البصرة... عن اغتيالات علماء السنة!

االعنف الطائفي يثور من جديد

إذا قادتك قدماك صبيحة كل جمعة إلى شارع المتنبي فسوف تعثر حتماً على كتاب جديد عن فلسفة التسامح والحوار، وربما ستجد من يلقي على مسمعك محاضرة عن نبذ التطرّف والطائفية.

يقول وول سوينكا، النيجيري الحائز على نوبل للآداب:" إن العنف يعود في جذوره إلى الكراهية التي تجد لها مناخاً خصباً في أنظمة لا يسمع ساستها سوى صدى أصواتهم " ... أعتذر لكم في كل مرة أحاول فيها أن أعيد كلاماً سبق أن كتبته من قبل، لكنني مضطر.

تمتلئ صفحات الفيسبوك بأحاديث وردية عن "اللحمة" الوطنية ومحاربة نوازع التفتيت والفُرقة ، لكنّ الحقيقة الوحيدة أنّ كثيراً من سكان هذا "الكوكب الافتراضي" ينتمون إلى صف واحد، يرفض الاعتراف بالآخر ويتمنى أن يحوّل عالمه هذا إلى طوائف وقبائل متعددة.

وقبل أن يُخيَّل إلى أحد أن هذا الكلام فيه تجنٍّ كثير، يحسن بنا أن نتأمل، ما جرى في حادثة الزبير، وما يجري في العديد من مدن العراق.

في هذا المكان كتبتُ عن عبارة "لا مكان لكم في البصرة" التي خطت على أوراق وزعتها مجموعات مسلحة في مناطق يسكنها مواطنون من الطائفة السنية، رافقتها حملة اغتيالات تعرّض لها أهل السنّة في البصرة منذ سنوات ".

سيقول البعض لماذا تنسى أنّ هناك أصواتاً استنكرت وشجبت.. ولكن يا أعزائي عليكم ألاّ تنسوا أننا برغم حالة الانفراج التي حدثت بعد رحيل "الزعيم المبجّل" لانزال نعيش وسط عقليات ظلامية تسعد وتفرح في مطاردة الآخرين، وتؤمن أن هذا البلد لا يتحمل أكثر من طائفة واحدة، وهنا لابد من فرض واقع جديد يعتبر الآخر "غريباً" وعليه أن يقبل بشروط صاحب الدار، وهو المنهج نفسه الذي يتبعه الكثير من المسؤولين والسياسيين الذين يرون أن حــلَّ أزمات البلد هو تحويل الشعب إلى قبائل وطوائف، هذه هي العقلية التي ترفض أن نتساوى جميعا في المواطنة.. عقلية تعادي ما ليس يشبهها، ولا تجـد للآخر سوى طريقين: إما الرحيل أو القتل.

تُعلّمنا تجارب الشعوب أنّ معارك الكراهية تنتصر مؤقتاً، فالفوز الدائم لأهل التسامح والمحبة والطمأنينة، كم عقداً دام التمييز العنصري في جنوب أفريقيا، وفي النهاية كان الفوز لسجين اسمه مانديلا؟!

هل نتعلّـم من هذه التجارب كيف نترجّل عن حلبة الكراهية، وأن نضع حداً لجريمة قتل الآخر وتهجيره باسم المظلومية والطائفة والدين؟ قد تبدو المهمة اليوم عسيرة، ولكن قديماً قال عمّنا أرسطو إن ترميم الأوطان ليس بالعمل الهيـِّن.

يضع أمبرتو إيكو في مقدمة كتاب أعداء الحوار للإيطالي ياكوبوتشي وصفاً دقيقاً للامتسامح: " إنسان عاجز عن النقاش يفكّر ويتكلّم بمفرده من دون أي حوار، نادراً ما يستخدم مصطلحات مثل "تقريباً" أو "نوعاً ما" فبالنسبة له هذا "عبث مطلق" و هذا الفلان ما هو إلا "شخص أحمق تماما"

معتاد على التعميم ولا يفعل شيئاً سوى تقسيم العالم إلى "حق" و "باطل" ولديه إحساس بأنه على صواب دوماً ".

يا سيدي اللامتسامح صدّقني أنت رجل عبقري، وإذا مات آلاف الأطفال في مخيمات اللاجئين وتشرّد الملايين، وأفلست الخزانة وعمّ الخراب، لايهمّ لأنّ خطبك العظيمة ستعيد الطمأنينة لمن هُجّروا من منازلهم، والراحة لأمهات ثُكلت بأبنائها، والسعادة لأطفال دخلوا بجدارة قوائم اليتم والحرمان.

فلتحيَ شعارات لا مكان، فمبثل هذا وبقتل الأبرياء نضمن السعادة لهذا الشعب الذي لديه رجاء واحد، الابتعاد عن الزبير.

علي حسين

كاتب عراقي