دراسة بحثية ميدانية تتناول واقع الطفولة في الوطن العربي

المدرسة العربية لا تزال أسيرة الثقافة المحيطة بها

يُعد الإنسان الركيزة الأساسية للنهضة والتقدم، ولذلك فإن الرؤى التنموية المعاصرة تركّز بالأساس على تنمية البشر، انطلاقاً من أن تنمية الإنسان ترفع قدرته على الاختيار، وتوسّع من فرصه في الحياة، وإذا ما وضعنا الصورة المثالية التي تظهر في أذهاننا ونحن نقرأ عن حماية حقوق الأطفال والمشاركة، وقارناها بهذه الحقائق المريرة حول ظلم الأطفال، وجدنا أنه من الضرورة بمكان البحث وتحليل واقع الطقل والطفولة في كل بلد عربي، ولاسيما الاهتمام بموضوع مشاركة الأطفال في البلدان العربية.

ويشير الباحثون العرب الذين شاركوا في بحث "مشاركة الأطفال في البلدان العربية" – والذي أصدرته في كتاب الهيئة العامة لقصور الثقافة بالقاهرة – إلى العناصر الضرورية للبحث، وهي: مبررات الدراسة، حيث يتمثل مبدأ الحق في المشاركة، كونه أحد المبادئ الأربعة الأساسية التي يرتكز عليها الاتفاقية الدولية لحقوق الطفل، والعنصر الثاني: هو أهداف الدراسة، وهو إلقاء الضوء على الواقع الديموجرافي للطفولة والأطفال في البلدان العربية بشكل عام، والأقطار محل الدراسة بشكل خاص، ثالثاً: مفاهيم الدراسة، وهي مفهوم الطفل، مفهوم مشاركة الأطفال "المشاركة من الناحية اللغوية"، "المشاركة من الناحية الاصطلاحية".

وتتناول الدراسة البحثية واقع الطفولة في الوطن العربي، من خلال ما يتوافر من بيانات من الدول التي تشملها الدراسة حول موقع الأطفال في التركيب السكاني، والأطر التشريعية التي تعكس الاهتمام الوطني بقضية الطفولة، وطبيعة العمل المؤسسي والمدني الذي يهتم بشئون الطفولة، ولا جدال في أن التعليم هو ركيزة التنمية البشرية، بل يمكن القول إنه ركيزة المشاركة، فالتعليم يهتم بالمزيد من التنمية البشرية الحقيقية.

أما عن الحق في المشاركة، فتجبر اتفاقية حقوق الطفل الدول الأعضاء على منح رفاهية الطفل الأولوية، وذلك بإنشاء بيئات تساعد الأطفال على النمو وزيادة قُدراتهم، وكمبدأ استراتيجي لاتفاقية حقوق الطفل، يجب على الدولة أن تضمن أولاً وقبل كل شيء حق الأطفال في التعبير عن آرائهم، والمشاركة في عملية اتخاذ القرار سواء على مُستوى العائلة أو الحياة الاجتماعية والثقافية.

وتركز العديد من المؤسسات الدولية العاملة في البلدان العربية على حماية حقوق الأطفال بشكل عام، وكانت من أهم وأوائل تلك المؤسسات الدولية، منظمة الأمم المتحدة، من خلال مؤسساتها المتخصصة في مجال حماية الطفولة، ومنها الجمعية العامة للأمم المتحدة، اللجنة الأممية لحقوق الطفل، المكتب الدولي للشغل، الذي أنشأ برنامجاً يُسمى البرنامج الدولي لمكافحة تشغيل الأطفالIPEC، ومنظمة اليونسكو، بالإضافة إلى صندوق الأمم المتحدة لرعاية الطفولة (اليونيسيف).

وتشكّل اتفاقية حقوق الطفل الصادرة عام 1989، الإطار العام لمشاركة الأطفال وحماية حقوقهم، وحمايتهم من المخاطر، ولذلك فإننا نعتبر أن المعرفة بهذه الاتفاقية لدى الآباء والأمهات والأبناء، هي الخطوة الأولى في إدراك أهمية المشاركة، ووجّهنا سؤالاً مُباشراً للوالدين والأبناء عن معرفتهم باتفاقية حقوق الطفل، وجاءت الإجابات دالة على أن المعرفة بالاتفاقية، لا تزال مُتدنية بين الآباء والأمهات.

وتُعتبر الأسرة، هي المؤسسة الأولى التي يتشكّل فيها الالتزام الأخلاقي الذي يؤسس لمشاركة أعضائها في المجتمع بوصفهم مواطنين، ولذلك يقال دائماً إن الأسرة هي الخلية الأولى للمُجتمع.

والسؤال هنا: كيف يتصوّر الآباء والأمهات الصورة المثالية للحوار واتخاذ القرارات، وكيف ينظر الأولاد والبنات إلى حالة المشاركة في الأسرة؟ لقد كشفت البيانات أن الأسرة العربية تبدو ديمقراطية في خطابها، حيث يميل الآباء والأمهات إلى التأكيد على رفض صورة الحوار، التي يكون فيها الكبار فقط هم مَنْ لهم حق الحوار.

ويطرح الباحثون في الكتاب عدة أسئلة حيوية منها: إلى أي مدى تحتضن المدرسة العربية أطفالها؟ إلى أي مدى توفّر لهم بيئة يُعبّرون فيها عن أنفسهم بحرية، ويبرزون ما لديهم من قُدرات جسمية وعقلية ووجدانية؟

يجيب الباحثون: لقد قُمنا بجمع مادة كمية وكيفية، من عدد من المدارس على 12 مدرسة، من مُختلف المستويات الدراسية في عدد من البلدان التي غطتها الدراسة، خاصة: الأردن ولبنان والسعودية ومصر والعراق، كما قام الباحثون بإجراء مُقابلات مُتعمقة في عدد من المدارس في كل بلد، جاءت الإجابة على السؤال الذي طرحناه في صدر الفقرة: إلى أي مدى توفّر المدرسة للأطفال بيئة حاضنة للتعبير الحر عن أنفسهم، والمشاركة في القرارات المتعلقة بمصيرهم؟ ثمة مشهد يشي بقدر من التناقُض، عندما نقارب بيئة المدرسة.

في الوجه الأول من المشهد نرى حديثاً عن أنشطة ومُمارسات، يوحي بوجود قدر كبير من تفهُّم روح المشاركة وتنفيذها واقعياً، بل إن ثمة تأكيدات على أن الأطفال، يستخدمون كل صور المشاركة في تنظيم الأنشطة الثقافية والعلمية والرياضية والفنية والترفيهية، وإكمالاً لهذه الصورة المثالية عن المدرسة، يأتي رأي الوالدين والتلاميذ على حد سواء مؤيداً لأهمية المشاركة في المدرسة.

ولكن يمكننا أن يدلنا المزيد من التعمق في المادة الكيفية، التي جُمعت من المدارس على وجه آخر من المشهد، يتناقض مع هذا المشهد الناصع الذي تعسكه الآراء، فالملاحظ أن المدرسة العربية لا تزال أسيرة الثقافة المحيطة بها، ولا تزال أسيرة قبضة البناء الاجتماعي المحيط بما فيه من مشكلات، أهمها: لا يمكن للمدرسة أن تكون بيئة حاضنة للمشاركة، إلا إذا كانت نطاقاً أيكولوجياً صحياً ومُلائماً لحركة الأطفال، وقد لا يتعلّق بالجوانب الفيزيقية في المدرسة فحسب، بل يتعلق ببعض الجوانب الاجتماعية والثقافية. فقد أشار المدرسون والتلاميذ على حد سواء، إلى مُشكلة عدم التوافُق والتعاون بين المدرسة والأسرة، فالأسرة تركّز بشكل أساسي على عملية التحصيل ونتائج الامتحانات، في حين تركّز على أمور أوسع كالأنشطة الرياضية والفنية والاجتماعية.

وفي الختام، خلصت الدراسة إلى عدد من النتائج المهمة، التي يمكن تلخيصها أهمها على النحو التالي: ثمة هوة بين المعرفة بالمشاركة والاتجاهات نحوها، وبين الممارسات الفعلية للمُشاركة، لا تزال المشاركة تُمارس في كنف الأسرة الأبوية والهيمنة الذكورية، لا يزال الأطفال يعيشون في عالم الكبار، يقل مُستوى المشاركة كلما ارتفعنا من مُجرد المعرفة، والاتجاهات إلى التشجيع على إبداء الرأي، ما تزال الأسرة العربية هي المكان الأول الذي يمكن للطفل فيه أن يشارك إيجابية وفعَّالة.

وأخيراً، لا تُعد المدرسة العربية بيئة حاضنة للمُشاركة، فهي لا توفّر ظروفاً مواتية لها، وهي إن شجعت عليها لا تعكسها في ممارسات فعلية، ولا يلعب المجتمع المدني والإعلام دوراً كبيراً في دعم المشاركة أو تفعيلها، فما يزال المجتمع المدني أسير كوابح قانونية وبيروقراطية، ولا تزال الأعمال موجّهة ومُتناقضة.

يذكر أن الدراسة قام بها مجموعة باحثين من مصر، السودان، لبنان، السعودية، قطر، العرق، تونس، وقُدمت خلال فعاليات منتدى المجتمع المدني العربي للطفولة الرابع ببيروت عام 2012، ويقع الكتاب البحثي المنشور في 480 صفحة من القطع المتوسط. (خدمة وكالة الصحافة العربية)