شاعرُ السُّخرية في الشعر الشّعبي العراقي

سيري سيري . يا حكومة توم وجيري

لاشك أن معظم الشعر الشعبي العراقي يتجه نحو التشكيلات الإيقاعية ذات الأثر العاطفي لإيصال رسالة ما عن قضية ما سواء تلك القضية عاطفية أو سياسية أو دينية، ولاشك أن الذاكرة الشعبية ذاكرة تكاد تكون ممتلئة بأشكال من الإحباطات والحزن ولازالت هذه الذاكرة رغم امتلائها فأنها تستوعب مستجدات البيئة الشعبية والوقائع الآنية ليتشكل هنا ما يعرف بالمداخل الضرورية لمعاينة (الشخوص - الأماكن – الرغبات – الإفتراض- اليقين -...) وغيرها من المداخل التي تقدم مبررات الولوج الى النص الشعبي ضمن مؤثراته الداخلية وهو يعني الثبات داخل النص وليس خارجه ووفقا لذلك فإن النص الشعبي منطوقُ عن بيئته.

ولكي نكون في مساحتنا النقدية أكثر تقريبا وتقربا مما ذكرنا فهناك خارج ما يستجد من هذا السياق، اتجاه نحو السخرية لمخاطبة الواقع المأساوي من فساد وقتل وتدمير وقطعا أن مواجهة هذه المسميات بالسخرية لا بد أن نعي أن الشاعر يسعى لتهيئة المتلقي لتقبل المزاوجة بين الحياة واللا حياة وتقبل الصور الشعرية في أعلى حالات سخريتها لتجريم قباحة الفساد وتجريم امتهان حرية الفرد وتجريم الواقع الذي أصبح يتقبل بصمت الكوارث المتلاحقة.

لقد رأيت فيما قدمه الشاعر الساخر حسين الدبي إنموذجا لمواجهة الحياة العراقية الحالية بمقودها (الحكومي – السياسي) مواجهتها بسخرية فائقة، ولربما يعكس الشاعر بهذا المفهوم أن النص الشعبي الساخر هو الوسيلة الأنجع لتسفيه سخرية الواقع الذي صنع على أيدي رجال السياسة بمختلف اتجاهاتهم ومشاربهم فالسخرية في نصه الشعبي لا تعرف الإستثناء، ولا تتعامل مع المبررات فهي فعل لصوت شمولي يمثل المجتمع العراقي ومعاناته المستمرة والتي تتسع يوما بعد آخر، وكأن لا خلاص هناك من هذه المحنة.

لقد استخدم الشاعر الساخر حسين جبر الدبي لغة مُدربة على التأثير، أي أن لغتة ليست لغة تدمير وقتل بل هي لغة تحريضية لما يمتلكه المتلقي العراقي من ثوابت وطنية وأخلاقية ضمن تاريخ المجتمع العراقي ودوره في تماسكه ووحدته ووطنيته خلال حقبه التاريخية، وأن الطَّرقَ على هذا المكون الإنساني يعني أن مقومات التغيير قائمة بوجود الموروث الضخم (الفكري - الإنساني – الأدبي - الإجتماعي). ولكي يكون حراكه الشعر ضمن ذلك المنحى المتضاد فأنه يبدأ بتأليب موجوداته تارة باستخدام الأمثلة الشائعة وتارة باستخدام المفردات التي نمت ضمن حاضنة المتغيرات السلبية التي غزت العبارة الشعبية، وتارة يستعين الشاعر بالموروث الشعبي وهو في كل ذلك ينحو لإعطاء الدلالات بعدا فكاهيا ضمن وسائله التي أتاحتها له طبيعة الأحداث من جهة، وقدرته على تسفيه الواقع وإحلال السخرية المؤثرة في مشهده الشعري:

حجنجلي بجنجلي

هذا الك هذا الي

امريكا ما تقبل بعد

يبقى الوطن سالم تري

خلي نوزعه يا ربع

خلي نوزعه ياهلي

وزير الك وزير الي

فراش الك فراش الي

نفط الك والغاز الي

جبل الك والهور الي

بصره الك اربيل الي

شيعي الك سني الي

كردي الك عربي الي

حجنجلي بجنجلي

المسيحي والصبي شرد

ضل اليزيدي مبتلي!

هذا مخطط بايدن

الما ينفذه

ينطرد لو يبتلي

ولا حضت برجيلها

ولا خذت سيد علي!!

إن القوة في التعبير الساخر ضمن النص الشعبي العراقي تدلُ على أن السخرية نفسها تتكون من قضية وليست فعلا عابراً أي أنها تتركز على مبررات مشروعة وحقيقية للإفاضة بهذا النمط من النقد اللاذع وهو ما يهيئ لها أن تكون تيارا شعريا يقود حركة الإحتجاجات ضد الواقع الفاسد، فالشعر أحيانا وتحت ظروف قاهرة ومريرة تكمن جماليته في سخريته بل تنتج هذه السخرية لدى الشاعر أدوات نوعية للتعبير تمكنه من إجلاء الحقيقة والإبتعاد عن التعقيدات اللفظية عبر كم من الصور الهجائية التي تأسست بفعل المهارة والخبرة واللتان ساعدتا الشاعر الدبي على إختيار الأفضل والصالح ضمن دلالته من القاموس الشعبي اللغوي ناهيك عن أن النصوص المنتجة لها خصوصية الشراكة العاطفية لتقدم عرضها المطلق لجمال النص تجاه القبح المستشري في الواقع:

سيري سيري

يا حكومة توم وجيري

انه ما اكتب لريس

انه اكتب للشعب

اكتب اليمليه ضميري

السياسه هيه لعبه

بيها جندي وبيها فيل وبيها قلعه

تكتل القلعه وزيرك

كش ملك انه وزيري

جليبيتو باالكراسي هيه لزكة جونسون

لو صمغ ميري

يشاهد هنا أن الخطاب الشعري يستحضر بعض المفردات الأكثر شيوعا ضمن البيئة الشعبية لتسهيل عملية وضع المتلقي ضمن حيز النص، فهناك شراكة مسبقة في تقييم الواقع وهناك شراكة عاطفية مشحونة بالأمنيات، وهناك شراكة نفسية ممتلئة بالمخاوف، وهناك توق نحو مجتمع تسود فيه العدالة والطمأنية والسيادة والإستقرار.

إن الشاعر حسين الدبي يرى أن كل تلك الممارسات السلبية زائلة والباقي الوحيد هو الوطن وهذا المدخل باعتقادي قفز بالسخرية من النقد اللاذع الى النقد الهادف المصحوب بالمعادل الإيجابي بعد أن اشتغل الشاعر وضمن نصوص أخرى ضمن منحى الوطن وروعته وقدسيته.

نعتقد أن الخطاب الشعري للشاعر حسين الدبي قد سعى للتذكير بالعديد من المسميات التي لازالت حاضرة في الذاكرة العراقية إن كانت قبل كم من السنين أو تلك المسميات من الشخوص والأرقام والأماكن والألفاظ التي استحدثت خلال السنوات العشر الأخيرة وأسست قاموسها السلبي واستخدمت كمؤشر على الفوضى والفساد.

لاشك أن هذا الباب باب السخرية في الشعر الشعبي العراقي والذي فتحه الشاعر حسين جبر الدبي سيكون بابا يسع الداخلين ممن يؤمنون بأسماع أصواتهم عبر هذا النمط الأدبي:

دللول يالولد

يبني دللول

دصبر حبيبي

كلشي يهون

باقي الوطن

والكل يولون!

q.poem@yahoo.com