في الحاجة إلى تجفيف كل منابع الإرهاب

ما يَحْدُث في الشرق الأوسط منذ أربع سنواتٍ، وما حدث في أوروبا، وعلى وجه الخصوص الأحداث الأخيرة ـ الشنيعة ـ في فرنسا، ينبغي أن يكون مُقدّمةً ضروريّةً وحقيقيّةً وجادةً لإجراء مراجعاتٍ وتقييماتٍ جذريّةٍ واستثنائيةٍ لكثير من القضايا والأفكار والممارسات، على الصعيد "الإسلامي"؛ في مسائله الدينية والسياسية، وكذلك على مستوى القضايا والمسائل السياسيّة، في كل دولةٍ على حدةٍ، وعلى صعيد العلاقات الدوليّة.

فلم يَعُد خافيّاً على أحدٍ من العالمين أن "الفتيان المسلمين" وحدهم من باتوا على أهبة الاستعداد للذهاب إلى مشارق الأرض ومغاربها، وإنفاق سنين طوال في التدريب والتمرين، وتحمل المشاق الكبيرة في سبيل أن يصبحوا مؤهلين كفايّةً ـ نفسياً ولوجستياً، للتخلص من أولئك الذين يُوجِهون بين فينةٍ وأخرى انتقاداتٍ لرموزٍ إسلاميّةٍ من وحي ممارساتٍ مُعاصرةٍ ـ تشوبها أخطاءً قاتلةً ـ لجماعات تنتمي إلى السياق الديني-الثقافي الإسلامي ثابرت في تقديم فلسفتها للحياة وللوجود على هذه البسيطة بصورة عربة يَجُرها حصانٌ، وأما الحصان فهو الماضي الإسلامي التليد، بكل ما فيه من ملابسات، ولم يقتصر ذلك الاستحضار للماضي على صعيد الاعتقادات والأفكار، بل وصل إلى نقطةٍ طرفيّةٍ قصيّةٍ على مستوى الحياة العاديّة؛ كالمأكل والمشرب والمظهر، وبما شكَّل مادةً خصبةً للسخريّة والنقد!

المشكلة أن هذه الرؤيّة التي تسير ضدّاً لحركة التاريخ البشري الطبيعية، وسعيه في سبيل مزيداً من التَحضُر والرُقي لا تنفرد بها، وللأسف الشديد، ما أصطلح على تسميتها "الجماعات الجهاديّة"، بتفرعاته وأطيافها وأسمائها الكثيرة، ولكنها توجد في صلب رؤية كل الحركات والتيارات الموجودة في العالم الإسلامي والقائمة على أساس ديني، وهي رؤيّة وضعت الإنسان المسلم تحت طائلة أعباءٍ كبيرةٍ وقاسيّةٍ، نفسيّة وروحيّةٍ، حيث بات التقدم في درجات السلم الحضاري يعني له مواجهةٍ وشيكةٍ، عنيفةٍ وداميّةٍ، تُحاوِل أن تّجُره عنوةً بعيداً عن لب صفاءه الروحي والعقائدي، ورونق طريقة سلفه (أفضل القرون) في الحياة والعيش!

وقد تكون أكثر الإشارات لفتاً للانتباه في هذا السياق، ما لاحظه الفيلسوف الفرنسي دوبريه أثناء زيارة له قام بها إلى كلٍ من الجزائر وتونس مطلع سبعينات القرن المنصرم، فقد لاحظ أنّ الأصوليّين كانوا منتشرين بكثرةٍ في كلّيات العلوم وبما يتعدى الصورة الكاريكاتوريّة المرتسمة عن المتطرّف وهو يخرج من المدينة العتيقة، بجلاّبيته ونعله ولحيته الطويلة وملامحه الفظّة. سمى هذه السلوك ـ غير المتوقع نظريّاً ـ بـ"الأثر الطرديّ أو الارتداديّ" (L effet jogging) الناتج عن الاحتكاك بين التقدّم التقني والتقاليد الدينية العتيقة في سياقٍ عولميٍّ ملتهبٍ، إلى درجةٍ دفع الفاعلين في القطاعات الأكثر تطوّرا تقنيّا إلى أن يجدوا في إثبات عاداتهم الخاصّة عنوانا روحيّا يخشون فقدانه.

من هُنا، فليس من المبالغة القول بأن كل الحركات والتيارات القائمة على أساسٍ دينيٍّ ـ بخطابها ورؤيتها الحاليّة ـ ما هي إلا "قنابل موقوتة"، قد تنفجر في أي لحظةٍ، وهذا اللحظة مرتبطة فقط بدرجة وشدّة الاحتكاك والمواجهة وبلوغه النقطة التي تضعها كل جماعةٍ لنفسها كخطٍ أحمرٍ يفصلها عن الإنخراط في قلب المواجهة!

لذلك، فالحاجةُ مُلحةٌ وضروريّةٌ للقيام بإجراء مرجعاتٍ وتقييماتٍ جريئةٍ وجذريّةٍ عاجلةٍ تقتفي مثلاً خُطى الاستبصارات النافذة للإمام محمد عبده ـ مع التحفظ على لقب "الإمام" لِما يفرضه من التباسات، وأرى أن تُستبدل في الخطاب بلقب "عالم الدين"، وليس انتهاءً بالجهود النظريّة الجريئة التي قدمها ـ على سبيل المثال لا الحصر ـ كلٍ من نصر حامد أبو زيد ومحمد أركون في محاولة لتفكيك طائفةٍ واسعةٍ وطاغيّةٍ من التابوهات والمقولات المهيمنة.

فـكيفية "عَصْرَنَة" الإنسان المسلم هي القضيّة المُلحة الآن وعاجلاً فيما يتعلق بالمرجعات التي ينبغي لها أن تهدم الأسوار العاليّة والمسيجة بأسلاكٍ شائكةٍ بين المسلم وعصره وتفرضها عليه رؤيته المستوحاة من خلفيّته الدينيّة، وبكل ما يوحي به مفهوم "العصرنة" من معنى وبُعد وقيم ووسائل وتقنيات، مع الحيطة من الوقوع في الفخ الذي يَنصبُه للوعي سؤال النهضة التقليدي، أي السؤال الذي ظل يتخبط بالبحث في دهاليزٍ كثيرةٍ عن الكيفية التي تجعل من الإسلام ديناً مُعاصراً، لأن الإجابة عن هذا السؤال صبت كل مرةٍ في صالح الرؤى التقليديّة، مما جعلنا نعود باستمرار إلى نقطة الصفر. ووحده الدخول في سياق ومضمون العصرنة من يُحدِّد في النهاية، وبشكلٍ تلقائيٍّ، أي من هذا الموروث ما زال صالحاً للاستمرار والمواكبة.

على الصعيد السياسي، هنالك حاجةٌ ماسةٌ أيضاً إلى أعادة تقييم ومراجعة كثير من النظريات والاستراتيجيات والممارسات السياسيّة خصوصاً تلك المتعلقة بطبيعة النظام العالمي، ونوعيّة العلاقات التي تسوده، واللوائح والضوابط الذي تحكمه وتنظمه، والمكانة التي تحتلها "القيّم" فعلياً في الممارسات على أرض الواقع وخصوصاً عندما تعترض القيم مسار مصلحةٍ ما، هل يتم الانتصار للقيم أم للمصلحة؟.. كيفية التعامل مع قضايا العالم المختلفة، وهل النظام العالمي بشكله وبوضعه الحاليين ما زال قادراً على الاستجابة للتبعات والتحديات التي تفرضها تحولات هائلة بفعل العولمة، متعددة الجوانب والأبعاد، أم هو بحاجة إلى تطوير شامل في أفق سياساته، ومنطلقات استراتيجياته، لتفادي الارتطام بالأخطار المُحدقة من كل حدبٍ وصوبٍ، والتي لن تستثني أحداً.

كتب أولريش بيك في "السلطة والسلطة المضادة" أن أحداث الحادي عشر من سبتمبر فتحت العيون للمرة الأولى منذ نصف قرن على بداهة تقول أن السلام والأمن في الغرب لم يعودا متناسبين مع وجود بؤر أزمات في مناطق أخرى من العالم، ولا مع أسبابها العميقة!

لذلك لم يكن غريباً أن يكون أحد المشاركين بعمليّة قتل صحفيي الصحيفة الفرنسية قد تلقى تدريباته في اليمن، هذه البلد الذي تحول في السنوات الأخيرة إلى "فوضى لا خلاّقة"، وملاذ آمن لإنتاج الإرهابين، وتصديرهم إلى دول العالم المختلفة.

في نفس اليوم للحادثة البشعة التي ضربت فرنسا، فاهتز لها العالم كله، شهدت اليمن أيضاً جريمة أكثر بشاعةً على إثر عمليةٍ إرهابيةٍ أخرى استهدفت تجمعاً من خريجي الجامعات كانوا بصدد التسجيل في كلية الشرطة، وكانت غايتهم من ذلك القيام فيما بعد بالمساعدة في استتباب الأمن في هذا البلد الهش، فسقط على إثر هذه العمليّة ما يُقارب من 40 قتيلاً وأكثر من 60 جريحاً.

ولو عدنا إلى نقطة أبعد قليلاً في تاريخ هذا البلد الذي توحد في العام 1990 بين نظامين أحدهما علمانيّ، في دولة كان للنظام والقانون سطوة بالغة (جمهوريّة اليمن الديمقراطيّة الشعبيّة)، وبين نظام كان يجمع خليطاً غير متجانس من القبائل والعسكر والجماعات الدينية المتطرفة (الجمهوريّة العربية اليمنية)، وتتنازعه سلطات تقليديّة عديدة، ولا وجود للنظام وللقانون أي سلطة أو أثر. وعندما تطور الصراع فيما بعد بين النظامين في ظل دولة الوحدة إلى حربٍ أهليّةٍ شاملةٍ، كانت الجماعات الدينية في مقدمة الصفوف، لكن الأفظع من الحرب نفسها كانت تلك الفتوى التي أصدرها وزير الأوقاف اليمني حينها وكان ينتمي إلى أحد التيارات الدينية المتشددة التي قضت بإباحة دم "الجنوبيين" تحت زعم أنهم ملحدون شيوعيّون، حتى النساء والأطفال والمستضعفين منهم شملتهم "فتوة الإباحة"، إذا اقتضى الأمر، حسب نص الفتوى (الفتوى مشهورة ومنشورة على النت، ورد عليها وقتها شيخ الأزهر، وبعض رجال الدين من العالم الإسلامي).

وقتها لم يبلغ إرهاب الجماعات الإسلامي مبلغه، فوقفت كثيرٌ من دول العالم في صف التحالف الذي ضم الجماعات المتطرفة-العسكر-القبائل ضداً لما كانوا يرونه في ذلك الحين المشروع الأكثر أولويّة في سلّم الأخطار، أي تصفيّة ما كانوا ينظرون إليها كجيوب اشتراكيّة كانت تتبع المعسكر الشرقي. لكن المشكلة الكبيرة التي واجهت هذا البلد، أنه وبالقضاء على الإرث المؤسسي لدولة الجنوب، لم يستطع النظام الموجود في الشمال من إقامة دولة بسلطات وأجهزة مؤسسيّة فاعلة ونافذة، ولو حتى في المستويات الدنيا!

الآن، ومنذ أربع سنواتٍ، والبلد يحظى برعاية "أمميّة"، وهنالك قرارات صدرت عن مجلس الأمن بخصوصه، لكن كل شيء على الأرض يذهب من السيء إلى الأسوأ، حتى وكأن البلد يذهب بخطى ثابتة نحو هاويّةٍ لا رادٍ منها!.. فالمُعالجات التي يُراد فرضها لا تُرضي تطلعات أهم الأطراف الفاعلة، والأشخاص الذي تم الرهان عليهم لتولي مهام المرحلة الانتقالية وتنفيذ المعالجات المطلوب كانوا في الماضي جزءاً أساسيّا من صناعة المشاكل، وباتوا اليوم أكثر إعاقة لأي حلولٍ أو معالجاتٍ حقيقيّةٍ تحول ولو قليلاً من الوقوع في سوء شنيعة لهذا البلد!

هذه هي اليمن، كنموذج من نماذج كثيرة باتت ساحات ملتهبة، وبيئات خصبة لنمو التطرف والمتطرفين!