هل تقضي الأسعار المنخفضة على إنتاج النفط الصخري الأميركي؟

تغيرت خريطة إنتاج النفط بشكل كبير خلال السنوات القليلة الماضية، وبدا واضحاً أنه من غير المرجح أن يكون لدى منظمة أوبك وحدها القدرة على التلاعب في مستقل أسعار النفط. فحتى الآن، كان أكبر عامل مؤثر في الانخفاض الأخير في أسعار النفط هو زيادة إنتاج النفط الصخري. وعلى النحو الآخر، تدرك أوبك أن انتاج النفط الصخري بالولايات المتحدة يصبح أقل ربحية مع تراجع أسعار أقل من 60 دولاراً للبرميل. لذلك فمن الواضح أن دول أوبك وبخاصة المملكة العربية السعودية لديها حافزاً للحفاظ على أسعار منخفضة لتحطيم الحوافز الاقتصادية للطفرة النفطية في الولايات المتحدة.

ويظل النفط الصخري طرفاً مؤثراً في قضية أسعار النفط خلال عام 2015 بعد أن تسبب في زيادة المعروض في السوق بنحو 4 مليون برميل على مدى الثلاث سنوات الماضية والذي كان سبباً أساسياً في تراجع أسعار النفط إلى تلك المستويات بعد أن توقفت الولايات المتحدة الأميركية، أكبر مستهلك للنفط على مستوى العالم، عن الاستيراد بمعدل كبير في ضوء زيادة إنتاجها المحلي من النفط الصخري.

فبحسب التقديرات العالمية تنعدم الجدوى الاقتصادية لإنتاج برميل النفط الصخري بوصول الأسعار لمستويات تتراوح بين 55-65 دولاراً في المتوسط. ولكن هل بانعدام الجدوى الاقتصادية فقط يمكن أن تتوقف أميركا عن انتاج النفط الصخري، أم سيكون هناك تكيف مع الأسعار الجديدة وضخ مزيد من الدعم لتطوير تكنولوجيات الإنتاج التي من شأنها تقليل الكلفة الحدية للانتاج؟.

ويقدر تحليل حديث "لسكوتيا بنك" أن التكسير الهيدروليكي يحتاج 69 دولاراً كسعر للبرميل الواحد لتحقيق أرباح. فيما تقول تقارير "بيزنس ويك" أن السر الأصعب في صناعة النفط الصخري هو أن الطفرة النفطية من الصخر الزيتي قد لا تدوم. وذلك لأن الآبار الصخرية قصيرة العمر ومن المتوقع أن ينخفض انتاجها من ألف برميل إلى 100 برميل يومياً في غضون بضع سنوات. ومن ثم يجب حفر المزيد من الآبار الجديدة للحفاظ على الإنتاج.

ومن ثم هل تصمد صناعة النفط الصخري أمام الأسعار المتدنية في ضوء تناقص العمر الافتراضي للآبار؟

وفقاً لشركة استشارات الطاقة النرويجية Rystad، من المرجح أن تؤدي صدمة أسعار النفط الحالية إلى تأخير أو إلغاء ما قيمته 150 مليار دولار من مشاريع النفط والغاز في جميع أنحاء العالم. واذا استمر التراجع في أسعار النفط لفترة مماثلة للثلاثة أشهر الماضية فمن شأن ذلك أن يؤدي إلى تأخير أو إلغاء تنفيذ استثمارات عالمية تقدر بـ 800 مشروع للنفط والغاز بقيمة استثمارية تصل إلى 500 مليار دولار الأمر الذي يُفقِد الأسواق انتاج ما يساوي 60 مليار برميل من النفط والمكافئ النفطي خلال عام 2015.

ومعظم الأحواض النفطية الصخرية في الولايات المتحدة يزيد سعر تعادل تكلفة البرميل الواحد من النفط بها عن 60 دولاراً للبرميل، الأمر الذي ينذر بإمكانية توقف تلك الحقول عن الانتاج. وبالفعل، أعلنت شركة "كونوكو فيليبس" الأميركية، التي تدير عمليات كبيرة في حوض "النسر فورد" وحقل "باكن"، عن خطط لخفض الإنفاق بنسبة 20٪ خلال عام 2015. وفي الوقت ذاته قررت شركة "شيفرون" الأميركية، التي تعمل في أحواض "بيرميان وأوتيكا"، حجب ميزانية النفقات الرأسمالية للعام 2015 في نظرة منها لعدم الجدوى الاقتصادية للانتاج من النفط الصخري.

وقدرت مؤسسة Global Sustainability’s Hughesفي تقريرها خلال عام 2013، أن الولايات المتحدة بحاجة لحفر 6 آلاف بئر جديدة سنوياً بتكلفة 35 مليار دولار للحفاظ على الإنتاج الحالي. وكذلك قدرت المؤسسة أن الآبار الجديدة التي يتم حفرها ليست منتجة مثل تلك التي تم حفرها في السنوات الأولى من الطفرة، مما يجعل من الصعب المحافظة على المعدلات القياسية التي وصل إليها النفط الصخري الأميركي. وواصلت المؤسسة توقعاتها إلى أن الإنتاج سيصل إلى ذروته في عام 2017 وينخفض إلى مستويات 2012 خلال عامين.

وفي حين أن أسعار النفط المنخفضة يجوز لها أن تخلق تهديدات مؤقته بوقف انتاج النفط من الصخور الأميركية، نجد أن الوضع الجيولوجي للصخور الزيتية يلوح بنهاية مستقبل النفط لصخري بحلول عام 2020. وذلك ما أكدته تقارير وكالة الطاقة الدولية بأن إمدادات النفط الأميركية، التي يسيطر عليها التكسير الهيدروليكي، ستبدأ في الانخفاض بحلول عام 2020.

ويعود الأساس في تلك التوقعات إلى تقديرات احتياطيات النفط الصخري، حيث قدر تقرير ادارة معلومات الطاقة الأميركية لعام 2013 النفط الصخري القابل للاسترداد من الناحية الفنية بـ 58 مليار برميل وذلك دون النظر إلى التكلفة، وهذا يعادل نحو ثماني سنوات من الاستهلاك الأميركي في المعدل الحالي بنحو 19 مليون برميل يومياً. بينما جاءت تقديرات وزارة الطاقة للاحتياطيات المؤكدة من الصخر الزيتي التي يمكن استردادها اقتصادياً بما لا يزيد عن عشرة مليارات برميل فقط، وذلك نحو سدس الاحتياطي القابل للاستخراج من الناحية الفنية.

وهناك تهديد آخر محتمل للاقتصاد الأميركي، وهو العدوى الناجمة عن سندات النفط والغاز الافتراضية غير المرغوب فيها. على سبيل المثال، وفقا لدويتشه بنك، أصدرت شركات الطاقة منذ عام 2010 نحو 550 مليار دولار في شكل سندات رخيصة لزيادة إنتاج النفط والغاز. والآن في ضوء انهيار أسعار النفط سيقبل المستثمرين على بيع تلك السندات في الوقت الذي يعجز فيه المنتجين على تلبية قيمة تلك السندات ومن ثم تتزايد ديون المنتجين الأمر الذي يزيد من العائد على تلك السندات غير المرغوب فيها. وذلك من الممكن أن يؤدي إلى أزمة ائتمان أخرى داخل الولايات المتحدة.