ولم نجد تفسيرا لذلك. وقد كنا نتوقع أن يأتي هذا المشروع من المؤسسة الدينية مع شيوع الخطاب الديني في هذه السنوات، إلا ان العكس هو الحاصل، عليه ندرج الملاحظات الآتية حول الموضوع:

1 – ما يحسب لقانون الأحوال الشخصية رقم 188 لسنة 1959 هو تمكنه من انتزاع الغالب من مواضيع الأحوال الشخصية من سلطة رجال الدين والمؤسسة الدينية بشكلٍ عام، وإحلال سلطة القانون والمحاكم بدلاً من ذلك، وبهذا فقد وضع المعنيون في حينه اللبنة الأولى لتأسيس الدولة المدنية المبنية على أساس سيادة القانون. وهكذا استقرت الأحكام منذ تشريع القانون وحتى الوقت الحاضر، وكانت محل رضا وقبول المواطنين بمختلف مذاهبهم، وجرت الأمور من قبل المحاكم وقضاتها بشكلٍ سلس ويسير، وبذلك يكون المشرع العراقي قد سبق مأذون مصر بمدة تزيد على النصف قرن في الجانب التشريعي المتعلق بهذا الموضوع. لذا تكون الدعوة لإعادة موضوع عقد الزواج إلى رجل الدين يعني العمل على بقاء العراق في مرحلة ما قبل الدولة، وتشكل نكوصاً لهذا المنجز التشريعي الذي طالما تباهى به العراقيون في محيطهم الإقليمي.

2 – يعتبر قانون الأحوال الشخصية الزواج خارج المحكمة جريمة يعاقب عليها القانون، اذ تصل عقوبتها إلى الحبس لمدة سنة، أو الحبس لمدة تصل إلى الخمس سنوات، إذا حصل الزواج بثانية خارج المحكمة، المادة (العاشرة /5) من القانون. ولما كانت عقود الزواج التي يبرمها رجال الدين هي زواج خارج المحكمة، لذا فإن هذا الفعل يشكل جريمة يتحمل وزرها لزوج، لذا فإن المشروع ينزع نحو اعتبار الجريمة التي ينص عليها القانون فعلاً مباحاً، وهذا لا يتفق مع نشاط تلك النسوة اللاتي يعتبرن ضرب الزوج لزوجته - تأديب الزوج لزوجته - فعلاً مباحاً بموجب أحكام المادة 41 من قانون العقوبات، ويعملن على إلغاء هذه المادة، وبذلك أوقعن أنفسهن في شرك التناقض.

3 – هؤلاء الناشطات يخلطن بين المعتقد الشخصي والحقوق المدنية التي كفلها الدستور. إذ يفترض الفصل بين المعتقد الشخصي والحقوق المدنية، لكون الأول يعمل في المجال الخاص، في حين تعمل الثانية في المجال العام. ولا نبخس نشاطهن المشهود له للتصدي للمادة 41 من الدستور التي تنزع نحو تغليب الموروث والمعتقد الشخصي على الحقوق والحريات الواردة في العهود والمواثيق الدولية الخاصة بحقوق الإنسان، المصادق عليها من قبل العراق، خاصة العهد الدولي الخاص بالحقوق المدنية والسياسية، واتفاقية القضاء على كافة أشكال التمييز ضد المرأة (سيداو)، وكان لذلك الجهد آثار محمودة، إذ تمكّن من إدخال تلك المادة من ضمن المواد الخاضعة للتعديل الدستوري.

4 – عندما سألنا احدى النسوة عن سبب الحماسة لهذا المشروع، أجابت ان واقع الحال يتطلب ذلك. وفي هذا الجواب جهل واضح لوظيفة القانون. فوظيفة القانون تتجلى في الأغراض التي يهدف إلى تحقيقها، وهي صون حريات الأفراد، وتحقيق مصالحهم، وحفظ كيان المجتمع، وكفالة تقدمه وارتقائه. ولما كان القانون هو مجموعة قواعد تنظم نشاط الأشخاص في المجتمع، وتقوم على احترامها سلطة عامة توقع الجزاء على من يخالفها، لذا فأن واحدة من أهم خصائص القاعدة القانونية، كونها قاعدة سلوك، أي تنظم سلوك الأفراد في المجتمع، أي أنها تقرر أمراً تبين ما يجب عليه سلوك الأشخاص في المجتمع، ويأتمرون به قانوناً، رغم اعتقادهم بالاختلاف مع هذا الأمر، إلا أنهم ملزمين بطاعة النص على حساب ما يعتقدون. لذلك فالقاعدة القانونية هي خطاب موجه للأشخاص يتضمن القيام بعمل أو الامتناع عن عمل، والقانون أمر وليس مجرد نصيحة. والقول بأن واقع الحال يتطلب ذلك، يعني تغليب إرادات الأشخاص على النصوص القانونية الآمرة، وبذلك نسعى إلى تخريب ما تبقى لنا من نظام تشريعي.

5 – رغم الحرص الكبير والصارم الذي تبذله المحاكم، ومن خلال جهازها الوظيفي- باعتبارها سلطة- في الحفاظ على وثائق ومستندات المواطنين، وكذلك الحرص على السجلات التي تعتمدها محاكم الأحوال الشخصية الوارد ذكرها تفصيلا في المادة 312 من قانون المرافعات المدنية، إلا أن الأمر لا يخلو من التجاوز عليها من قبل بعض ضعاف النفوس من الموظفين، بغية التلاعب في المعلومات التي تتضمنها تلك المستندات والوثائق والسجلات، كتحريف أو إخفاء المعلومات المدونة فيها. ولنا أن نتصور (الملا) بسجلاته المتهرئة، والمعرضة دوماً للتلف والضياع، او التضييع والإتلاف، ويكون الأمر أكثر سوءاً إذا كانت تحت متناول الأهل والأقارب والأغيار. وهكذا اذن نبدل جهاز الدولة الرصين برجل لا نعرف من هو وما هي نواياه، مع محدودية معرفته بالأحكام الشرعية والقانونية، ونحيل بذلك منجزنا التشريعي موضوع التباهي إلى مجرد حطام يلهو به (الملا والروزخون).

5 – ان هذا المشروع ينسجم مع كل المحاولات الهادفة إلى إلغاء قانون الأحوال الشخصية التي يتبناها العديد من رجال الدين، ثأراً لإعادة سلطاتهم التي انتزعها القانون منهم منذ عام 1959، مروراً بالقرار سيئ الصيت المرقم 137، الذي أصدره مجلس الحكم، والمتصدى له من قبل منظمات المجتمع المدني، والنسوية منها على وجه الخصوص، والهادف إلى إلغاء قانون الأحوال الشخصية، والاعتماد على ما تفرضه المذاهب من أحكام في موضوع الأحوال الشخصية، اذ تمكن ذلك الجهد المدني من إلزام رئيس سلطة الائتلاف المؤقتة في حينه إلى إيقاف ذلك القرار، ولم تكتفي الناشطات بذلك، بل انتزعن قراراً آخر من مجلس الحكم يلغي قراره 137، فكان نصراً للمرأة شاركت فيه ذات النسوة صاحبات المشروع الحالي، والمتصديات حاليا لمشروع قانون الأحوال الشخصية الجعفري .

6 – إذا أسلمنا جدلاً بإسناد إبرام عقود الزواج إلى رجل الدين والملا، فمن الذي يضمن لنا أن هؤلاء الأشخاص سوف يلتزمون بنص القانون ولا تبرز لديهم النزعة الطائفية في تحرير العقود تلك؟ فتخرج لدينا عقود زواج بنكهة طائفية، مما ينتج عنه عدم تجانس العقود تلك واختلافها من حيث الصياغة والأهلية لعقد الزواج، بما في ذلك الاختلاف في سن الزواج واختلاف شروطه، وهذا يعني الشروع بتطبيق المادة 41 من الدستور، التي هي مادة خلافية ومعهود أمرها إلى لجنة التعديلات الدستورية، وبذلك نزلنا بالمواطن من حالة المواطنة إلى حالة الهوية الجزئية، وأدخلنا أنفسنا في مشاكل لا حصر لها.

لنا أن نتصور الغبطة والفرحة العارمة التي يرفل ويرحب بها رجال الدين، في حالة إقرار هذا المشروع، عندما يجدون من يحمل عنهم العبء، ويحقق لهم هذا الحلم من ناشطات آثرن الاصطفاف مع رجال الدين، وفقدن القدرة على التمييز، ويفرطن بواحد من أهم منجزات الوطن التشريعية، ولا عتب على الممول الأمريكي، لكونه مستمراً في إيذاء العراق منذ عقود عدة.

هادي عزيز علي

قاضٍ وباحث قانوني