النظر إلى مصر بعين ثالثة

الديمقراطية والدولة القوية

"النظر إلى مصر بعين ثالثة" كتاب للكاتب محمد صلاح غازي يضم سلسلة من المقالات، هي قراءة سوسيو- ثقافية للمشهد الراديكالي للمجتمع المصري في أعقاب انهيار نظام الرئيس الأسبق حسني مبارك، وما شهده المجتمع من وقائع خطيرة كانت ستؤدي إلى اشتعال صراعات دموية، ولو جزئياً عن أهداف المصريين في بناء أسس المجتمع المصري الحديث.

وأول هذه المقالات بعنوان "الكفاح الثوري.. من هنا يبدأ"، يقول الكاتب: المتأمل لتاريخ الثورات في العالم يكتشف أن الثورة الفرنسية، لم تكن لتحدث من دون وجود استياء واسع النطاق من نظام الحكم القديم، وكذلك لم تكن الثورة الروسية لتحدث من دون وجود التفسخ الذي اعترى إمبراطورية القيصر بسبب الحرب، غير أن قوى الثورة المصرية التي كانت في طليعة المشهد الثوري، أصابها فيروس الانقسام، وكانت الملامح البارزة لحالة الانقسام، هذا العدد الهائل من الأحزاب والائتلافات والحركات السياسية، أدى ذلك إلى ظهور سياسة "فرق تسد"، التي استفاد منها تيار الإسلام السياسي، على اختلاف خطابه الأيديولوجي ما بين الإخوان والسلفيين، وقفزوا على المشهد الثوري، وهو ما كشفت عنه نتائج الانتخابات البرلمانية الأخيرة.

ويشير الكاتب في مقال آخر بعنوان "المثقف الخائن"، قائلا: إن وجود فاروق حسني على رأس وزارة الثفافة المصرية على مدار 23 عاماً، أصاب وزارة الثقافة والثقافة المصرية بالتراجُع، والركود والشيخوخة المبكرة.

وفي الحوار الذي نشرته جريدة "المشهد" في 22 يناير/كانون الثاني 2012، أجاب فاروق حسني على سؤال وليد الرملي الصحفي الذي أعد الحوار: كيف ترى شخصية مبارك طوال سنوات حكمه، ثم بعد تنحيه؟ قال: أشهد أنه رجل في مُنتهى الطيبة، ولم يفكر يوماً في إيذاء مثقف واحد ممن كانوا ينتقدونه علناً، ويستشهد بموقف مبارك وحكاية صنع الله إبراهيم.

ويقول الكاتب: إن فاروق حسني مثقف كذاب، لأن موضوع صنع الله إبراهيم وما فعله هو رفض علني، من مثقف عضوي لا يريد أن يكون مثقفاً مُدجناً وخائناً في حظيرة فاروق حسني الثقافية.

ويجيب الكاتب على تساؤل: هل الرأسمالية على وشك الانهيار؟ فيقول: لقد نبهت الأمم المتحدة أن أزمة منطقة اليورو تشكّل أكبر خطر على اقتصاد العالم، وتزامن التحذير مع تأكيدات أميركية على مراقبة تداعيات الأزمة على جهد إنعاش الاقتصاد الأميركي، وفي تقرير صادر مؤخراً عن الأمم المتحدة، أن تفاقُم أزمة ديون منطقة اليورو، قد يؤدي إلى تدهور النمو العالمي، وقال التقرير الذي تناول وضع الاقتصاد العالمي وأفاقه في عام 2012: إن أزمة ديون منطقة اليورو مازالت تشكّل خطراً داهماً على الاقتصاد العالمي.

ومن السياسة والاقتصاد، ينقلنا الكاتب إلى الفن والثقافة خلال مقال يحمل عنوان "أفلام الفتنة والحروب الثقافية"، يرى الكاتب، أن الهدف الظاهر من طرح فيلم يسيء للإسلام والمسلمين وللنبي (صلى الله عليه وسلم) هو محاولة من قبل الفاعلين الثقافيين القائمين على إنتاج الفيلم "براءة المسلمين"، لإشعال هدف كان داخل المجتمع المصري ومعها كل المجتمعات العربية والإسلامية، هو خلق حالة من العُنف المستمر.

وطبقاً لرؤية وسائل الإعلام الأميركية، كل عنف عربي هو إرهاب، لقد ظهرت العديد من الأفلام السينمائية والمسلسلات التليفزيونية في الولايات المتحدة الأميركية، بعد أحداث الحادي عشر من سبتمبر/أيلول 2001، تصوّر شخصية العربي بالمخادع، وأن العرب غير قادرين على الإسهام بشيء في المجتمع الأميركي سوى العنف أو الغباء، مثل مُسلسل "تاكسي الإرهاب"، فيلم "الغبي"، "الأحد الأسود"، "أتباع الإبل" وأن فيلم الفتنة "براءة المسلمين"، لن يكون في ساحة الصراع الثقافي القائم بين العرب والمسلمين من جهة والغرب من جهة أخرى.

ويشير الكاتب في مقال آخر إلى "الديمقراطية الحقة"، قائلاً: لا شك أن مُمارسة الديمقراطية أمر عسير، بل لعلها الممارسة الأكثر تعقيداً وصعوبة بين كل أشكال الحكم الأخرى، فهي حافلة بالتوترات، وتنطوي على العديد من التناقُضات، وتتطلب من القائمين على أمرها ببذل المزيد من الجهد.

ويضيف: من أسس ومبادئ الديمقراطية الحقة، الدستورية التي تعني أن تتم صياغة القوانين ضمن قنوات مُعيّنة، ومن أهم أسس الديمقراطية الحقة هي صلاحيات الرئيس، فلكل مُجتمع في العالم له رئيس تنفيذي، قادر على القيام بمسئوليات الحكم، سواء كانت مستوى الإدارة البسيطة لبرنامج ما أو قيادة القوات المسلحة للدفاع عن الوطن أيام الحرب، وهناك خط غير مرئي بين هذين القطبين، يحتّم إعطاء "هذا المسئول" ما يكفي من صلاحيات، للقيام بمهام الرئاسة والحد في الوقت نفسه من هذه السلطات، حتى لا يتحوّل هذا المسئول إلى ديكتاتور.

وفي آخر مقالات هذا الكتاب "الديمقراطية والدولة القوية في مصر"، يرى الكاتب، أن قوى الإسلام السياسي المتباكية على الشرعية والديمقراطية، منذ عزل رئيسها محمد مرسي عليها أن تتذكر جيداً، أن الرئيس المعزول وجماعته هم أول مَنْ خرقوا ثوب الديمقراطية.

المعروف أن صعود جماعة الإخوان إلى السلطة في مصر وكل بلدان الربيع العربي، جاء بدعم مُباشر وسري من الولايات المتحدة الأميركية، استكمالاً لمبادرة لدعم الديمقراطية في العالم العربي الذي طُرح في ديسمبر/كانون الأول 1990، التي أعلنت عنها الوكالة الأميركية للتنمية الدولية، التي وضعت من خلالها برنامجاً للحكم والديمقراطية لبلدان شمال إفريقيا والشرق الأوسط. وكشفت الحقائق زيف هذا البرنامج، الذي كان ولا يزال هدفه الباطن ليس دعم "الديمقراطية"، بل دعم جماعات سياسية داخل الطبقة الحاكمة العربية، من شأنها دعم – لا عرقلة – السياسة الأميركية الاقتصادية في مصر والعالم العربي.

يذكر أن كتاب "النظر إلى مصر بعين ثالثة" صدر عن الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة ويقع في 216 صفحة من القطع المتوسط. (خدمة وكالة الصحافة العربية)