التطرف... يضرب الإسلام

هدية لمبغضي الإسلام

اعتلى مسلحان ذروة سنام الإسلام، مسلحين بأسلحة من صنع "الكفار"، ليردا برصاص الحقد والضغينة والتخلف على رأي لم يعجبهم، تبنته صحيفة فرنسية ساخرة اعتادت السخرية من الأديان كافة وليس من دين محدد، وهتف القاتلان بعد اختطافهما أرواح اثني عشر إنساناً خلال خمس دقائق، بأنهما انتقما للنبي محمد، قد نالته سخرية الصحيفة كما نالت المسيح، وسيطرت على المشهد أصوات التكبير، لتجد صداها في حالة وحدت الطبقة السياسية وأهل الإعلام والرأي العام في فرنسا، رداً على الجريمة الهمجيّة التي تشكّل اعتداءً على حريّة التعبير والديمقراطيّة.

إذا كان الدواعش فرحوا بالجريمة وقال أحدهم لقد ثأر أسود الإسلام لنبيّنا، وهم يمشون على خطى "البغدادي" وأسامة بن لادن، وهدد بأن هذا أول الغيث والقادم أسوأ، فإن آخرين دانوا الجريمة لفظاً وعلى استحياء، وأعقبوا ادانتهم بالقول إن استخدام حرية التعبير وإهانة الديانات السماوية وقيمها ورموزها غير مقبول، أما رئيس اتحاد المنظمات الإسلامية في فرنسا وهو يعيش الواقع فقد أكد أن المهاجمين انتقموا من المسلمين.

بات واضحاً أن تلك المجزرة ستزيد حالة الذعر والشكوك، وسيدفع ثمنها الفرنسيون من أصول عربية والمسلمون، وستتفاقم مناخات الإسلاموفوبيا التي تنخر الغرب المسيحي، ولعلها المصادفة وحدها التي جمعت في يوم واحد الهجوم على مقرّ المجلة الساخرة، وصدور رواية ميشال هولبيك الجديدة "استسلام"، التي تتناول سيناريو افتراضياً حول فوز مرشح مسلم في الانتخابات الرئاسية الفرنسية عام 2022، ورأى البعض فيها إشارةً جديدة إلى موجة من رهاب الإسلام تجتاح أوروبا، على شكل مظاهرات في ألمانيا، وهجمات على مساجد في السويد، واعتداءات على محجبات في فرنسا، ولا شكّ أنه سيكون من عواقب هذا الهجوم تأجيج هذه الموجة التي تصوّر المسلمين كأعداء، ولعل الضوء الوحيد في هذه العتمة هو ذاك الصادر من النرويج على لسان رئيس حكومتها، حيث قال "سنردّ على الإرهاب بمزيد من الديمقراطية ومزيد من الانفتاح والتسامح".

نحن اليوم نقرأ صفحة جديدة وصعبة، فُتحت بين المجتمع الفرنسي والمسلمين على أرضه، لن تؤدي الجريمة إلى تراجع الصحيفة، فقد حصلت على تضامن المجتمعات الأوروبية كلها، وسترفع أعداد مطبوعتها عشرات المرات، لكن الضربة ستصيب تسامح المجتمعات الأوروبية مع ملايين المسلمين يعيشون على أرضها، خصوصاً مع نمو اليمين الفرنسي المتطرف، الذي يضع على رأس سلم أولوياته طرد الأجانب "المسلمين"، وقد تجد مخططاته دعماً من جهات عديدة ترغب في إضعاف الدور الإسلامي في أوروبا، وهنا نتبين كم كان غبياً العقل الذي دبّر هذه الجريمة ونفذها، فقدم لكل كارهي المسلمين هدية ثمينة ومجانية، وساهم في دفع المجتمع الفرنسي إلى مزيد من الحذر والقلق والشك في كل عربي ومسلم.

ليس صحيحاً على الإطلاق تبجح البعض بأن مشاركة فرنسا في الحرب ضد داعش، تثير القاعدة السنية في العالم الاسلامي، وأنها بموقفها من إيران وحزب الله وسوريا تثير القاعدة الشيعية، فالحقيقة أن داعش ذبحت من أبناء الطائفة السنية أكثر من غيرهم، وأن إيران وحزب الله لا يمثلان الطائفة الشيعية بالكامل، والمؤكد أن السياسة الفرنسية لن تتبدل بعد الجريمة، وهي ستواصل التمسك بمواقفها، وتستمر بالعيش كما تريد ولن يمنعها أحد عن ذلك، والمهم الآن استكشاف موقفها من الأزمة السورية، وهل تتحول من موقف الضغط على النظام، إلى زيادة التعامل الـمني وربما الدبلوماسي معه لضرب الإرهاب.

المؤكد أن ما قبل العمل الإرهابي على صحيفة في بلد يقدّس الحرية الإعلامية ليس كما بعده.

حازم مبيضين

كاتب أردني