شارلي إيبدو... قنابل الأفكار تتفجر

الإصلاح من الداخل

ذهولٌ أصاب العالم لما حدث لصحيفة «شارلي إيبدو» الفرنسية. بعض الأصدقاء ردوا على تعزيتي بقولهم إن الحرية تزاد صلابة، ولن ينجح هؤلاء السفاحون في قتل قيم الحرية التي قدمتها الجمهورية الفرنسية للعالم.

كانت ردة الفعل الفرنسية التي تجسدت بتجمع ما يزيد على 3 ملايين وبمشاركة عدد كبير من زعماء العالم، وهذا شكل رسالة سياسية لكل المتطرفين في شتى أنحاء الأرض. ونجحت فرنسا بجدارة في قيادتها العقلانية في معركتها مع الإرهاب العالمي. وبالرغم من محاولات توحيد الجهود، فإننا نرى أن المعركة لم تبلور أدواتها بعد.. والجانب الأمني يهيمن على كل مواجهاتنا مع الإرهاب، بينما المواجهة فكرية بالدرجة الأولى، وهي بحاجة إلى بلورة مجموعة من الأفكار التي تخترق العقول لكي نحد من تنامي الفكر المتطرف.

تتحول الفكرة اليوم إلى قنبلة، وهي سلاح يصعب مواجهته، إلا من خلال الأفكار التي يتفق عليها العالم. ودون الدخول في تفاصيل حول الحدث الفرنسي، فإن الأرقام تشير إلى ما يزيد على 3 آلاف مقاتل أوروبي يحارب مع "داعش". ووفق التقارير المنشورة لدينا تقريباً ما يزيد على 55% من المتبنين للفكر المتطرف ليست لديهم ثقافة إسلامية عامة، وأن ربع الأطفال و44% من الفتيات، وهذا ما يشكل لنا أحد أهم التحديات التي تواجه فرنسا وحتى أوروبا مما يستوجب الفهم الأعمق للأسباب التي تقف خلف ذلك.

لدينا وجهات نظر مختلفة في فهم الظاهرة تختلط فيها السياسة بالدين، والاتفاق أن الظاهرة تتسع وتتمدد على الأرض بالرغم من تصاعد الضربات الجوية، التي تقودها الولايات المتحدة الأميركية، مما يتطلب من الدول الإسلامية مبادرات شجاعة تعالج طبيعة الخطاب الديني الذي يشوبه الغموض والتردد حيث معظم دولنا، هي التي تمسك بالمؤسسات الدينية، وهي الوحيدة القادرة على تفكيك طبيعة الخطاب الديني ومعرفة مسببات العنف.

قبل أسابيع معدودة حدثت عملية إرهابية على الحدود العراقية- السعودية، وذهب ضحيتها مجموعة من العسكريين. العملية نفذها مسلمون، فهدف هذه الجماعات لا ينحصر في محاربة غير المسلمين، وإنما حتى ديار الإسلام مهددة بقنابل الفكر المتطرف، الذي أضحى خطراً حقيقياً لا يستهان به وقوةً غير منضبطة ضمن سياق المصالح السياسية، مما يجعلنا نعيد الحسابات في المراهنة على هذه المجموعات في تحقيق أهداف آنية. وبالرغم من ترددنا بأن الإسلام براء من هؤلاء إلا أن الحقيقة أن الإسلام تم اختطافه، وأن هؤلاء مهما صغر أو كبر عددهم فهم اليوم يلوثون الدين الإسلامي، وهذا يلقي مسؤولية كبيرة على الدول الإسلامية، في إيجاد فهم مغاير عما هو معتاد وعدم الاكتفاء بترديد سماحة الإسلام لكون الجميع يعي أن القيم الدينية على اختلاف مشاربها هي قيم الخير العام. وعلينا أن نعيد النظر في مفهوم التعددية الفكرية والثقافية، وأن نعي جميعاً أن درب العنف الديني يعصف بالعالم، وعالمنا سيواجه مزيد من موجات العنف. والخطر يبقى معنا طالما أن عملية تسييس الدين مستمرة.

تستوجب حرب الأفكار بدائل فكرية جريئة قادرة على موجهة التطرف الفكري، الذي يجد استجابة بين الشباب، فهؤلاء هم ضحايا لعلميات معقدة من غسل الأدمغة نجح فيها التطرف الفكري من بسط نفوذه على ثقافة الشباب، وأخذ بالتحول نحو أحد أهم الأسلحة الفتاكة التي تهدد العالم، وليس بوسعنا سوى مزيد من الجرأة في ممارسة المصالحة مع النفس قبل المصالحة مع الآخر.

علي الطراح

كاتب وأكاديمي كويتي