المرجعية الكردية بين الرفض والقبول

المراجع في الدول المتحضرة والديمقراطية تتمثل في البرلمان، المنتخب بدوره من قبل الشعب مباشرة بموجب دستور عصري ينظم الحياة السياسية والاجتماعية والثقافية والاقتصادية الخ، ويتبع مجموعة من الضوابط والأنظمة والقوانين والمواد وتحديد حقوق وواجبات يتفق عليها أغلبية الشعب في استفتاء عام.

لم ينتخب ممثلو المرجعية الكردية السورية من قبل الشعب مباشرة وإنما من قبل أنفسهم وأحزابهم وتربعت نفس الشخصيات تقريباً على مقاعد المرجعية التي فشلت منذ عقود في توحيد الطاقات الكردية. ونفس الشخصيات منذ أكثر من ثلاث سنوات جعلوا من أنفسهم ضمن قائمة ممثلين عن أكراد سوريا دون تحقيق أي إنجاز سياسي يذكر لا داخلياً ولا خارجياً وأغلبهم من خيرة خبراء وأصحاب الانشقاقات الذين مزقوا جسم الحركة الكردية إلى عشرات التنظيمات الصغيرة.

بما أنه لا يوجد لدى أكراد سوريا كيان معترف وفي ظل فوضى عارمة التي تجتاح البلاد فمن حق جميع المجموعات البشرية السورية وبما فيهم الأكراد بناء الإدارات وتشكيل الهياكل العسكرية والسياسية طالما أنها تهدف في نهاية المطاف إلى حماية المنطقة من الارهاب والبراميل المتفجرة للنظام والخطر المحدق بهم من كافة الجهات وتحصين الأمن الداخلي والخارجي وإدارة شؤون ناس حتى تتضح الأمور وتضع الحرب أوزارها ومن ثم اتفاق السوريين فيما بينهم على كيفية ونوعية الحكم.

بعد مرور أكثر من ثلاث سنوات على الثورة السورية والتي تحولت إلى أزمة حقيقية تشابكت فيها مصالح وأهداف إقليمية ودولية، وبعد حدوث إخفاق في الاتفاقيات الكردية الكردية السابقة وتململ الشعب الكردي من قياداته السياسية التي فشلت في إيصال صوته ودوره ومآسيه بشكل موحد ومطلوب إلى المراكز القرار العالمي، جاءت اتفاقية دهوك في إقليم كردستان ـ العراق برعاية الرئيس البارزاني لتبعث الأمل من جديد وتبصر قلوب وعقول ملايين المواطنين الأكراد المتعطشين إلى وحدة الرؤى والمواقف في ظروف بالغة الحساسية تتعرض لها المنطقة عامة والمنطقة الكردية خاصة من قبل الارهاب وأعداء الأكراد.

ففي مدينة قامشلو بمنتصف شهر ديسمبر 2014 وبعد اكتمال النصاب في تشكيل المرجعية الكردية السورية، أبدى الكثيرون في الوسط السياسي والإعلامي والثقافي السخط والامتعاض والانتقاد الحاد بسبب الآلية التي جرت من خلالها الترشيح والتمثيل في المرجعية والتي اتسمت بطريقة بيروقراطية وشبه محسوبية في اختيار الممثلين (المرشحين)، إضافة إلى الإقصاء الذي تم بحق الشباب والمرأة والإيزيديين وتهميش أغلب المناطق والتواجد الكردي في المرجعية مثل عفرين وكوباني والرقة وحلب ودمشق وتل حاصل وتل عران وتل أبيض وحصرها لمنطقة معينة (الجزيرة).

هذا أدى إلى بروز المناطقية والجهوية على السطح بغير قصد من قبل أغلب المنتقدين، في وقت ما تزال البيئة الكردية تعاني من آثار العشائرية والقبلية المقيتة التي مزقت الرأي الكردي الموحد في أكثر من محطة تاريخية نتيجة اصطفافات وتناحرات العشائرية البينية التي أبعدت التفكير لصالح القومي العام.

لعل أهم إنجاز حققته الحركة الكردية السورية منذ نحو نصف القرن هو التقليل من نغمة العشائرية وتجاوز محرابها الضيق لصالح مفهوم القومية برغم إغراقها هي الأخرى في أتون حزبوية فاشلة.

لم تعتمد المرجعية على المعايير الجغرافية والمناطقية ولا حتى القانونية بقدر اعتمادها على المعايير الحزبوية البحتة متمثلة في أعلى الهرم ودائرته الضيقة.

والعجيب أن أغلب أعضاء الأحزاب من القاعدة إلى القيادة موافقون على ممثليهم في المرجعية وبنفس وقت ينتقدون المجلس الكردي ككتلة! أليس من الأفضل انتقاد أحزابهم أولاً؟ أما المثقفون والمستقلون والتنظيمات من خارج الإطارين وعامة الشعب لهم الحق في إظهار الملاحظات.

وكان آخر فصول المسلسل المجلس الكردي هو فصل ثلاث أحزاب (الوحدة، البارتي، الوفاق) بحجة تصويتهم لصالح قائمة الحركة المجتمع الديمقراطي دون إبراز مسوغ قانوني بذلك، بحيث ازداد الوضع الداخلي للمجلس تأزماً وتعقيداً مما ينبئ بفشل اتفاق دهوك برمته ويفرض سيطرة جهة معينة على مقاعد المجلس.

وكان من الأجدى للمجلس فصل الأشخاص التي تثبت عليه التهمة لا الحزب (احزاب) بكامله(ها).

صحيح إن الأحزاب الكردية مهترئة ولا حول لها ولا قوة وما تزال متموضعة في إطار الخلافات الجانبية وبعيدة عن الواقعية والتطورات الدراماتيكية التي تجري في منطقة، إلا أن المخاطر جمة التي تحدق بغرب كردستان وكي لا تتكرر تجربة الهيئة الكردية العليا المريرة، وتستوجب دعم المرجعية واتفاقية دهوك كإطار كردي موحد وخاصة لا بديل في الأفق.

اتفاقية دهوك ذاتها جاءت تحت ضغط وإجبار من قبل هولير وقنديل وسليمانية ومن خلفهم الغرب وواشنطن. والاتفاقية هي أفضل صيغة توصلت إليها الأحزاب إليها في خضم التناقضات والصراعات والمنافسات السياسية الكردية السورية والمخاطر الخارجية المحدقة بغرب كردستان، والمرجعية كبند أول لتنفيذ اتفاقية دهوك هي خطوة قيمة رغم العيوب والنواقص التي تخللتها.

تبقى الاتفاقية مهمة على مستوى الصراع في سوريا وفي ظل مبادرات أممية وروسية لبلورة حل سياسي للأزمة السورية، وتحركات غربية وأميركية لإيجاد بدائل عسكرية وسياسية معتدلة في مواجهة الإرهاب والاعتماد عليهم في مرحلة الحل السياسي السوري العام.