النجف.. غَيض التعقل وتطرف الفقيه

"ما جرى في الأمس عار". هكذا بدأ إمام وخطيب جامع "الصاحب" علاء الموسوي في النجف محاضرته الدينية، مستخدما شتائم عديدة ضد شبان أقاموا شجرة ميلاد في ليلة الـ 28 من الشهر الأخير لعام 2014. ويريد الموسوي ان يوحي للمستمعين ان للمدينة "هوية إسلامية" يصبح إحياء الزينة فيها بأية مناسبة غير إسلامية شيء من "الحرام". فهو يقول ان "عيد المسيح مناسبة ترتبط بالغرب استوردت بلا أية جذور لتطبيقها في مدينة الإمام علي"، إضافة الى وصفه للمحتفلين في الأعياد بـ "البهائم والحيوانات"، ورافضا بلغات عنيفة سكوت الأجهزة الأمنية على ممارسات كهذه: "ان هذا يجري على مسمع ومرأى من الشرطة التي تحمي السفهاء".

ما صدر على لسان ممثل احدى المرجعيات الشيعية في النجف، كان بإمكانه كسب المتلقين الذين ينساقون باللاوعي لتهييج العنف الذي غالبا ما يحمل سمات "حماية الشريعة" ومحاربة الظواهر المعاكسة بالقوة، خصوصا اذا كان الكلام مخلوطا بجوانب مقدسة كقول الموسوي: "ان العذاب بدأ يقترب حالما تظهر مثل هذه الممارسات في أطهر بقعة على الأرض"، فهذا النوع من المنطق يمتلك القوة لتبرير العنف ووصف الضحايا بـ "الفاجرين"، ما دام استهل إرشاده الفقهي بوصف مواطنين عراقيين "بالسفهاء والبهائم والحيوانات".

لا أريد هنا ان أقارب موقف رجل الدين هذا بما نقرأه ونسمعه من اتباع الإسلام المتطرف وتنظيماته الظاهرة بعنوان "الخلافة الإسلامية"، في وقت يشكل فيه نقاش الفكرة ميزانا يميز ما بين الحقائق والمخادعات، ولكي نتجنب ممارسة الشيء الذي نرفضه ينبغي ان نوضح المسألة بالصورة التالية: العوائل بالإضافة الى الشباب كانوا محتفلين بعام ميلادي وليس هجريا، وهذا له دلالته وذاك له دلالته الخاصة. وحين نأتي للاعتبارات الدينية، لا يمكننا ان نتجاوز التساؤلات وأجوبتها التالية: اذا كان الفرح المتزامن مع ذكرى وفاة الحسن العسكري، الإمام الحادي العشر للمسلمين الشيعة، هو موضوع الهستيريا؟ فالغالبية من المحتفلين يودعون عاما ميلاديا عالميا. وهنا خرج الموضوع عن سياق "البدعة"، في حال كان تعريف البدعة: هو إحداث شيء مادّي أو معنوي لم يكن موجوداً في المفاهيم الدينية؟ ولو تعامل الموسوي مع الظواهر بطبيعتها دون ان يضع تداخلا بين الممارسات البشرية والأحداث الدينية، فالمؤكد انه كان قد تمكن من حماية فكرته اللاهوتية من الاشمئزاز.

ثم اذا كان امتعاضه متعلقا بان للمسلم مسارا محددا لا يسمح له ان ينحرف عنه، كمشاركة النصارى في إحياء مناسباتهم "إثم ومنكر"، وان ليس "للكفار"، ذميين كانوا او لا، "تبليغ مذاهبهم في بلاد المسلمين، وان لا يحدثوا كنيسة ولا يضربوا ناقوسا ولا يطيلوا بناء"، في هكذا حال هو وضع نفسه عيّنة لنماذج اسلامية كثيرا ما كانت تمارس عنتريات "التعايش الواحد"، و"الفسيفساء العراقي" ومن هذا الادعاء الكثير.

ان مرجعية النجف تتحمل العبء الأكبر حيال قضايا التطرف الشيعي، وتكاثر دعاته الى أرقام فلكية تشتد بين الناس لإطفاء الانسجام بينهم وفق حاجات تؤدي إلى فرض "أخلاق" محددة، فما يميز المواقف السياسية للمرجعيات النجفية على أنها اكثر هدوءا من غيرها، لا تكفي، ما دامت مناهجها الفقهية غير مُروَضة على طريق التعددية الفكرية وحرية الانسان في بناء معتقداته، وأحكام "المرتد" ابسط الأمثلة التي يمكن منها اكتشاف وفاق الفقهاء على إباحة الدم والأموال عنوة.

الحالة التي يطرحها اغلب رجال المعبد الشيعي لا يستوعبها العقل كونها مطلقة وتحجم التفكير عن التفكيك، ولو انهم كانوا قد رضوا على عدم جواز إخضاع حرية المرء في إظهار دينه ومعتقده الا لما قد يفرضه القانون من حدود تكون ضرورية، بالاضافة الى منع تعريض أحد للتمييز من قبل أية دولة او مؤسسة او مجموعة أشخاص على أساس الدين او غيره من المعتقدات، لجاز وصفهم بالمصلحين، دونه فسوف لا يقطع هؤلاء الطريق أمام إدانتهم بالاستبداد العقائدي، كونهم في طور تطويق كل المعتقدات والفعاليات المجتمعية بغرائز اسلامية متشددة لا تتأثر بشيء سوى الموت للمختلف.