التوظيف السياسي والعسكري لهجوم باريس الإرهاب: هل يشهد العالم إعادة مكررة لما بعد 11 سبتمبر 2001؟

طغت على وسائل الإعلام الدولية وغيرها خاصة في نصف الكرة الأرضية الغربي خلال الثلث الأول من شهر ينابر 2015 أخبار الهجوم الدامي وسط العاصمة الفرنسية باريس على مقر الصحيفة الأسبوعية الساخرة شارلي إبدو يوم 7 يناير والذي خلف 12 قتيلا وأكثر من 20 جريحا، الذي تبعته عملية مطاردة وقتل المتهمين بإرتكاب العملية وهما الاخوة سعيد وشريف كواشي، ثم عملية إحتجاز الرهائن وقتل أربعة منهم في محل لبيع الأطعمة الخاصة باليهود والمتهم بإرتكابها أميدي كوليبالي.

الكثير قيل ويقال حول هذه الأحداث وأبعادها، المهم هو أن البعض سواء في فرنسا أو خارجها سعى إلى البحث عن المعطيات والأطراف التي يمكن أن تلقي الأضواء على هذا العمل الإرهابي الذي حاول البعض أن يقارنه بهجمات 11 سبتمبر 2001 على نيويورك وواشنطن بهدف استغلاله بنفس الطريقة التي أعتمدها سيد البيت الأبيض في ذلك التاريخ جورج بوش ليبدأ ما سماه الحرب على الإرهاب، ويقوم تحت هذا الغطاء بغزو وإحتلال أفغانستان والعراق ثم توسيع التدخل ليشمل تدريجيا وبأساليب مختلفة وبمعونة إسرائيل وأطراف أخرى غالبية دول منطقة الشرق الأوسط.

السؤال الأكثر إلحاحا هو من المستفيد الأول من هجوم باريس، وما تتوقعه المخابرات البريطانية ورئيسها أندرو باركر بعده من تكثيف للهجمات في دول غربية أخرى والقول أنه من الصعب التصدي لمثل هذه الأعمال الإرهابية؟.

ما بين الإسلام والاسلاموفوبيا

كتب الدكتور أحمد الطيبي، رئيس الحركة العربية للتغيير:

الإرهابيون القتلة هم المسؤولون أولاً عن جريمة قتل الصحفيين في باريس وليس الإسلام. ففي الولايات المتحدة جرت عشرات الجرائم البشعة بنفس الطريقة، رشاش أوتوماتيكي وقتل جماعي وأُتِهم المنفذ فقط بأنه إرهابي وليس ديانته أيا كانت.

أما الاعلام الإسرائيلي فسارَع لذِكر أن أحد الضحايا هو رسام يهودي وأغفَل حقيقة أن ضحيةً أخرى وهو الشرطي هو مسلم.

إن ما نشرته مجلة الرسومات الكاريكاتورية التي نفذت فيها الجريمة لا يدخل في باب حرية الرأي المقبولة، وإنما تحريض على الأديان والرموز الدينية "لجميع الأديان"، وبالرغم من ذلك فمواجهة ذلك لا تتم بالقتل والعنف والإرهاب. هذا كريه ومرفوض أخلاقيا ودينيا ومبدئيا.

لقد تزامنت الجريمة مع رسومات تسيء لداعش والبغدادي وليس مع الإساءة للرسول الكريم والتي حصلت قبل عدة سنوات.

فالمجرمون قتلوا الشرطي المسلم بدم بارد خارج المبنى وهو لا علاقة له بالرسومات إياها.

هؤلاء الإرهابيون التكفيريون كانوا أحبة الغرب من أجل استعمالهم ضد آخرين لا يتماشون مع الغرب ومشاريعه الإستعمارية والتقسيمية للوطن العربي والأمة العربية والإسلامية.

وكانت هناك بطبيعة الحال صدمة، والصدمة خدعت جزءا من المسلمين وجعلتهم يصدقون رواية أن العملية هي فعلاً "انتقام لرسول الله"، وأنستهم أن العملية هي انتقام من المسلمين في فرنسا وفي الغرب والذين تنتظرهم أيام صعبة مليئة بجرائم الإسلاموفوبيا والكراهية من قبل فئة كبيرة من غير المسلمين الذين سيقعون تحت تأثير الصدمة وسيصدقون أن المسلمين يتبنون العملية وأن العملية كانت إسلامية وفق مبادئ الإسلام ولأجل الإسلام.

وفعلا لقد حدثت اعتداءات على عدة مساجد في فرنسا في أعقاب الجريمة والخوف ينتاب مسلمي فرنسا وأوروبا عامة.

ماريو لوبين زعيمة اليمين سارعت للقول إن المسؤول هو المجرم الذي نفذ الجريمة وليس المسلمين جميعا، بينما اليمين الإسرائيلي اليهودي وخاصة نفتالي بنت، سارع للرقص على دماء الفرنسيين والغمز من جهة الإسلام والمسلمين والشماتة لما جرى للفرنسيين.

الإسلاموفوبيا هي ليست مجرد ظاهرة اجتماعية وإنما لاسامية خالصة، لنكرر دائما: الإسلاموفوبيا هي لاسامية.

أنا لست شريكا ولا يمكن أن نكون شركاء في حملة التضامن مع تلك المجلة، "شارلي إيبدو"، وهي التي أطلق عليها حملة "أنا شارلي" لأنهم يحتقرون ديني بالرغم من رفضي المطلق واستنكاري للجريمة الفظيعة.

انا مع حملة "أنا محمد". ‫

نستنكر الجريمة النكراء ونتعاطف مع عائلات القتلى الضحايا مسيحيين ويهود ومسلمين لأننا نحمل قيم الإنسانية ونقدس الحياة لجميع أبناء البشر. قلبي مع مسلمي فرنسا وأوروبا.

رحم الله الإمام الغزالي..ورحم الله الشيخ أحمد ديدات بحديثهم عن مسلمين يشوهون الإسلام ويبعدون الناس عنه.

الغرب هو صانع الإرهاب

إذا كان أحمد الطيبي قد اتهم بعض دول الغرب بصنع التنظيمات الإرهابية لضرب خصومها، فإن رئيس الوزراء الفرنسي السابق دومينيك دوفيلبان جاء بتوجه مماثل حيث صرح يوم 10 يناير بأن الغرب هو الذي صنع ما وصفه "الارهاب الاسلامي" وطالب الغرب بـ "الوقوف امام هذه الحقيقة المؤلمة التي شاركوا بقوة في صنعها".

وكان دو فيلبان قد وصف في مقابلة تلفزيونية تنظيم "داعش" بانه "الطفل الوحشي لتقلب وغطرسة السياسة الغربية" معتبرا أن التدخل العسكري في أفغانستان والعراق وليبيا ومالي ساهم في "تضاعف أعداد الجهاديين الإرهابيين الذين كانوا بضعة آلاف وأصبحوا يعدون أكثر من ثلاثين ألف مقاتل". وقال رئيس وزراء فرنسا السابق بأن هذا التنظيم "يكشف الإرهاب الحقيقي ويبرئ المسلمين من هذه الأعمال الإجرامية". كما طالب الغرب بالوقوف أمام الحقيقة المؤلمة التي شاركوا بقوة في صنعها.

وفي مقال نشرته صحيفة "لوموند" الفرنسية، قال دو فيلبان إن "فرنسا تجر إلى حرب خارج السيطرة"، مؤكدا ضرورة المحافظة على القيم الديمقراطية للدولة الفرنسية وتعزيز كل السبل لبناء "إسلام فرنسي" معتدل بعيد عن التطرف.

رئيس الوزراء الإسرائيلي بنيامين نتنياهو أستغل أحداث باريس ليغطي على جرائم النظام الصهيوني وليدعو يهود فرنسا وأوروبا للهجرة إلى إسرائيل، وقال أشارك في مسيرة من أجل إطلاق حملة جديدة على الإرهاب الإسلامي الذي يهدد كل الإنسانية. وسأشارك في مهرجان تقيمه الجالية اليهودية في فرنسا بحضور الرئيس فرانسوا هولاند سأقول فيه إن كل يهودي يريد الهجرة إلى إسرائيل سيستقبل هنا بأذرع مفتوحة"، "أريد أن أقول لكل اليهود الفرنسيين والأوروبيين إن إسرائيل هي موطنكم".

وكان نتنياهو قد أعلن في وقت سابق عن عقد اجتماع للجنة إسرائيلية حكومية لبحث سبل تشجيع هجرة اليهود من فرنسا وأوروبا ومناطق أخرى إلى إسرائيل، المعروف أن تعداد يهود فرنسا يقارب 600 الف وجاليتهم هي الثانية عالميا بعد تلك الموجودة في الولايات المتحدة وكانت فرنسا في 2014، وللمرة الأولى منذ إعلان قيام إسرائيل في 1948، بلد الهجرة الأول إلى الكيان الصهيوني، إذ غادرها أكثر من 6600 يهودي للاستقرار في الدولة العبرية، في مقابل 3400 عام 2013. زيادة على ذلك فإن الأجهزة الإسرائيلية كانت قد رفعت في سنة 2014 تقريرا إلى الحكومة تحذرها فيه من أن الفلسطينيين داخل حدود فلسطين التاريخية سيفوقون عددا المستوطنين الصهاينة سنة 2017.

من جهته قال وزير الخارجية الإسرائيلي أفيغدور ليبيرمان إن "مكافحة الإرهاب الإسلامي هي عبارة عن صراع القيم، صراع تقف فيه إسرائيل مع العالم الحر في صف واحد".

في رد على هذه الدعوات، أكد الرئيس فرانسوا هولاند أن "مكان يهود فرنسا هو فرنسا"، متعهدا "بملاحقة معاداة السامية والقضاء عليها".

رغم رد الرئيس الفرنسي حصل نتنياهو على موافقة لدفن اليهود الفرنسيين الأربعة، الذين قتلوا في المتجر اليهودي في القدس وهو قرار رمزي كبير سيشجع هجرة اليهود الفرنسيين، والخائفين منهم نحو كيان يعاني من هجرة معاكسة، وترميم سمعة إسرائيل مجددا كملجأ للهاربين من أوروبا "الإسلامية" بعد "اللاسامية".

الأميركيون من جانبهم، انتهزوا انعقاد اجتماع وزراء الداخلية الأوروبيين في باريس، الذي حضره وزير أمنهم اريك هولدر، للإعلان عن عقد قمة عالمية لمكافحة الإرهاب في 18 فبراير المقبل في واشنطن، وليس في باريس كما تفرضه الأحداث، ووقوع العاصمة الفرنسية ضحية لهجمات القاعدة وتنظيم "داعش" معا كما تبين في شريط مصور لأحمدي كوليبالي.

وجلي أن الأميركيين سيحاولون توسيع تحالفهم ضد الإرهاب، انطلاقا من نتائج عملية باريس، علما أن اجتماع وزراء الداخلية لم يقدم من اقتراحات ما يمكن أن يعد جديدا، إذ استعاد الوزراء اقتراحات قديمة ومعروفة عن ضرورة مكافحة عمليات التجنيد التي تقوم بها الجماعات "الجهادية" في الغرب عبر شبكة الانترنت، ودرء خطر انضمام المزيد من الأوروبيين "قريبا" إلى هذه الجماعات، وهو مؤشر جديد، على تقدم "القاعدة" و"داعش" في السباق مع الأوروبيين على الشبكة العنكبوتية، من اجل إنشاء المزيد من الخلايا، أو استقدام مقاتلين و"مجاهدات" وقد كشفت تقارير نشرت في صحف أنقرة أن أكثر من 12 ألف تركي أنضموا مؤخرا لتنظيم "داعش".

أما بشأن إعادة مراجعة الملفات الإقليمية، وطريقة إدارتها، فكان وزير الخارجية الفرنسية لوران فابيوس، قد أجاب في أول مقابلة صحافية بعد "شارلي ايبدو" عما إذا كانت الأولوية لا تزال الحرب على "داعش" أو إسقاط النظام السوري، بأنه "لا بد من تغيير نظام دمشق، مع الاحتفاظ ببعض عناصره مع المعارضة المعتدلة".

الغرب ومغازلة المنظمات الإرهابية

في العاصمة الروسية التي لها جهاز إستخبارات ضخم طالما أثار خشية الغرب، تم إستغلال الحادث لإماطة اللثام عن كثير من الحقائق التي تؤكد من وجهة نظر روسيا، مدى زيف مواقف الغرب تجاه مكافحة الإرهاب ومعاييره المزدوجة.

فقد أكدت وسائل الإعلام الروسية مسؤولية الغرب تحديدا تجاه الأحداث التي وقعت في العاصمة الفرنسية وما يشابهها، فهو الذي سبق ووقف وراء ظهور التيارات والتنظيمات الإرهابية لتصفية حسابات سياسية مع كل من اتخذ منه، ومن توجهاته ومخططاته موقف العداء. وركز المعلقون والمراقبون في موسكو ممن انبروا لتحليل أبعاد وخلفيات هجوم باريس، على الدور المريب الذي تلعبه الأجهزة الغربية في مغازلة ودعم هذه التنظيمات الإرهابية الإجرامية التي تحرص على تشكيلها ورعايتها لتنفيذ مآرب ذاتية.

فالغرب وحكوماته كان أول من ساهم في تشكيل وتدريب المجموعات والتنظيمات الإرهابية تحت ستار ما سمي خلال عقد الثمانينات من القرن الماضي بمواجهة الغزو السوفيتي في أفغانستان. حيث تم افتتاح معسكرات تدريب "المتطرفين" في عدد من البلدان الإسلامية والعربية وتسليحهم بأسلحة سوفياتية، وتكوينهم على أيدي مدربين عسكريين أميركيين وغربيين، بتمويل مباشر من بعض البلدان العربية والإسلامية، وطبعا المخابرات المركزية الأميركية.

وأشار هؤلاء المراقبون إلى ظهور "القاعدة"، ولم يستثنوا من ذلك حماس التي قالوا إنها ظهرت لضرب منظمة التحرير الفلسطينية والتصدي لنفوذ حركة فتح في الأراضي الفلسطينية المحتلة. ومضى هؤلاء أيضا للتذكير بما فعل "رفاق الأمس" في الشيشان وشمال القوقاز حين قاموا بتمويل كتائب المتطرفين للدفع بها إلى جنوب روسيا للإجهاز على ما بقي من وحدة أراضي الاتحاد السوفيتي السابق في تسعينات القرن الماضي تحت شعارات "مواجهة الكافرين". وانتقل هؤلاء إلى الماضي القريب الذي شهد انحياز الغرب إلى "الإخوان المسلمين" في مصر والشام، ومناصبة النظام الجديد في مصر العداء، ووقوفه وراء دعم وتسليح تنظيمات "جبهة النصرة" و"داعش" وتنظيمات أنصار بيت المقدس وفجر ليبيا وأنصار الشريعة وغيرها.

إذن المسألة هنا لم تكن دفاعا عن مبدأ أو عقيدة، ولم تكن إعلاء لقيم حرية الكلمة وحق الإنسان في التعبير عن معتقداته وآرائه. إن المسألة وباختصار تكمن في البحث عمن يتولى أعباء "تنفيذ السياسات والمخططات"، الرامية إلى إثارة الاضطرابات والفرقة في بلدان الشرق الأوسط الكبير بعد تبدي بوادر فشل "ثورات الربيع العربي" في الشرق الأوسط وشمال أفريقيا التي حاولت واشنطن ركوبها وإستغلالها لتنفيذ مشروع الشرق الأوسط الجديد. وأشارت وسائل الإعلام الروسية أيضا إلى أن الكثيرين من مواطني البلدان الغربية، وخصوصا من فرنسا وبريطانيا، كانوا قد سارعوا بالانضمام إلى "داعش" عبر الأراضي التركية تحت سمع وبصر حكومات تلك البلدان وأحيانا بدعمها، ودون اعتبار لقيم أو مبادئ أو تقدير لما سوف يكون الحال عليه في المستقبل، أو لما سبق وعاشته المنطقة بعد خروج السوفيات من أفغانستان، وما يلقاه العراق بعد غزوه وإحتلاله أو ليبيا حيث تم تدمير نظام حافظ على توزان إقليمي لتحل مكانه بؤرة لتوزيع ونشر الفوضى في كل شمال أفريقيا والساحل.

سياسة الخداع

تشير مصادر رصد أوروبية إلى أن هناك شكوكا كثيرة حول جدية الحملة العسكرية التي تخوضها واشنطن ضد داعش، فعلى الرغم من تنفيذ طيران التحالف الدولي خمسة آلاف غارة، بحسب ما أعلن البنتاغون بداية سنة 2015، إلا أن التنظيم ما زال قادرا على التحرك وترسيخ وجوده في مناطق جديدة ليس في العراق وسوريا فحسب بل بعيدا عنهما.

في اليمن استطاع فرض وجوده على تنظيمات مسلحة أخرى، وأصبح يمتلك بنية هيكلية وقيادات تتحرك في السر والعلن وبدأ في العمل ضد السعودية والإمارات العربية، وهو بصدد القيام بتحركات جديدة في منطقة المغرب العربي وخاصة ليبيا وتونس والجزائر.

في ليبيا، نجح التنظيم في توسيع عملياته، مع الاستمرار في السيطرة على مدينة درنة التي تعتبر مركز إقليم برقة، حيث أعلن "ولايته" الأولى في البلاد.

كتب صحفي لبناني:

إرهاب في الغرب مزيد من جنود في العراق. معادلة كرستها سياسة الولايات المتحدة تجاه الوطن العربي منذ هجمات 11 سبتمبر عام 2001، وما تبعها من اتهامات تأثر بها الرأي العام الغربي، بما مهد لإرسال ما يقارب المئتي ألف جندي أميركي إلى الشرق الأوسط، بعد أقل من عامين على توجيه الاتهام الكذبة إلى نظام الرئيس صدام حسين بارتباط استخبارات بلاده بتنظيم "القاعدة".

اليوم، يعيد مشهد الهجوم على مجلة "شارلي ايبدو" إلى الأذهان أجواء تلك المرحلة، وثمة قلق جدي من أن يخفي التعاطف العارم مع ضحايا "الإرهاب" في فرنسا، خططاً أوروبية أميركية لتكرار النهج ذاته، وإن بسيناريو مختلف.

الإرهاب هو الإرهاب، وهو عارض طارئ في فرنسا وعليها يمكنها أن تكافحه حتى القضاء عليه، ولو بعد حين، مهما استخدم من ذرائع ومبررات ووسائل الإجرام.. فهو "وافد" عليها من خارجها، ولو نجح في تجنيد بعض من يقيم فيها... أما عندنا فإن التنظيمات الإرهابية، مثل "داعش" و"النصرة"، تسكن بين بيوتنا ويحمل القتلة بشعار "الجهاد" أسماءنا ولهم لون بشرتنا، والأخطر أنهم ينكرون علينا ديننا ويحاكموننا بما يحرفون أو يبتدعون من التعاليم والأوامر والنواهي باسمه، ويخادعون أنفسهم بالادعاء أن دماءنا هي طريقهم المختصرة إلى الجنة!.

لقد برأ الإرهابيون الذين يغطون جرائمهم بالشعارات الإسلامية، فرنسا ومعها الولايات المتحدة وبريطانيا وإيطاليا وهولندا وبلجيكا من جرائمها الفظيعة خلال الدهر الاستعماري وسحقها حقوق الإنسان، بل الإنسان ذاته، في مستعمراتها... وكان "العرب" خاصة، في مشرقهم كما في مغربهم، ومعهم المسلمون عامة، في موقع المتهم بل المدان سلفا بارتكاب الجرائم ضد الإنسانية، بينما هم بمئات الملايين منهم ضحاياه الدائمين، بداية من عصر الاستعمار الغربي القديم والجديد.

ومن حق "داعش" و"النصرة" وغيرهما أن يطالبوا نتنياهو، أقله، بتوجيه الشكر إليهم على تحويله إلى "مناهض للتمييز العنصري" و"مناضل من أجل كرامة الإنسان وحقه في التعبير عن رأيه"، وهو السفاح بامتياز، وموقعه الفعلي إلى جانب قيادات "القاعدة" ومتفرعاتها، بل هو أعظم شأنا بتراث أسلافه من السفاحين في اغتيال فلسطين بأرضها وحقوق شعبها فيها.. وآخر إنجازاته الحرب على غزة، ودماء ضحاياها لم تجف بعد.

الرئيس الفرنسي فرانسوا هولاند أصر خلال زيارته الأخيرة للعراق، على إظهار حرصه تجاه اللاجئين العراقيين "المسيحيين" في أربيل، مبرزا اهتماما فرنسيا خاصا بـ "المساعدة" على "حل مشكلتهم"، ومنصبا نفسه، من خلال سلسلة "مؤتمرات المسيحيين العراقيين" في فرنسا في ما بعد، المدافع الأول عن "حقوق الأقلية المسيحية"، فيما أظهر موقع "أليتيا"، الذي يقدم نفسه كموقع يطرح "شؤون الكاثوليك" في العالم أن "المقاتلين المسيحيين المنخرطين ضمن وحدات حماية سهل نينوى"، والتي أعلن عن تشكيلها مؤخرا، سيكونون جزءا من مشروع "الحرس الوطني"، لتؤكد بعدها إحدى المنظمات المسيحية الأميركية "منظمة بلاد ما بين النهرين"، أنها ستضغط باتجاه إنشاء "إقليم سهل نينوى".

ونقل موقع "اليتيا" عن مدير المنظمة الاميركية المولود في بغداد ديفيد دبليو لازارا أن تمويل "الميليشيا المسيحية" يأتي من "المجتمعات الآشورية في المهجر وتحديدا في الولايات المتحدة وأوروبا"، كما أنها "في نهاية المطاف" ستطلب المساعدة من "الحكومات الأوروبية والولايات المتحدة".

وفي السياق ذاته، تتسع دائرة الطروحات الأميركية الجديدة للعراق يوما بعد يوم، ويقول السفير الأميركي الأسبق لدى العراق جيمس جيفري في حديث إلى مجلة "فورين بوليسي" إنه "لا يمكن الحصول على عراق آمن حتى بعد القضاء على التنظيم المتطرف داعش، لأن التمزق موجود فعليا في البلاد"، معتبراً أن "الأكراد والسنة والشيعة منقسمون في ما بينهم"، وهي حالة تحتم على الوضع العراقي الحاجة إلى "وجود أميركي طويل الأمد أو التقسيم من أجل "تجنب الصراعات المذهبية".

موازنة بين العقل والعاطفة

كتب الفيلسوف وعالم الاجتماع إدغار موران مقالا تحليليا، خص به صحيفة "لوموند الفرنسية"، حول الهجوم على مجلة "شارلي إبدو"، مهده باستحضار العبارة التي قالها الرئيس الفرنسي، فرانسوا هولاند، بأن: "فرنسا ضربت في الصميم".. ويضيف موران بأنها "ضربت في صميم طبيعتها العلمانية وفكرتها القائمة على الحرية"، وجسد هذا الفعل في الهجوم على مثل هذه المجلة أساسا، التي تتخذ من المقدس بجميع أشكاله، خاصة ما يتعلق بالدين، مادة للتهكم والسخرية.. وأعتبر أن "عدم الاحترام" الذي تبديه المجلة يظل محصورا في نطاق: "الضحك والفكاهة"، وهو الأمر الذي يضفي على الهجوم طابع "الغباء المرعب"، حسب موران.

وحاول الفيلسوف والسوسيولوجي الفرنسي أن يوازن بين العقل والعاطفة بخصوص هذا الهجوم، معتبراً أنه: "لا ينبغي لعواطفنا أن تقصي العقل، ولا ينبغي للعقل أن يحجب أو يقلل من عواطفنا" وفقا لتعبيره.

واعترف إدغارد موران بصعوبة الحسم فيما يعتبره "تناقضا محيرا لا يمكن التغلب عليه"، ذلك ما دفعه إلى طرح التساؤل التالي:"هل ينبغي فسح المجال أمام حرية الإساءة لمشاعر المؤمنين بالإسلام، وإهانة صورة نبيهم أو أن حرية التعبير تتجاوز كل الاعتبارات الأخرى؟"، مؤكدا في الوقت ذاته باصطفافه إلى جانب المعارضين لتدنيس الأماكن والأشياء المقدسة.. إلا أنه عاد ليثير امتعاضه وشجبه للعنف، وعبر عن رعبه واشمئزازه من الهجوم ضد المجلة الساخرة "شارلي إبدو".

واعتبر موران أن هذا "الهجوم الخسيس" هو أحد تجليات الحرب الأهلية الدائرة في الشرق الأوسط وكذا الحرب العالمية التي تشن في هذه المنطقة والتي اصطفت فيها فرنسا إلى جانب الولايات المتحدة. ويرى موران أن هذه الصراعات والحروب قد ظهرت داخل فرنسا.

ولم يغفل عالم الاجتماع الإشارة إلى تنامي تنظيم الدولة الإسلامية "داعش"، وأكد أن صعود نجم هذا التنظيم هو أحد تجليات مخلفات الحرب في العراق وسوريا، والتدخلات العسكرية الأميركية في العراق وأفغانستان، التي ساهمت في تفكك وانهيار ما أسماه "الدول المركبة إثنيا ودينيا كالعراق وسوريا".

وانتقد سياسة الولايات المتحدة في حربها ضد الإرهاب وفشل الائتلاف غير المتجانس نظرا لإقصائه العديد من الدول المعنية بالمسألة، ونظرا لهدفها المستحيل الذي حصرته في السلام واستعادة وحدة العراق وسوريا. ويرى الفيلسوف أن المخرج الوحيد السلمي "غير القابل للتحقق في الوقت الراهن" هو تأسيس "كونفدرالية كبيرة من الشعوب، والاثنيات، وأديان الشرق الأوسط، تحت إشراف منظمة الأمم المتحدة، كحل وحيد لمسألة الخلافة"، حسب تعبير موران.

وانتقل إدغار موران إلى استحضار جل الفاعلين الأساسيين الحاضرين في الموضوع وحصرهم في: "الطيران الحربي الفرنسي، والفرنسيين المسلمين الذاهبين للجهاد، والمسلمين الفرنسيين العائدين من الجهاد"، واعتبر أن ما يحدث في الشرق الأوسط أصبح حاضرا داخل التراب الفرنسي عبر نشاط القتل، ومن تجلياته الهجوم الأخير على مجلة "شارلي إبدو". ولفت الانتباه إلى أن "الصراع الإسرائيلي الفلسطيني يظل بدوره حاضرا داخل فرنسا".

وعلاوة على ذلك، أشار عالم الاجتماع إلى وجود مصادفة، تبقى عرضية، بين "الإسلام الاصولي الذي يحث على القتل وبين الكتابات الاسلاموفوبية لزمور وويلبك وميشل هويلبيك، اللذين أصبحا يمثلان نزعة مرضية اسلاموفوبية خطيرة ليس فقط في فرنسا، ولكن أيضا في ألمانيا والسويد".

وعرج إدغار موران على ما أسماه "انتصار الفكر الاختزالي".. ليس فقط لان "المتعصبين القتلة" يؤمنون بمحاربة الصليبيين وحلفائهم اليهود، ولكن أيضا لان الاسلاموفوبيون يختزلون العربي في معتقده الإسلام، ويختزلون الإسلامي في المتأسلم، والمتأسلم في الأصولي، والأصولي في الإرهابي" حسب رأي موران.. لتصبح هذه المعاداة للإسلام، حسب موران، أكثر راديكالية وأكثر هوسا، إذ تصبح مثل "معاداة السامية" التي استعرت قبل الحرب العالمية واثناء حكومة فيشي، لكن الفرق هو أن المسلمين الذين سيكونون ضحايا لهذه المعاداة الآن هم "أكثر عددا من اليهود الذين عانوا من معاداة السامية، وبالتالي عددا أكبر من الضحايا".

وخلص إدغار موران، ضمن ذات المادة التحليلية، إلى أن الخوف سيتعاظم، سواء عند الفرنسيين من أصل مسيحي أو عند أولئك الذين ينحدرون من أصول عربية".. ويضيف أن "بعضهم سيشعرون بأنهم مهددون من قبل الآخرين.

والمعروف أن نشر الرسوم تعرض لانتقادات حتى في الغرب حيث اعتبرها الرئيس الفرنسي السابق جاك شيراك في 2012 "استفزازا".

وقد دافع الصحفي في "شارلي إيبدو"، لورنت ليغار، عن قرار المجلة التحريري في ذلك الوقت قائلا: "الهدف كان التسلية والضحك، كنا نريد أن نضحك على المتشددين الذين يمكن أن يكونوا مسلمين، أو يهود أو كاثوليك. يمكن لكل شخص أن يكون لديه التزام ديني، ولكن لا يمكننا قبول الأفعال والأفكار المتشددة".

عواقب غير محمودة

كارلو إنفيرنتسي أكسيتي المحاضر في العلوم السياسية في معهد الدراسات السياسية في باريس كتب:

يمكن أن يؤدي الهجوم إلى عواقب غير محمودة. وبعيدا عن الحزن على الضحايا وأقاربهم فإن كثيرين يحاولون التكهن بردود الفعل السياسية التي ستظهر بعد هذا الهجوم.

في كلمة ألقاها الرئيس الفرنسي فرانسوا هولوند بمكان الهجوم بعد ساعات قليلة من وقوعه دعا إلى "الوحدة الوطنية" في مواجهة "مأساة تؤثر على الجميع." ومع ذلك فإن من الواضح أن الهجوم ينطوي على خطر إشعال لهيب وضع متوتر بالفعل ليس في فرنسا وحسب وإنما في أوروبا كلها.

تشير التقارير بقوة إلى أن الهجوم مرتبط بشكل من أشكال التشدد. وإذا تأكد ذلك فإن النتيجة يمكن أن تكون زيادة كبيرة في الخطاب المناهض للمسلمين في أوروبا.

إذا اضطرت حكومة هولوند المنهكة فعليا إلى مجاراة البرنامج المناهض للمسلمين الذي يتبناه اليمين المتطرف فإنها قد تضطر لاتخاذ بعض القرارات غير الحكيمة.

على سبيل المثال إذا اتضح أن هناك احتمالا لأن يكون الهجوم مرتبطا بتلقي المهاجمين الدعم أو التدريب العسكري من منظمات إسلامية تعمل في الخارج فماذا سيكون رد فعل الرئيس الفرنسي والرأي العام؟

من أجل تقييم المخاطر فربما يكون من المهم دراسة السياق الأوسع الذي وقع فيه الهجوم. وإذ نفعل ذلك فإننا لا نقدم بأي شكل تبريرات أو نبرئ ساحة مرتكبي تلك الهجمات. تلك الأفعال يجب أن تدان بلا تحفظ. لكن في الوقت نفسه من المهم ألا تغيب عنا القضايا والأحداث التي تشكل الهجمات.

يوم الاثنين 5 يناير في درسدن بألمانيا شارك أكثر من 18 ألف شخص في مظاهرة نظتمها جماعة "الأوروبيون الوطنيون ضد أسلمة الغرب". وتم تنظيم مظاهرات مماثلة مناهضة للمسلمين في شتوتغارت ومونستر وهامبورغ.

وقبل ذلك ببضعة ايام شهدت السويد ثلاث هجمات بالقنابل الحارقة على مسجد. ووقعت تلك الهجمات في غضون أسبوع واحد. في تلك الدولة كان الرد الرئيسي هو مظاهرة ضد العنصرية أمام البرلمان بينما دعت وزيرة الثقافة السويدية الحكومة إلى التدخل لمواجهة إرهاب الإسلام.

في فرنسا نشر رسم على غلاف أحدث عدد من شارلي إبدو قبل الهجوم يصور الروائي المثير للجدل ميشيل ويليبيك الذي يتخيل في أحدث كتبه مستقبلا كارثيا يتولى فيه رئيس إسلامي مقاليد السلطة في فرنسا. وصدر العدد يوم الهجوم.

ومن التفاصيل الرئيسية التي لاحظها المعلقون رمزية الانتخابات في أحداث الرواية. تفوز جماعة "الإخوان المسلمين" الفرنسية التي يتخيلها الكاتب بجولة إعادة في الانتخابات مع منافس غير بعيد عن الواقع هو حزب الجبهة الوطنية الذي تقوده مارين لوبان الأمر الذي يترك الناخبين بلا خيارات سوى انتخاب مرشح متطرف.

اما الوسط فليس له مكان. وكما قال المؤلف نفسه لاحقا في مقابلة مع مجلة "ذا باريس ريفيو" فإن هذا العنصر يعكس مخاوفه من أن السياسة الفرنسية ربما تكون تمر بعملية تحول إلى صراع بين "الإسلاميين" و"الوطنيين".

السيناريو المتخيل سيكون كابوسا حقا. لكن هل هذا التضاد الثنائي هو الطريقة المثلى للنظر إلى المشكلة؟.

الخطر الأكبر الآن هو السقوط في شرك وضع الهجوم في إطار الصراع بين الإسلام والغرب.

من ناحية فإن وضع الهجوم في هذا الإطار هو بالضبط ما يريده الإرهابيون، إنها الطريقة التي ينظرون بها الى العالم، وهو إطار تكون لأفعالهم معنى فيه.

من الناحية الأخرى فهي طريقة تضمن تحويل الاهتمام عما هو معرض للخطر في الصراع ضد الإرهاب مثل قيم الانفتاح والتعددية والتسامح التي يزدريها الإرهابيون بوضوح.