متى يعيد التونسيون قراءة التاريخ؟

نقول، نحن التونسيون، إننا أنجزنا ثورة (17 ديسمبر 2010 - 14 يناير 2011) وبناء عليه، يقول قائلون إنّ تلك هي بداية "الربيع العربي"، وما أدراك ما هو. في ضوء هذا، الآن وقد غادرت البلاد حقبة "المؤقت" ودخلت في زمن "الدائم" بعد أن أنجزت كامل مراحل الانتقال السياسي، أفترض أنّ الأسئلة الأكثر معقولية اليوم هي الآتية: إلى أيّ مدى ما حدث في تونس كان ثورة؟ وما هي أهم استتباعاته بصفته حدثا سجّله التاريخ مهما كانت التسمية التي أُطلقت أو ستطلق عليه؟ بكلام آخر، أين كنا وأينا أصبحنا؟

أوّل ما سيتبيّن لنا هو أنّ حركة النهضة، التي ستحكم البلاد على امتداد ثلاثة أعوام بمعية حزبين اثنين صغيرين، قد تمّ بعثها من جديد، وأنّ البعث قد تمّ من خارج الفضاء الفكري والسياسي الوطني ومن خارج حدود الوطن قبل أن توفد إلى داخله، وأنها قد أوفِدت بسرعة قياسية مثلما توفدُ لجنة إغاثةٍ إلى بلد في حالة حرب أو أصيب بكارثة طبيعية أو بيئية أو إنسانية.

ها هي إذَن حركة النهضة الإسلامية تتشكل بين عشية وضحاها (في شهر مارس من سنة 2011) في تحدٍّ صارخ لقانون الأحزاب (تحجير قيام أحزاب على أساس اللغة أو الدين). وهاهي تتقدم بقائمات انتخابية، ثمّ تفوز بأغلبية مُريحة في سنة 2011، فتشكل حكومة وتسيطر على المجلس التأسيسي، وتدفع بشخصية غير شعبية (المنصف المرزوقي) إلى سدة الحكم الرئاسي، وتهز البلاد هزّا على امتداد العامين ونصف العام التي استغرقها حكمها، وتنتهي على طريقة الهبوط الاضطراري على دكة المعارضة البرلمانية إثر انتخابات 26 أكتوبر من سنة 2014، قبل أن تخسر أيضا عبر خسارة حليفها المرزوقي في الانتخابات الرئاسية الموالية (ديسمبر 2014).

إذَن من لا يعتبر أنّ انبعاث النهضة بتلك الطريقة معطًى أساسيا وإنما يعتبره فعلا تلقائيا وطبيعيا قامت به مجموعة من المناضلين بعد أن تخلصت من الحاكم الطاغية بن علي فهو في رأيي إما ممن لم يخطر ببالهم أبدا أن يبحثوا عن حقائق الأمور وإما ممن يعلمون الحقائق لكنهم يريدون إخفاءها عن التونسيين وإما ممن يعتقدون أنّ بإمكانهم بناء مستقبل البلاد على أسّ المغالطة الذاتية وعلى أسّ مغالطة الشعب، أعني استنادا إلى قراءة خاطئة للتاريخ. في الحقيقة، ليست النهضة من أسقط بن علي. وليست النهضة من كان قد أشرف على أحداث الحوض المنجمي (بجهة قفصة في شهر يونيو من سنة 2008) والتي كانت – مهما بدا ذلك متناقضا مع الطرح الذي نحن بصدد عرضه- بمثابة الخلفية الاجتماعية الأهم وذلك لجهة اختزانها للوقود الخام للحركة الاحتجاجية التي عرفتها البلاد في 2010-2011.

كان قدوم النهضة واعتلاءها سدة الحكم أول استتباعٍ لِما تمّت المواضعة (اللغوية) عليه بأنه ثورة. وما يقلقني كشخص متديّن يؤمن بعقلانية الإسلام ويعيش على أرض الوطن غير راغب في الهجرة وغير متحزب إيمانا منه بقرب انهيار المنظومة الحزبية عالميا ويحاول مقاومة عبادة الشخصية سيما في ما يخص العلاقة بين الشعب والرئيس، ما يشغلني هو الطابع الذي اتسم به هذا الاستتباع المسجل على إثر الحدث السياسي الاحتجاجي. يتمثل الاستتباع في تكوّن بِنية أوّلية للحكم (السلطة المؤقتة). ويتلخّص طابعه في عبارات ثلاث: الأجندة الأجنبية، الإسلاموية، سرعة الإنجاز.

أين يبرز هذا العامل ثلاثي الأبعاد وما هي دلالته؟ إجمالا، لم يعد هنالك شك في أنّ جهات داخلية بعضها معروف وبعضها الآخر ما يزال غير معروف سارعت بوضع اليد في اليد مع جهات أجنبية (جُلّها معروف) كي يتمّ استدراج التونسيين للقيام بثورة ناعمة (ألم تسميها أطراف غربية "ثورة الياسمين"؟). وقد تمّ للغرض تكوين طاقم من "السايبر-عملاء" ثم تكليفهم بإشاعةِ أخبار عبر المواقع الاجتماعية الالكترونية من شأنها الاستئثار بالرأي العام ودفعه إلى التحرك الاحتجاجي (على خلفية حقيقية مثل أحداث الحوض المنجمي).

إذا اعترفنا بحقيقة التدخل الأجنبي في صنع قرار الانتفاض لن يصعب توقع المخرجات المنتظرة من طرف الجهة المقررة: لا سبيل أن تنجز تونس (وأيّة دولة عربية) بِنية ديمقراطية بنفسها أي انطلاقا من إرادتها الجماعية الأصيلة، واستنادا إلى الشخصية والهوية الوطنيتين، وعلى شاكلتها الذاتية. لبلوغ هذا الهدف اللاّإنساني كان لا بدّ أن يجد كبار مهندسي "الثورة الناعمة" تعويضا عقديا ورمزيا وسياسيا للقوة (الوطنية) التي كان ينبغي أن تكون هي التي تحقق ثورة حقيقية (أعني بالمواصفات الأصيلة). وبالتالي لم يعد هنالك شك في أنّ الإسلام السياسي (حركة النهضة) هو الذي أريد له أن يكون ذلك المعوّض الهش.

هكذا سيكون الإسلام السياسي عبارة عن جهازٍ راكبٍ على جسم تونس في مواجهة الإسلام الوظيفي -الثقافي والحضاري والتاريخي بصرف النظر عن كونه ديانة وعقيدة- كي يفعل في المجتمع ما تفعله الزائدة الدودية إذا ما بقيت في جسم الإنسان لتعمل في مواجهة الأمعاء السليمة، حائلة دونها ودون القيام بوظائفها الطبيعية على أحسن وجه.

هكذا ومن خلال الواقع رأينا أنّ مَن أنجز الانتفاضة المسماة بالثورة هم أناس يعانون الأمرّين من الحاجة والفاقة. لكن ما راعنا إلا أن وفدت على البلاد جمهرة من المهاجرين، معظمهم ميسورو الحال تمتعوا بخيرات البلدان (الأوروبية) المضيّفة لهم، لكنهم مع هذا جاؤوا طمعا لا في الحكم فقط وإنما في المال أيضا (قضية الشيك الصيني مثال). فهذا الصنيع بحدّ ذاته سرقة لثورة شعبية احتمالية -أعمق من تلك التي سمّيت كذلك- كانت لتحدثَ فعلا لو توفرت لها الظروف الطبيعية، مكان تلك التي لم تعمّر سوى بضعة أيام. هكذا تمّ الركوب على ثورة موقوتة من أجل حُكمٍ مؤقت. هكذا أزيح شهداءٌ حقيقيون من المشهد ليكون القادمون من الخارج هم الأبطال الحقيقيون للحدث التاريخي (بينما لم يسقط من النهضويين شهيد واحد)، ثم ليكونوا هم الحمّالون المؤقتون لآمال التونسيين.

أما الاستتباع الثاني فهو ذاك الذي حصل على إثر معاينة فشل النهضة (والترويكا) في تسيير شؤون البلاد، مما أدى إلى تشكّل "الرباعي الراعي للحوار" الذي أطلق الحوار الوطني وأشرف عليه. صحيح أنّ القوى الوطنية كان لها آنذاك دور إيجابي في إيجاد الطريق الذي سيفضي إلى البديل عن النهضة والترويكا، لكن صحيح أيضا أنّه كان هنالك تقاطع بين تلك الإرادة الوطنية المتذبذبة وبين إرادةٍ تسييرية خارجية براغماتية وانتهازية. وكان حينئذ لا بدّ أن يتأكد العرّابون وأصحاب المصالح والنفوذ العالمي من أنّ "الزائدة النهضوية" قد كانت نافذة المفعول بأن أدت وظيفة تفريغ وصفتنا الديمقراطية من المكوّن الشخصياتي والهوياتي الذاتي لكي يوافقوا، دون قيد أو شرط معلنَين، على استبعاد حركة النهضة من الصورة السلطوية القادمة. كان ذلك صنفا من أصناف الإذن بأن تضمحلّ النهضة.

بالمحصلة، الذي جلب الإسلام السياسي (حركة النهضة) إلى تونس هو الذي وافق على ضرورة ترحيله (سياسيا). وقد حدث الاستبعاد فعلا، متجسدا في ذلك الاستتباع الثاني والذي تُوّج بانتخابات فاز بها حزب جديد العهد وبرئيس يجمع بين الخبرة والدهاء وخفة الروح (قائد السبسي).

لكن من منظور رهاناتِ الزمن الحاضر، أعني زمن الاستتباع الثالث، أستنتج أنه كان لا بدّ - موازاة مع مغادرة النهضة للحكم - أن تفتش القوى المهيمنة وعملاؤها المحليون على جهةٍ أخرى - عوضا عن النهضة المهزومة- كي تلبّي لهم رغباتهم وتخدم مصالحهم ثم يأذنون لتلك الجهة بالتحكم بمستقبل التونسيين. لذا فغياب القرار الوطني السيادي هو الذي فسَح – وقد يفسح اليوم- المجال لتبعية القرار. ولكي لا يحصل هذا مرة ثانية لا بدّ أن يدرك كل التونسيين الحريصين على تصحيح الثورة وبدء الإصلاح بواسطة مفاعيل ثورية أصيلة أنّ غلبة الأجندات الأجنبية (التي لعبت ورقة الإسلام)على كل نفَسٍ تحرري وطني لم تكن لتحدث لو أنّ الشعب علم نقطة الضعف عنده كشعب ذي غالبية مسلمة: كلّ المسلمين يعرفون الإسلام ومقتنعون به، لكن ليس كل المسلمين عارفين بالحرية ومقتنعين بها، مما يدفعهم إلى الإحساس بأنهم ليسوا بصدد تطبيق الإسلام في الواقع. وهذا مما يولّد لديهم نوعا من الحرمان المولّد هو بدوره للإذعان للقرار الخارجي (وهو وجه مما أسماه مالك بن نبي "القابلية للاستعمار").

بالتالي إذا تعرف المنحازون للثورة على هذا الضعف الذي ينخرهم من الداخل فلم يبقَ لهم سوى إدراك أنّ الرهان الأكبر مستقبلا هو الحرية. فالحرية هي التي ستمكّن الشعب المسلم من فَهْم لماذا هم ليسوا بصدد إرضاء ضميرهم الديني. وهي التي ستزوّدهم بالصورة المعاصرة لحياتهم والتي تنبثق من إرادتهم في تحقيق الرضا. فالتحرر المقرون بتمَلك القدرة على إرضاء النفس والوطن هو الشرط الأساسي للاستتباع الثالث. هذا ما سيسمح لي، في ما يلي، بأن أواصل تفكيك لغز الاستتباع الثالث.

يتطلب التفكيك أيضا طرح السؤال التالي: هل كل مرة سيتضايق المجتمع من أيّ نوع من الاستبداد على غرار استبداد النظام البنعلي، ثمّ النهضاوي تباعا، سيتم إيفاد فريق منقذ لتونس؟ للإجابة، يتضح أنه لا مفر من أن يكون هنالك مستبدّ لكي تكون هنالك حاجة إلى المقاومة التي هي بدورها تستوجب فريقا للخلاص. وهنا مربط الفرس. ففي مجتمع افترَضنا أنه احتجّ وانتفض -وربما يصح أن نقول بشأنه إنه ثار فعلا- لكننا بيّنّا أيضا أنه لم يثابر في احتجاجه وانتفاضته (وثورته) بشكل يرضي إرادتَه وشخصيتَه وهويتَه وثقافتَه وذاكرتَه وتاريخَه، نحن أمام خطرٍ بيّنٍ: مثلما هنالك حاجة لمستبدٍّ فلا بدّ أن يكون هنالك صانع للاستبداد وللمستبدّ. وهذا مما يعني من خلال منطق الأشياء الذي بيّنّاه أنّ تونس لا تزال مهددة بأن يحاول الآخر أن يبعث لها "نهضة أخرى"، بكل مستلزماتها/ زائدةً دودية أخرى، بطاقمها الجرثومي كاملا.

إنّ هذا الاحتمال مخيفٌ حقا. لكن مواجهة حقيقةٍ مخيفة أفضل من معانقة وهمٍ مهما بدا مُطَمئنا. لذا ليس أمام الشعب التونسي من خيار بالنظر إلى ما مضى، وما عانى منه، وما قد يحدث، سوى خيار واحد: إثبات أنه جدير بأن يقول عن نفسه إنه ثار، وبأن يقال عنه إنه ثار، مع تكذيب صورة الشعب السلبي، المتفرّج على مشاهد هوليودية أُسقِطت على واقعه إسقاطا. وهل بإمكان الشعب أن يضطلع بالمقولة الثورية ما لم يصنع هو بنفسه مشروع المستقبل والبِنية السياسية الحاكمة، واقفا كالرجل الواحد أمام محاولات التسلل الإيديولوجي الآتية من آفاق خارجة عن ذاته؟

نخلص إلى أنّ الاستتباع الثالث لأحداث ديسمبر- يناير إنما هو بالذات المرور بمرحلة تملّك مخرجات الفعل الثوري. فهي مرحلة التسوية التاريخية والحضارية. وهي مرحلة الاستحقاق الديمقراطي: "الاستحقاق" بالمعنى اللغوي الحقيقي، لا بالمعنى الاصطلاحي الإنشائي الذي روّجته وسائل الإعلام.

بفضل هذا المنطق آملُ أن يسائل التونسيون أنفسهم حول مشروعهم الأكبر: لو كان ما قمنا به - وتوَقفنا عنه- ثورةً، لكُنّا أعطينا المثال للعالم، الغني والفقير، المتقدم والمتخلف، كيف يتسنى للجميع الخروج بسلام من براديغم العولمة الاقتصادية وتبعاتها السياسية وتداعياتها الثقافية، وكيف تصاغ منظومة تعليمية تناهضُ العبودية المعاصرة بمختلف جوانبها، وكيف يتم تطوير المنظومة الصحية العمومية بشكل يساوي بين الفقير والغني، وكيف تتحسّن العقيدة الحقوقية باتجاه التحلي بالعدل والمساواة وتجنّب ازدواجية الخطاب وسياسة المكيالين سواء بشأن الأفراد أو بشأن المجتمعات أو بشأن الأجناس والديانات والثقافات، وكيف يتم إرساء سياسة اجتماعية على أرضية عقدٍ أخلاقي كوني لا يدع مجالا لاستشراء الآفات المتعددة، وكيف يعيش التونسيون في صلب جماعة متضامنة ومتماسكة.