مع فرنسا... ضد الإرهاب

رسوم أشهرها التعصب

ما حدث في باريس خلال الأيام الماضية في مجلة «شارلي إيبدو» كان مؤسفاً، وعملاً جباناً مرفوضاً أخلاقياً ودينياً وسياسياً.. وبعد انتهاء أيام الرعب في باريس بمقتل الأخوين كواشي اللذين قتلا فريق تحرير المجلة، وقتل محتجز الرهائن أحمدي كاليبالي.. يجب أن يفتح العالم صفحة جديدة في محاربة الإرهاب، وفي الوقت نفسه، لا يجب أن تقسم هذه الجريمة العالم إلى قسمين، عالم إسلامي، وعالم مسيحي.

وبعد تقديم العزاء لأهالي الضحايا، والشعب الفرنسي، والأسرة الصحفية في فرنسا والعالم، من المهم أن نستفيد مما حدث في باريس كي يعود العالم إلى نقطة الصواب، وهي نفطة البداية التي تهنا عنها وأضعناها بقصد، أو من دون قصد، منذ أحداث الحادي عشر من سبتمبر 2001 عندما اعتبر الغرب كل مسلم، وكل عربي، وكل شرق أوسطي إرهابياً، أو مشروع إرهابي، أو مشكوكاً فيه بأنه إرهابي. السنوات الأربع عشرة الماضية أثبتت أن طريقة تعامل العالم مع الإرهاب لم تكن صحيحة بشكل كامل، وإن كان له بعض النجاحات.

إن الحرب على الإرهاب هي حرب أخلاقية إنسانية حضارية، وليست حرباً دينية أو عرقية، فليس من يقومون بعمليات الإرهاب في العالم، وإن كانوا يحاولون أن يظهروا أنفسهم بأنهم «المسلمون الحقيقيون»، إلا أنهم أبعد ما يكونون عن تعاليم الإسلام، لذا فإن إصرار «البعض» في الغرب على ربط الإرهاب بكل المسلمين لم يعد مقبولاً، فضلاً عن أنه لم يعد مفيداً، ولا يخدم الطرفين، ولا الجهد في مكافحة الإرهاب.

من المهم أن يبدأ الغرب في الإدراك بأننا في العالمين العربي والإسلامي نعاني الإرهاب منذ سنوات طويلة، وقد بذلت العديد من الدول جهوداً في مكافحته، فضلاً عن الجهود الأهلية والإعلامية، التي لم تتوقف، وقد يكون من الجيد أن يعرف أصدقاؤنا في الغرب أن الكثير من الأسر في منطقتنا خسرت أبناءها الذين تم خداعهم والتغرير بهم، فباسم «رفع راية الإسلام» تارة، وباسم مواجهة «الحكام الفاسدين الضالين» تارة، وباسم«محاربة الصليبيين» تارة، وباسم «الجنة والحور العين»، تارة، وباسم الجهاد مرات ومرات ذهب آلاف من الشباب العرب والمسلمين ولم يرجعوا.. ذهبوا مخدوعين بذاك الوهم الذي لا يعدو أن يكون أكثر من شر مستطير ضد كل قيم الإنسانية والحضارية.

الحرب اليوم ليست بين مجموعة أصولية متدينة ومتعصبة لمعتقداتها والعالم الغربي، وإنما هي حرب بين الخير والشر، بين الإنسانية والهمجية، بين التحضر والتخلف، لذا يجب أن نتوقف قليلاً ولو لسنوات معدودة عن نرجسيتنا، ونظرتنا السلبية لبعضنا بعضاً، فلنتوقف كعرب ومسلمين عن النظر بازدراء للغرب، ولكل من هو غير عربي أو غير مسلم، وعن اعتبار أنفسنا أصل الحضارة العصرية والرواد في نهضة العالم الغربي الذي يعيشه اليوم.. وليتوقف الغرب عن نرجسيته ونظرته للعرب والمسلمين بفوقية، وعلى أنهم مجموعة متخلفة من العالم لا تُمارس الديمقراطية، ولا تعترف بالحرية ولا تمتلك إلا المال والنفط، وتصدر الإرهاب.

لا نذيع سراً، إذا قلنا، إن فرنسا بعد السابع من يناير لن تكون فرنسا التي كانت قبل هذا اليوم، فالحدث كان كبيراً، لكم من المهم أن يتوقف الغرب، وربما الإعلام الغربي، وبعض المتعصبين عن نبرتهم الهجومية الناقدة التي تضع كل البيض في سلة واحدة.

اليوم نحن أكثر ما نكون بحاجة، لأن نضع أيدينا بأيدي بعض، ونعمل بشكل منظم لمحاربة الإرهاب بكل الطرق، وإذا كان الإرهابيون اليوم من المسلمين، فلا يمكن أن نستبعد أن يصبح لدينا في سنوات قليلة إرهابيون من جنسيات أخرى، وأديان مختلفة، فالإرهاب لا دين له، ولا مكان ولا زمان، الجهد الغربي في هذه المرحلة يجب أن يركز على محاربة الإرهابيين الأشرار، وليس محاربة الإسلام والمسلمين.

العدو الحقيقي

المهم أن ندرك في هذه المرحلة الحساسة أن الإرهابيين هم مجموعة من الجبناء يهربون ويختفون إذا وجدوا من يواجههم، ويكونون أقوى عندما يكون العالم مختلفاً عليهم... وأطلب من زملائي رؤساء تحرير الصحف الغربية والكتاب والإعلاميين، ومقدمي البرامج التلفزيونية أن يدركوا من هو العدو الحقيقي، وأن يعرفوا كيف يستخدمون الرسالة الصحيحة الموجهة ضد الإرهاب، وأن يحذروا الأخطاء السابقة التي وقع فيها البعض، عندما قاموا بمساواة كل مسلم وعربي بالإرهابيين.

هناك قرابة الأربعمائة مليون عربي في العالم العربي، والملايين منهم يعيشون في كل قارات العالم، جميعهم يحبون العيش بخير وسلام، وهناك أكثر من ملياري مسلم أيضاً في العالم الإسلامي، وعشرات الملايين منهم مهاجرون في دول العالم، وجميع المسلمين يحبون الخير والسلام، وبين هؤلاء وأولئك عدد لا يكاد يتجاوز الآلاف ممن اختاروا طريق الشر والإرهاب والقتل، فهؤلاء من تبرأ منهم المسلمون قبل غيرهم، وهم من يجب أن نواجههم مجتمعين.

في الدول الغربية، في أوروبا والولايات المتحدة الأميركية وأستراليا ملايين المهاجرين من العرب والمسلمين، و6% من سكان أوروبا من المسلمين، نتمنى ألا يدفعوا ثمن تلك المجموعات الإرهابية فهؤلاء تَرَكوا أوطانهم هرباً من الفقر، أو الظلم، أو الإرهاب، أو الاحتلال، وجميعهم يسعى الى خير الأوطان التي يعيشون فيها، فلا يمكن أن يدفعوا ثمن أخطاء مجموعات إرهابية صغيرة منحرفة.

نقاط الاتفاق كثيرة

على الغربيين الذين يعيشون في الدول العربية مسؤولية كبيرة في أن يوصلوا الرسالة الإيجابية والصحيحة عن منطقتنا وشعوبنا وديننا، فنحن بحاجة إلى من يهدئ النفوس، من يقرب وجهات النظر، من يقفز على نقاط الاختلاف، لأن نقاط الاتفاق أكثر بكثير، وهي ما نحتاج أن نركز عليها في هذه المرحلة الحساسة من التاريخ الإنساني.

لقد ظل الغرب سنوات طويلة يتخذ موقف المتفرج على الإرهاب دون أن يتحمل المسؤولية الكافية تجاه ما يحدث في خارج عالمه -كما كان الحال مع بعض دول المنطقة- لكن تبين أن الغرب كان مخطئاً، فالإرهاب لم يتوقف يوما، ومن يعتقد أنه بعيد عن الإرهاب، فهو مخطئ ويعيش في الوهم.

الإرهاب عالمي

لم يكن الإرهاب عربياً ولا إسلامياً، الإرهاب شر عالمي تجب مواجهته بشكل جدي، ومسؤولية مواجهته ليست على الدول العربية أو الإسلامية فقط، وإنما على العالم بأسره أن يقوم بمسؤولياته تجاه هذه الآفة، وعلى الأمم المتحدة أن يكون له موقف عملي من مسألة محاربة الإرهاب، فلم تعد القضية ترفاً ولا تنظيراً.

فبعد أن وجد الإرهاب من يموله ويقدم له الأسلحة، ويوفر له مساحة على الأرض، أصبح عدواً منظماً جداً له أرض يتحكم بها، والأخطر من ذلك له أتباع في كل مكان في العالم، فالمواجهة الأممية لهذا الشر لم تعد شيئاً من المبالغات، وإذا تأخر العالم أكثر، فإن الثمن الذي ستدفعه البشرية ستكون أكبر والخسائر ستكون أكثر، هذا الشر بحاجة إلى تتم محاصرته أولاً، ثم القضاء عليه بشكل تام.

فهذا العالم يستحق أن يعيش في سلام، لا أن يكون مرتهناً لمجموعة من المجرمين وقطاع الطرق وسفاكي الدماء تقابلهم مجموعة من المتعصبين والمستنفعين، الذين يبحثون عن إشعال الصراعات لمكاسب سياسية قصيرة الأجل، والعالم يخسر أشخاصاً جيدين، لأننا إلى الآن لا نعمل بشكل جيد، فلا نعرف من أين، ولا كيف نحارب الإرهاب.

محمد الحمادي

كاتب إماراتي ورئيس صحيفة الاتحاد