الخطاب الديني الظالم المظلوم

إذا كنا حقاً جادون في مسألة تجديد الخطاب الديني، فعلينا أن نتخذ من الصدق منهجاً، وكي يصدقنا الآخرون، علينا تصديق أنفسنا أولاً، وإذا أردنا أن نجد البداية الصحيحة لدولة حديثة، فمن الضروري أن ينتقل ما يدور في العقول همساً إلى الجهر والعلن، وأعتقد أنه قد آن الأوان لإطلاق ما في العقول من تساؤلات من الظلمات إلى النور، كوسيلة وحيدة لتنظيف جراح العقول ومنحها فرصة الشفاء.

ولن تصل العقول لهذه المرحلة من النقاء والصفاء إلا إذا أيقنت أنه لم يعد هناك شيئاً يُحاط بسياج القدسية أو السيادية، وإذا زال من قاموس العقل والفكر ما يُعرف بالخطوط الحمراء، وحتى يقتنع الناس بأهمية تحديث الخطاب الديني فيحق لهم أن يعلموا على وجه اليقين هل الخطاب الديني الذي يُراد تجديده، نشأ متطرفاً من الأساس، أم أنه أصبح كذلك لوجود خطاب آخر يسعى إلى الاستئثار بكل شيء؟ وهل الخطاب الديني الذي تحول إلى التطرف هو الخطاب الوحيد على الساحة الموسوم بذلك، أم أن هناك خطابات أخرى على رأسها الخطاب السياسي، قد يكون أكثر منه تطرفاً وضراوة؟، ومن الذي سبق الآخر إلى التطرف، الخطاب الديني أم الخطاب السياسي؟ ولماذا نختص الخطاب الديني وحده باللوم على ما وصلنا إليه دون أن يكون للخطاب السياسي نصيبه العادل من اللوم أو على الأقل يتحمل جزءاً من المسؤولية؟

والأهم من ذلك كله إلى متى ستظل مصر رهينة السلطة الأحادية التي لا يأتيها الباطل من خلفها ولا من بين يديها، سواءً كانت سلطة دينية أو سلطة سياسية؟

هذه مجرد أسئلة، أعتقد أنها مشروعة قبل الدخول لمتاهات الحشد الإعلامي الذي يدعو الناس إلى محاربة التراث الديني الموروث، فالمتتبع للهالة الضخمة التي سرت في أوصال الإعلام المصري وصاحبت دعوة الرئيس عبدالفتاح السيسي الى تحديث الخطاب الديني، والتي سُميت بالثورة الدينية، يظن أن مشكلة مصر تكمن فقط في بعض الأفكار الدينية المتطرفة، ويعتقد أن تلك الأفكار هي المسؤولة وحدها عن التردي السياسي، والاقتصادي، والاجتماعي، ويتخيل أن الخطاب الديني الحالي هو الذي يقف حجر عثرة أمام تحديث الدولة وإخراجها من الظلمات إلى النور.

إذا اقتنع الناس بذلك، وسارت الدولة المصرية وأجهزتها في هذا الطريق، لكنا حقاً أمام تبسيط ساذج متعمد للمأساة التي تعانيها البلاد، بهدف صرف الأنظار عن المشكلة الأم التي أدت إلى انبعاث الأفكار التي يطالب الرئيس بتحديث خطابها، ألا وهي آفة الديكتاتورية المقيتة التي أفرزت جميع الآفات الأخرى التي نخرت وما زالت، عظام مصر وشعبها.

ويخطئ من يعتقد أن الديكتاتورية منحصرة فقط في السلطة العليا للدولة وأجهزتها، فالداء أصبح أكبر من ذلك بكثير، فالديكتاتورية في مصر سالت وانتشرت نزولاً من أعلى إلى أن أصبحت ثقافة سائدة، متدرجة ومتغلغلة أفقياً ورأسياً في النسيج المجتمعي ما أدى إلى الاستنساخ الدائم والمتواتر لأجيال مصابة بالمرض، وحاضنة لجرثومته في نفس الوقت، وناقلة له جيل بعد جيل، طالما لم تلمح الدولة من طرف عين بنيتها على تحديث البيئة العامة لها بما يُمكن من تهذيب ديكتاتوريتها التي أدت إلى صراعات بين مكونات الوطن أيها يستطيع أن يبسط سيطرته على الدولة ومقدراتها.

إذن فالسيطرة هي الهدف الذي يُحرك الجميع، من يرفعون شعار الدين ومن يجابهونهم، والفريقان اكتشفا احتياجهما لاستقطاب الشعب لأنه هو الورقة الرابحة في أي معركة تدور بينهما، وقد اتخذا من العقل الجمعي للناس ميداناً للنزال والمنافسة، ولكن أي عقل يريد كلٍ من الطرفين؟ هل العقل المتعلم الواعي المُدرك لحقائق الدين والدنيا والعصر؟ أم العقل الجاهل الذي لا يستطيع التمييز بين ما ينفعه وما يضره؟

أكاد أن أجزم أن أصحاب الخطابين الديني، والسياسي، يجمعهما هدف واحد، وهو ضرورة الإبقاء على الشعب في حالة متردية من الجهل والفقر والمرض، لسهولة قيادته من ناحية، ومن ناحية أخرى فإن هذا هو الوضع الأنسب الذي يحارب فيه كل طرف منهما الآخر، ومن عجائب الأقدار أن الديكتاتورية التي يمثلها الخطاب السياسي وهي تمارس سلطتها بعيداً عن مقتضيات الحكم الرشيد، تُقدم إلى من يتاجرون بالخطاب الديني، الأرضية الصالحة لتنمية أفكارهم المتطرفة، وذلك باستغلال حالات اليأس التي يصل إليها المواطنون والتي يسبقها بالضرورة تعليم متدني ورعاية صحية منعدمة واقتصاد منهار، إضافة إلى أن الدولة حين لا تمارس الحكم الرشيد تدفع مواطنيها إلى الانضمام تلقائياً للفريق الآخر الذي يقف ضدها، ليس حباً في هذا الفريق، إنما نكاية في الدولة الظالمة.

ما لا يدركه أصحاب الخطابين، الديني، والسياسي، أن للزلازل توابع، وللبراكين انبعاثات، وللثورات موجات، وأن دوام الحال من المحال، وأن أخطر لحظة تصل لها الشعوب هي اللحظة التي يتساوى فيها الموت مع الحياة، وأن انتصار طرف على الآخر ليس في مصلحة الوطن، وحتى لو تمكن أحد الخطابان من إقصاء الآخر، فلن يستطيع أن يعيش سعيداً إلا إذا مارس العدل والحكم الرشيد، وبغير ذلك سينشأ دوماً حالات من التطرف لن تعجز عن أن تجد لنشأتها المسببات.