كل خيارات الحلّ في ليبيا تؤدي إلى التدخل العسكري

ما الجدوى من مفاوضة 'هواة حرب'؟

باريس - في مواجهة الفوضى السائدة في ليبيا، لا تملك القوى الكبرى ودول المنطقة سوى خيارات قليلة جدا من ضربات عسكرية محتملة محدودة وصولا الى السعي، وهو لا يزال فرضيا، الى حلّ سياسي.

وفرنسا التي تجد نفسها في الواجهة بسبب تدخلها العسكري في منطقة الساحل، تحذر منذ عدة اشهر من مخاطر الوضع وكذلك تفعل دول مثل النيجر وتشاد اللتان دعوتا علنا الى تدخل عسكري في ليبيا.

ورغم أن باريس استبعدت الاثنين على لسان رئيسها مثل هذا السيناريو على المدى القصير لافتة الى انه من أجل القيام بذلك يجب "ان يكون هناك تفويض واضح وشروط سياسية"، متوافرة في طرابلس "لكن الأمور لا تسير في هذا الاتجاه"، فإن ذلك لا يغير من حقيقة أن المزاج الدولي صار يتجه صراحة إلى الخيار العسكري ليس لفرض حل سياسي لن يتحقق لاعتبارات داخلية ليبية كثيرة، وإنما للقضاء على مليشيات تمارس الإرهاب لإكراه الشعب الليبي على خيارات لفضها في الانتخابات البرلمانية في صيف 2014، وهو ارهاب يهدد بالتوسع ليصبح خطرا داهما على عموم منطقة شمال إفريقيا ودول الساحل والصحراء هذا ان لم يتوسع نحو الشمال إلى أوروبا.

وقال الرئيس الفرنسي فرنسوا هولاند الاثنين ان "فرنسا لن تتدخل في ليبيا لأنه يتعين اولا على الاسرة الدولية تحمل مسؤولياتها والسعي لإطلاق حوار سياسي لايزال غير قائم وثانيا إعادة النظام".

غير أن إقدام الأمم المتحدة على تأجيل الحوار الذي سعت إلى فرضه بشكل غير طبيعي بين سلطات شرعية وبين انقلابيين يريدون أخذ ليبيا نحو أفق "دولة الخلافة" الإسلامية التي توطن إرهابها في الداخل على أن تصدره لاحقا إلى المحيط الإقليمي، قد يجعل الرئيس الفرنسي ربما يراجع موقفه عن ضرورة إعطاء الفرصة لحلّ سياسي مستحيل وباسرع مما يعتقد كما يقول مراقبون.

والإثنين، ارجأت الأمم المتحدة إلى أجل غير مسمى جلسة الحوار بين اطراف النزاع في ليبيا التي كانت مقررة الاثنين.

وقال المتحدث باسم المنظمة الدولية ستيفان دوجاريك للصحافيين إن "اجتماع الحوار هذا كان مقررا لكنه لم يتم"، مضيفا ان رئيس بعثة الامم المتحدة في ليبيا برناردينو ليون "يواصل مشاوراته" للتوصل الى اتفاق على مكان وموعد الاجتماع.

ويقول مراقبون إن الوسيط الدولي إنما هو كمن "يحرث في البحر" إذا كان حقيقة يرغب في مواصلة مساعيه للجمع بين فرقاء لن يجتمعوا مستقبلا مطلقا بعد أن زادت حدة الفرقة بينهما لأسباب تمكن في النهاية في إصرار الحكومة على شرعية سلطتها، ورغبة الطرف المقابل في تحقيق حلم "الدولة الاسلامية" ضد إرادة الشعب الليبي كلف ذلك البلاد ما كلفها من دماء وتفكك وحروب لاتنهي.

وبعد ثلاثة اعوام على سقوط نظام معمر القذافي، تشهد البلاد بشكل يومي دوامة مواجهات بين جماعات مسلحة قبلية تحارب من اجل الوصول الى السلطة وحتى من اجل العائدات النفطية، وتصاعد قوة مجموعات اسلامية.

وقال ريتشارد كوكران الخبير في معهد الدراسات الاستراتيجية في لندن ان "الغرب يركز على سوريا والعراق لكن بالتأكيد ان ليبيا تشكل تهديدا اكبر وخصوصا لجنوب اوروبا".

وبالنسبة للأوروبيين فان المخاطر تكمن في تدفق المهاجرين من سواحل ليبيا مع المعاناة الانسانية التي يعيشونها في المتوسط قبل الوصول، وملاذات الجهاديين في الجنوب التي تهدد بإشعال منطقة الساحل مجددا.

وقال مصدر حكومي فرنسي "اليوم يصل حوالي عشرة الاف مهاجر شهريا من ليبيا.. وفي الجنوب فإن كل انجازات عملية سرفال (التدخل العسكري الفرنسي) في مالي يمكن ان تصبح مهددة".

ويضاف الى ذلك تهديد تنظيم "الدولة الاسلامية" الذي اقام معسكرات تدريب في شرق ليبيا رغم ان هذه الظاهرة لا تزال حتى الآن "ناشئة" بحسب الجنرال ديفيد رودريغيز الذي يتولى قيادة الجيش الاميركي في منطقة افريقيا.

لكن رغم ذلك لا يبدو اي طرف مستعد لارسال مقاتلات ومروحيات الى ليبيا كما حصل العام 2011. وبعد سقوط القذافي بدت المجموعة الدولية بدون اي رؤية واضحة بالنسبة لليبيا.

وقال المصدر الحكومي الفرنسي ان "عملية ضمن اطار حلف شمال الاطلسي غير واردة، لن نعيد الكرة \'ان نصل ونضرب ونجلب لكم الديموقراطية والوحدة الوطنية\'".

وهذا الامر من شأنه حتى ان يزيد من الفوضى.

وقال غونتر ميير الخبير في شؤون العالم العربي في جامعة مايانس (المانيا) لاذاعة محلية "نظرا للانقسامات الحالية في البلاد والتوترات الاقليمية، فان تدخل حلف الاطلسي لا يمكن ان يؤدي سوى الى كارثة اضافية ويؤجج بشكل اضافي الجهاد العالمي".

وباستثناء فرنسا، فان الاوروبيين والاميركيين الذين خسروا سفيرهم في بنغازي (شرق) في 2012، يلزمون الصمت حيال الوضع ويكتفون بالدعوات الى "وقف المعارك فورا".

والجزائر، اللاعب الاساسي في المنطقة، تعارض بشدة اي تدخل خشية عودة التهديد الاسلامي عبر حدودها وتدعو ايضا الى مصالحة وطنية في ليبيا.

لكن تلكؤ الدول المذكورة سلفا لا يعني ان فكرة التدخل العسكري لحماية ليبيا من الانهيار تبدو بعيدة تماما، خاصة بعد ان اصبح هذا الطلب بالتدخل وتسليح القوات الليبية ملحا من الحكومة الليبية الشرعية.

وهو طلب يجد دعما قويا داخل الجامعة العربية، كما أنه يضع المجتمع الدولي أمام واجب أخلاقي لأن لا شيء يبرر تدخله في العراق وسوريا ولا يفعل ذلك في ليبيا رغم توفر نفس الأسباب ونفس الخطر الإرهابي الذي لا يهدد هذا البلد الشمال إفريقي بل العالم بأسره.

وفي ظل انعدام أي أفق للحل السياسي في منطقة تتشدد فيها المواقف يوما بعد يوما ويدعي فيها كل طرف بانه ينتصر عسكريا على الاخر وهو وضع يغذي الأخطار الكامنة في ليبيا على الجميع، يفترض أن المعارضة للحلّ العسكري دعما للشرعية هناك لن تطول كثيرا.

ويقول ملاحظون إن الدول التي تبدو رافضة للتدخل العسكري هي في الحقيقة تسعى لتقوية شروط التفاوض على مصالحها داخل ليبيا ما بعد الحرب على الإرهاب ليس أكثر، وبالتالي فإن رفضها ليس مبدئيا وقد تتخلى عنه في النهاية طوعا او مكرهة تبعا للتطورات اللاحقة في المشهد الليبي خاصة إذا قرر التحالف الدولي الذي يحارب الإرهاب في سوريا والعراق توسيع مجالات هجماته لضرب البؤر الإرهابية في ليبيا.

وأنشأت فرنسا قاعدة عسكرية متقدمة على ابواب ليبيا في شمال النيجر يمكن ان تقوم ببعض العمليات المحددة الاهداف والمحدودة.

ويقول انطوان فيتكين المتخصص في الشؤون الليبية "الامر ليس معقدا جدا من وجهة النظر العسكرية، انها مواصلة ما يقومون به عبر عملية برخان في منطقة الساحل".