مائة يوم من حياة حكومة العبادي الجديدة (2)<br> وضع المؤشرات الأساسية لتقييم أداء الحكومة العراقية برئاسة الدكتور حيدر العبادي

تلجأ حكومات الدول الصناعية المتقدمة وبعض الدول النامية باطراد إلى إدخال نظام تقييم المعايرة الإدارية (Assessment of Administrative Performance Benchmarking) في كل مؤسسات الدولة، بعد أن لاحظت أن الأنظمة القديمة للرقابة والمسائلة غير كافية لقياس الكفاءة وزيادة الإنتاجية. وهذا النظام، في الدول الرأسمالية، من حيث المبدأ مقتبس أو منقول عن الشركات الخاصة الناجحة في أدائها الوظيفي، التي يمكن أن تصلح قدوة للمؤسسات العامة الحكومية لزيادة كفاءتها. إذ بدأت الحكومات بمحاكاة الأساليب الإدارية الممتازة المتبعة في الشركات الخاصة وذلك بأن تجعل المعايرة جزءً أساسياً من التخطيط ورصد الميزانية (1). فلا يكفي أن تفتح الدولة مؤسسة وتزودها بوسائل الخدمة والإنتاج لصالح المواطنين، وتتركها لحالها، ثم تتوقع منها أداءً جيداً أو ممتازاً.

تعريف المعايرة

المعايرة هي نظام تقييم المؤسسة (الشركة)، مقارنة بمؤسسات (شركات) مشابهة، من حيث العمليات الإدارية، الممارسات، التكاليف، والموظفين، لغرض كشف الفرص لتحسين الخدمات و/أو خفض النفقات (1). فالمعايرة بذلك أداة تطويرية تساعد المؤسسات لفهم أدائها. ولتصبح فعالة يجب أن تكون نظامية وصارمة. تستخدم المعايرة "مؤشرات" (Indicators)، ولِذا تُسمّى أيضاً "المؤشرات الرئيسة للأداء" (Key Performance Indicators)، لقياس الأداء، مثلاً، كلفة الخدمة للمواطن (2).

لماذا التركيز على المعايرة؟

من خلال المعايرة واستخدامها بشكل صحيح، تستطيع الحكومات تحسين قدراتها على استخدام المقاييس الواضحة، تقييم الأداء موضوعياً، وضع سلم الأولويات لفرص التطوير، تشخيص أفضل مردود ممكن من الإستثمار، الكشف عن الأداء الممتاز للشركات لتبنيها، وللتأكد من نجاح البرامج التطويرية. لقد نجحت الشركات الخاصة التي تستخدم المعايرة بجني الأرباح الطائلة منذ زمن بعيد (1). ومن لا يدرك أهمية المعايرة يعترض بقوله أن المؤسسات الحكومية خدمية بطبيعتها وليست ربحية، ولذا لا تنطبق عليها أساليب إدارة الشركات الخاصة. لكن أهمية المعايرة، في الواقع، لا تكمن في موضوع الربحية بل في زيادة الكفاءة والإنتاجية وبالتالي تقديم الخدمات الجيدة أو الممتازة للمواطنين. وهو أمر مطلوب في كل مؤسسة صغيرة وكبيرة، وحتى على مستوى الأفراد.

الفوائد/الأهداف المتوخاة

لماذا تستخدم المؤسسات نظام المعايرة؟

أول الدوافع هو تحسين الإنتاجية/الكفاءة، يليها مباشرة رضى المستهلكين، ثم الحاجة إلى الشفافية والمسائلة، زيادة رضى الموظفين وولائهم واندفاعهم، تحسين استخدام التقنية، والتغيير الشامل للوظائف والعمليات. أما النتائج المباشرة من استخدام المعايرة فهي كما يلي: زيادة الكفاءة، خفض التكلفة، وتحسين الصورة الكلية (1).

ظهرت في "المنهاج الوزاري" لحكومة العبادي، الذي حاز على ثقة مجلس النواب العراقي في 8 أيلول/سبتمبر، 2014، عبارات طموحة بشكل عناوين وخطوط عريضة لوعود وأمنيات متنوعة دون توضيح الطرق اللازمة لتحقيقها. ويبدو من صياغتها أنه تمّ تحضيرها على عجل. وفيما يلي إعادة تصنيف هذه العبارات ضمن ملخص بأهم المواضيع التي يجب أن تخضع للتقييم الشامل لأداء الحكومة:

أولاً: الملف الأمني

بناء الجيش والشرطة والأمن والأجهزة الاستخبارية على أسس الكفاءة المهنية والخبرة والولاء المطلق للوطن والشعب والدستور، وليس للحزب أو الطائفة. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ إعادة بناء القوات المسلحة ورفع كفاءتها المهنية وأن تكون ممثلة لجميع المكونات السكانية.

ـ تحشيد الدعم الدولي لمواجهة الإرهاب في العراق.

ـ العمل على تحقيق أمن العراق واستقراره وحماية منشآته.

ـ الحرص على أن تؤدي القوات الأمنية واجباتها في حماية المواطنين من الانتهاكات والتجاوزات.

ـ حصر السلاح بيد الدولة وحظر أي تشكيل مسلح خارج الدولة.

ثانياً: ملف السياسة الداخلية

ضمان الحقوق الأساسية والحريات، سياسة الشراكة الوطنية الواسعة، السلم المدني، حل الأزمات بالطرق السلمية، إصلاح الدستور والقوانين المنبثقة عنه، المناقشة العلنية لمشروع قانون الأحزاب، والتعاون بين الرئاسات الثلاثة، أي رئاسة الوزراء، رئاسة الجمهورية، ورئاسة مجلس النوّاب. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ تفعيل الإدارة اللامركزية وإعادة رسم سياسة الدولة.

ـ إلتزام الحكومة بالمبادئ الأساسية الواردة في وثيقة اتفاق الكتل السياسية.

ـ التعاون والتنسيق مع مجلس النوّاب في التشريع والرقابة.

ـ خطة شاملة لإصلاح الأداء الحكومي.

ـ التصدي لمظاهر الفساد.

ـ الفصل بين المناصب السياسية والإدارية وتطبيق مبدأ تكافؤ الفرص.

ـ تحقيق التوازن بين مكونات الشعب العراقي في المؤسسات العراقية.

ـ إلتزام الحكومة بحل جميع المشاكل العالقة مع الإقليم الكردي.

ـ إلتزام صارم بمبادئ حقوق الانسان في مؤسسات الدولة كافة.

ـ تفعيل منظمات المجتمع المدني.

ثالثاً: الملف الاقتصادي

ضرورة العمل بنظام الموازنة المالية لأربع أو خمس سنوات، إستثمار النفط والغاز الطبيعي والخامات الأخرى من خلال شركات وخبرات وطنية، إنشاء المشاريع التنموية، الإستثمار الواسع بمصادر الطاقة الطبيعية المستدامة، زيادة الإنتاج الزراعي والحيواني، تشجيع الصناعات الوطنية التقليدية، تحقيق التوازن بين القطاع العام والقطاع الخاص، الإستثمار بالسياحة الآثارية والدينية. القضاء على العجز المالي وديون الدولة. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ تفعيل خطة التنمية الوطنية 2013 – 2017.

ـ تقويم السياسات النفطية والمالية على أسس تنموية منصفة.

ـ إنجاز الإصلاح الاقتصادي والمالي والتحول لاقتصاد السوق.

ـ دعم الاستثمار في البيئات المختلفة.

رابعاً: ملف البنى التحتية

توفير الكهرباء والماء والصرف الصحي والهاتف والشبكة الدولية (الإنترنت) والطرق والجسور والوحدات السكنية والمؤسسات الصحية والتعليمية والتربوية والاجتماعية والرياضية. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ توفير البنى التحتية والضرورية كالكهرباء والنقل.

خامساً: التنمية البشرية

نشر التعليم بكافة مراحله وأنواعه، زيادة الوعي الصحي والبيئي والثقافي، رعاية المرأة والأمومة والطفولة والشيخوخة والإعاقة، الضمان الاجتماعي، القضاء على البطالة، توفير فرص العمل لكل المواطنين، ومعالجة الفقر. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ الإرتقاء بالمستوى الخدمي والمعيشي للمواطن ومستوى التنمية في الصحة والتعليم.

ـ توسيع نظام الضمان الاجتماعي.

ـ تعزيز دور المرأة في المجتمع.

سادساً: الخدمات الإدارية

أداء المؤسسات الحكومية، السيطرة على الفساد في مؤسسات الدولة، الشفافية في الملف المالي للحكومة، معالجة معضلة الموظفين الوهميين والبطالة المقنّعة والتقاعد الكيفي، ترشيد النفقات، مراقبة لجان المشتريات، إلغاء المناصب الفخرية والرمزية، إعتماد الموازنة المالية والتخطيط والمتابعة والمعايرة والمراقبة والتفتيش والمسائلة والمحاكمة، توفير الموارد البشرية لكل الفعاليات الخدمية والإنتاجية، وزيادة تقنية المعلومات. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ الإنطلاق بثورة إدارية لإعادة بناء مؤسسات الدولة المدنية والعسكرية، وإخضاع مشاريع الدولة للمراجعة.

ـ تطبيق الحكومة الإلكترونية لرفع القدرة الانتاجية.

ـ إعتماد الخبرة الدولية والمحلية في التخطيط وغيرها.

سابعاً: التقيّد بالدستور والقوانين والمواثيق. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ إخضاع الخلافات والقضايا المالية والإدارية والقانونية لحكم الدستور.

ثامناً: السياسة الخارجية

توطيد العلاقات مع دول العالم والتعاون بشأن القضايا الدولية، السيادة الوطنية، الاستقلال، التضامن، التنسيق مع تركيا وسوريا وإيران بشأن الحصص المائية لنهري دجلة والفرات، عقد اتفاقات للتعاون الأمني ومكافحة الإرهاب ـ الوهّابي وتسليم المجرمين، وموازنة الميزان التجاري بين الاستيراد والتصدير. بينما أشار "المنهاج الوزاري" إلى:

ـ إيلاء السياسة الخارجية أهمية خاصة تقوم على أسس المصالح المشتركة، والالتزام بسياسة حسن الجوار، وعدم التدخل بالشأن الداخلي.

تاسعاً: الاستعداد للكوارث الطبيعية والاستجابة السريعة. لم يُشِر "المنهاج الوزاري" إلى أيّ شئ بهذا الخصوص.

إضاعة فرص ذهبية في الماضي القريب والحاضر وربما في المستقبل

بغض النظر عن طبيعة النظام السياسي الإستبدادي بين عامي 1968 و2003، الذي أضاع فرصاً ذهبية كثيرة على الشعب العراقي، فقد أدخلت الحكومة العراقية، في عهد الرئيس الراحل أحمد حسن البكر في بداية السبعينات من القرن الماضي، أنظمة إدارية متطورة بضمنها التخطيط والمتابعة والإحصاء والرقابة الداخلية والخارجية والمسائلة والمحاسبة والمحاكمة وغيرها. وفرضت عقوبات صارمة على كل مظهر من مظاهر الفساد الإداري. ومع أن المؤسسات الحكومية العراقية في السنين الأخيرة من عهد الرئيس الراحل، الطاغية صدام حسين، كانت تعاني من مشاكل كثيرة لا مجال لمناقشتها الآن، إلا أنها كانت فعالة ومفيدة لعموم الشعب العراقي. وكان من الممكن جداً تغييرها تدريجياً نحو الأحسن باتباع الطرق الإدارية الحديثة. لكن حكومة الاحتلال الأميركي ـ البريطاني عام 2003، برئاسة مجرم الحرب جورج بوش الابن، وتنفيذ الحاكم الصهيوني الجمهوري، باول بريمر، وتعاون الأحزاب الطائفية المساندة للاحتلال، اختارت أن تضيّع فرصة تاريخية ذهبية بأن تفكّك الدولة العراقية بأكملها ثم تعيد بنائها على أسس الولاء للولايات المتحدة الأميركية والولاء الطائفي والحزبي، وتهمل تماماً الولاء للعراق والشعب العراقي والدستور والقانون. لذا ظهرت منذ عام 2003 مؤسسات طفيلية ـ سرطانية، حكومية وخاصة، وممارسات فاسدة كثيرة لم تكن معهودة سابقاً حتى في أسوأ الأنظمة التي مر بها العراق منذ تأسيس الدولة الحديثة عام 1921.

وبالرغم من أهمية المؤشرات المذكورة أعلاه، لكن إذا لم تتوفر لدى القائد السياسي العراقي، الدكتور حيدر العبادي، نية مخلصة وإرادة واضحة وعزيمة ثابتة للإستفادة من نظام المعايرة، وبقية الأساليب الإدارية الممتازة، في مؤسسات الدولة كلها فإنها تصبح مجرد دكاكين أخرى لتوظيف الأقارب والموالين له في الحزب، ونقل الفساد من الواجهة الأمامية إلى الغرف الخفية، وزيادة إحباط المواطنين العراقيين.

المصادر:

(1)

Assessment of Benchmarking within Government Organizations

Authored by Mark Howard and Bill Kilmartin

May 2006

http://www.accenture.com/SiteCollectionDocuments/PDF/Assessment_of_Benchmarking_Within_Gov_Org.pdf

Accessed: Monday، January 5، 2015

(2)

What is benchmarking?

http://www.improvementservice.org.uk/benchmarking/

Accessed: Monday، January 5، 2015