يسري عبدالله: مطلوب مشروع ثقافي وطني جامع، مصري/ عربي الملامح والهوى

لا بد من مجابهة الفكرة الظلامية

أكد الناقد د. يسري عبدالله في الجلسة البحثية التي حملت عنوان "الثقافة في مواجهة التطرف"، التي عقدت في إطار الجليسات البحثية لمؤتمر "نحو استراتيجية عربية شاملة لمواجهة الارهاب" الذي عقد مؤخرا بمكتبة الاسكندرية بالتعاون مع وزارة الخارجية إن أية محاولة جادة لمقاومة التطرف ومجابهته لا بد أن تكون ضمن مشروع ثقافي وطني جامع، مصري/ عربي الملامح والهوى، تستعاد فيه القوة الناعمة المصرية، وتقبر الفكرة الظلامية عبر سياسات ثقافية بديلة ومختلفة ابنة الآن/ وهنا، وابنة وعي جديد ومفارق، مسكون بخيال مختلف وخلاق.

وأوضح أن ذلك يتطلب تغييرا جذريا داخل متن ما يعرف بالثقافة الرسمية، وأعني تحديدا وزارة الثقافة المصرية، هذا التغيير الذي يجب أن يتحرك على مسارين، يتعلق أولهما بتغيير السياسات الثقافية، لتصبح أكثر عونا على التعاطي مع اللحظة، وأكثر سعيا لخلق بنية تنويرية حقيقية، بدءا من إعادة تمليك وزارة الثقافة للشعب المصري، والانتقال بها من خانة أن تكون وزارة لمجموعة من المثقفين لتصبح وزارة للمصريين جميعا، ووصولا إلى التكريس لمشروع الثورة الثقافي، وخلق سياق وطني الملامح والهوى، ينفتح على مراكز إنتاج الثقافة المختلفة، فيخلق حالة من التفاعل الندي بين الثقافة المصرية وغيرها من الثقافات، دون الوقوع في فخ التبعية الذهنية للآخر الأورو/ الأميركي، ومع الانحياز الواضح - بلا لبس أو مواربة - لقيم التقدم والحداثة والاستنارة والإبداع، والمجاوزة الفعلية لكل ما هو ماضوي، أملا في غد سكنته أحلام الشهداء ودماؤهم.

وأضاف د. عبدالله "أما المسار الثاني فيتمثل فيمن ينهض على التغيير ذاته، فالسياسات الثقافية الجديدة تحتاج نخبا جديدة بحق، وضربا للمعيار السرمدي الحاكم لأفق الحياة المصرية من تغليب أهل الثقة على أهل الكفاءة، وبما أورثنا واقعا مسكونا بالعتامة، ومن ثم فلا بد من إعادة الاعتبار لقيم النزاهة والكفاءة بعد أن أوصلنا أهل الثقة ورجالات كل الأنظمة والعصور إلى حال من البؤس الثقافي".

وطالب الدولة المصرية أن تعيد صياغة العقل العام، بما يتواءم مع اللحظة الراهنة، ويفي بمنطقها بالغ التعقد والتشابك، والذي يستدعي خيالا جديدا للتعاطي مع كل شيء، فالتصورات القديمة تكرس لواقع قديم، وفي دولة الثلاثين من يونيو من العيب أن تعود النخب الثقافية التي تمترست في عهد الموات السياسي والثقافي المباركي لتطل علينا من جديد بوصفها معبرة عن المثقف المصري اليوم، وممثلة لذلك" الآن/ وهنا"، وبما يعني أن الثورة حقا لم تصل الثقافة ولم تقرب بابها قط.

وقال د. عبدالله الثقافة المصرية تحتاج إلى خيال جديد، بعيدا عن الفساد المباركي، وعن المتحالفين مع الفاشية الدينية، ومن ثم يمكن مواجهة قوى الرجعية والتطرف، وتدشين حالة ثقافية بامتياز داخل مجرى الحياة المصرية وفي ربوعها المختلفة، حالة تبتعد عن كرنفالية السياسات السابقة، فتصبح أصيلة بحق، وبما يؤسس لوعي ممكن قادر على الاستشراف والتخطي، يعد ابنا لتنوير حقيقي لا مزعوم أو متخيل، يفض فيه التحالف المشبوه بين الاستبداد والرجعية.

ونبه على الدولة المصرية أيضا في سبيل مقاومتها للمد الرجعي، تشجيع المبادرات الفردية الثقافية والكيانات الأهلية شريطة ألا تكون بديلا عن وزارتها المترهلة والتي تحتاج حلولا حاسمة وجذرية، وبما يعني تدشينا واعيا لحالة تنويرية بامتياز، تقف بثبات ضد قوى التطرف في مسعاها الأكثر انحطاطا لإعادة الواقع المصري إلى القرون الأولى.

ومن ثم فلا بد من مجابهة الفكرة الظلامية، ومقاومة من يتعيشون عليها داخل الثقافة الرسمية، ممن ساندوها أيام حكم المعزول مرسي، وجماعته الفاشية، ومن كسر الصيغة الصنمية"الفساد/الرجعية"، وفض التلازم المشبوه بينهما.