إرادة كامنة

عام جديد يأتي... ولاتزال محاولات تعميم التخريب والتفتيت، مستمرة في عالمنا العربي ومحيطنا الإسلامي من موريتانيا إلى الخليج مرورا بليبيا والسودان والصومال واليمن والعراق وسوريا... ومرة أخرى، دون تورية أو استثناء. ولتضيع معها أحلامنا في التنمية والكرامة والحرية.

فهل لنا بعد كل هذا الخراب والدمار، أن نحلم بغد أفصل لنا وللبشرية جمعاء؟ وهل يكون عزاؤنا أن الزمن يتحرك إلي الأمام باستمرار، وأن التاريخ لا يعيد نفسه؟ لا بأس إذن... وما أضيق العيش لولا فسحة الأمل.

أقول هذا وأنا أعرف أن الطريق الأمثل لاستعادة حلم البشرية، هو إعادة الاعتبار للقانون الدولي، ولميثاق الأمم المتحدة، ونبذ الحروب، وتغليب لغة الحوار، والانتصار لحق الشعوب في تقرير المصير، وتأكيد عدم جواز التدخل في الشئون الداخلية للدول.

وبالنسبة لنا نحن العرب، فلا مناص، في هذا المنعطف التاريخي، من الاعتماد على الذات، والتمسك بجامعة الدول العربية، كبيت لكل العرب، وتفعيل الاتفاقيات والمعاهدات، ومن ضمنها اتفاقيات التكامل الاقتصادي ومعاهدة الدفاع العربي المشترك، وميثاق الأمن القومي الجماعي. واعتماد الحوار في القضايا المختلف عليها، بدلا عن القطيعة والمجابهة، والتنسيق في مجالات الثقافة والتعليم والصحة والتنمية، وصولا إلى صيغة أعلى من التكامل والوحدة.

فلقد أصبح واضحا بما لا يقبل الشك أو الجدل، أن بلادنا تتعرض لتحديات وهجمات غير مسبوقة، وأنها غدت موضع استهداف في أمنها وسلامتها ووحدتها، من جهات مشبوهة عديدة، قد تختلف في أساليبها وتوجهاتها السياسية وفي نواياها وأهدافها وشعاراتها، لكن الثابت أنها تلتقي جميعا، في حلف غير مقدس، حين يتعلق الأمر بالإساءة لأمن البلاد ووحدتها واستقرارها.

نحن هنا إزاء جملة من الاتهامات والتحريض ضد ديننا، وثقافتنا وتقاليدنا، وبالتالي ضد وجودنا ومستقبلنا. يوجه إلينا قرار اتهام بأن العنف هو جزء من فطرتنا، وتكويننا، وأن ديننا الحنيف قام بالسيف. وهو ادعاء باطل، يعلم مطلقوه أنه يتناقض مع الحقائق التاريخية والموضوعية. فالإسلام كغيره من الأديان السماوية، كان ولا يزال رسالة سلام لجميع البشر، ولعبادة الله الواحد الأحد.

لذلك يجب أن نأخذ جميع هذه المخاطر بعين الاعتبار، وأن ندرك أننا في هذا الوطن، نمر بمنعطف صعب وامتحان تاريخي، وأن علينا أن نأخذ جملة التهديدات والتحديات التي تواجهنا بمنتهى الجدية.

وأنه علينا جميعا حكاما ومحكومين مسئولية تاريخية وأخلاقية في حماية هذا الوطن والذود عنه. وعلى الرغم من تقديرنا للمواقف الإيجابية التي التزمت بها القيادة السياسية خلال الشهور القليلة الماضية، والتي تمثلت في دعوة الرئيس عبد الفتاح السيسي لعلماء الدين وللمثقفين بضرورة تجديد الخطاب الديني ومكافحة الإرهاب الفكري، فإننا نرى أن الوقت يداهمنا، وأن جدية المخاطر التي تتعرض لها بلادنا تفرض علينا السير بخطوات ثابتة وراسخة، ولكنها في ذات الوقت يجب أن تكون متجانسة مع حجم التحديات التي تواجهنا اليوم، ومتماهية مع السرعة التي تتداعى فيها وتيرة الأحداث.

هذا لأن الخفافيش التي تتحرك في الظلام، ستواصل عملها الإرهابي القذر، رغم كل الجهود التي يبذلها رجال الأمن لتحقيق الاستقرار في البلاد. والطريق الصحيح لمواجهتها والقضاء على فلولها هو أن يفرض عليها الانتقال إلى دائرة الضوء.. إلى الشمس.. وهي بالتأكيد لا تطيق ولا تتحمل تبعة هذا الانتقال. فهي أضعف من أن تواجه بأهدافها وبرامجها قوانين التطور وروح العصر.

وفي هذا الاتجاه، ينبغي التركيز على أهمية احترام الهوية الوطنية وترسيخ مبدأ المواطنة وسيادة مبدأ التسامح والارتفاع فوق الجراح، وأن يجري فتح النوافذ ليدخل منها الهواء النقي. ولعل هذا الوقت هو الأفضل لفتح الأبواب واسعة ومشرعة لتشجيع الاجتهاد واحترام التعددية والرأي والرأي الآخر. والتسليم بفكرة التنوع ضمن المجتمع والوطن الواحد.

فهذا الوطن، هو وطننا جميعا.. وهو السفينة التي نلوذ ونحتمي بها في ظلمة البحر، فإما أن تتضافر جهودنا من أجل تأمينها من الغرق، وحمايتها من العواصف التي تحدق بها، أو يكون نصيبنا جميعا، وبدون استثناء، التيه والضياع مع اندفاعة هذا الطوفان الجارف. أفلا يستحق هذا الوطن العظيم كل تضحية نبذلها في سبيله؟

نأمل أن تكون هذه الآمال وتلك التحديات، حاضرة في أذهان الجميع، ونحن نستقبل العام الجديد. فليس لنا إلا أن نتمسك بالأمل، وأن نواصل الحلم، فالحلم كما قال أحد الفلاسفة هو "إرادة كامنة".